أكاديمي وروائي يمني. بروفيسور جامعي في علوم الكمبيوتر بقسم هندسة الرياضيات التطبيقية (كلية العلوم التطبيقية، روان، فرنسا)، منذ ١٩٩٢. يشرف على مشاريع فرق أبحاث جامعية مشتركة، وعلى كثيرٍ من أبحاث الدكتوراه. بيد أن شغفَهُ بل هوسَهُ الأوّل والآخر، الظاهر والباطن: الكتابة الأدبية، وذلك منذ أن نشر أوّل قصيدةٍ شعريّة في مجلة "الحكمة" في ١٩٧٠.
تعلن شركة حبيب سروري للسفر والسياحة عن انطلاق ثلاث رحلات: الأولى تسافر في الكون بِحُرية وعلى متنها خمسة روّاد يعشقون الفضاء ويطمحون لإنجاب أول طفل خارج كوكبنا الأم. الثانية تنطلق في الفضاء الخارجي وطاقمها مكون من فيزيائية وعالمة بيولوجيا وفيلسوفة وشاعرة ونبي، أو متنبي إذا صح الوصف. أما الثالثة فهي بَحرية على متن قارب متواضع بصحبة صيادين ووجهتها هي جزيرة سقطرى اليمنية حيث عجائب النبات والطير والحيوان.
أزمات معاصرة كما يقترح الغلاف الجذاب، هذه رواية تجري معظم أحداثها في الفضاء وتناقش مشكلات حديثة. منها تراجع الرغبة في الإنجاب في الغرب تجنباً للمسؤوليات المالية والاجتماعية بالإضافة إلى موجة المثلية الجنسية. كما يطرح الراوي بعض الحلول التي لجأ إليها البشر للتكاثر، بعض منها خنفشاري. تتحدث الرواية أيضاً عن التلوث الذي تقوده الشركات الكبرى والتي لم تكتف بامتصاص ثروات الأرض حتى توجهت إلى الفضاء لغزوه. للذكاء الصناعي بما له وما عليه نصيب من الرواية إلى جانب تأملات وحوارات عن جدوى غزو الفضاء مقابل صرف الميزانيات والجهود في إنقاذ الكوكب الذي نقوم بتخريبه دون هوادة.
"الماضي ثقب أسود..يشفط من يأبى إلا أن يعيش فيه، من يدور حوله، ومن لا يستطيع تجاوز مجال جاذبيته بالسفر نحو فضاءات المستقبل"
هموم محلية لا ينسى سروري بلده المنكوبة، يستعرض على القارئ ومضات من تاريخ أزماتها، بل ويتنبأ لها بمصير مشؤوم: أن يتم تدويلها وإدارتها تحت مسمى اليمن الجديد، كما ينوّه أن وصف "الجديد" ليس بالوصف الإيجابي. رغم النبرة الساخرة التي يسرد بها الراوي مجمل الأحداث، إلا أن هناك مواضعاً يتحسر فيها بشدة على الوطن الفقيد:
"كلانا مكافحان، كل بطريقته، من أجل بقاء آخر جينات شعب يمني مسحوق طيب، تعثر عن مواكبة الحضارة، فابتلعه صراع الشعوب الدامي من أجل البقاء. شعب يستحق الجنة بمجمله تقريباً، إن كانت هنالك جنة، لأنه آخر من آمن بها!"
وصف...وصف...وصف أجرؤ على القول بأن الوصف احتل الحيز الأكبر من مساحة الرواية. صفحات تلو الصفحات مخصصة لوصف الكواكب، الأقمار والنجوم. صفحات أخرى تصف السفينة الفضائية وكوّاتها وحجراتها. ثم هناك وصف سقطرى بشواطئها وسهولها وجبالها. الوصف خلّاب، لا شك في ذلك. سيشعر القارئ المحب للوصف برغبة في مشاهدة السماء حالاً، أو زيارة سقطرى في أقرب فرصة. لكن القارئ الذي يحب الخوض في الأحداث مع أقل جرعة ممكنة من الوصف قد لن يطيب له ذلك.
أخت المطففين تنقّل سروري في رواياته بين إطارات متعددة، منها التركيز على الأحداث اليمنية، نقد التراث، عشق الترحال والدستوبيا. هذه الرواية أقرب ما تكون لروايته السابقة جزيرة المطففين مقارنة بأعماله الأخرى. التقنية مشابهة: التركيز على الأفكار والسرد المتتالي مع الإقلال من المشاهد المركزة. اللغة رائقة تجمع ما بين الاستعارات الشعرية، العبارات القرآنية والمفردات اليمنية. تنوعت الثيمات بين مصير البشرية في الكون، مصير اليمن في العالم، العلم ودوره، الحب كيف يداوي وكيف يقتل، ومتعة السفر داخل وخارج الكوكب.
رواية سرورية أخرى، يتغلب فيها الوصف والأفكار على الحبكة، تسافر إلى الفضاء دون أن تنسى أزمات كوكب الأرض وهموم الوطن.
إلى عالم الفضاء يأخذنا الروائي وأستاذ علوم الكمبيوتر اليمني حبيب عبد الرب سروري في رواية "نزوح" (دار الساقي 2024) لنجد أنفسنا إزاء تجربة سردية مختلفة تعتمد على التطورات العلمية الخاصة باستكشاف حياة أخرى بعيدا عن الأرض، ولكنها تنطلق إلى الغوص في تفاصيل النفس البشرية في الوقت نفسه، إذ تقوم على بحث إمكانية إقامة علاقات إنسانية حميمة خارج منظومة العلاقات المعهودة، وتمزج بين الإنسان والطبيعة وعلاقات الحب والصداقة والمغامرة.
تبدأ الرواية بالحديث عن مركبتين فضائيتين أطلقتا بحثا عن الحياة في الفضاء، في كل مركبة خمسة أفراد، يحمل كل واحد منهم أحلاما وآمالا عريضة للعيش هناك، ويتقرر أن تكون المدة الزمنية التي تجمعهم سويا في الفضاء قرابة عام ونصف العام، مما يقتضي أن تنشأ بينهم علاقات وثيقة، لا تقتصر على الصداقة والتعايش والأكل والشرب، وإنما تتطور لتتضمن علاقات حب وزواج بين نساء هذا الطاقم ورجاله. ولعل هذا هو التحدي والفكرة الأساسية الشاغلة التي تنطلق منها رواية "نزوح"، ولكنها لا تتوقف عندها، إذ يدور الكاتب من خلال الراوي العليم الذي يحكي لنا عن تلك الرحلة/التجربة الفريدة من نوعها حول عدد من القضايا والمشكلات التي يشهدها العالم، وكيف جاء التحول بعد عشرات السنين، فأصبحت التكنولوجيا هي سيدة الموقف، وحلت مكان الخراب الذي صنعه الإنسان على الأرض بعد الحروب والصراعات الدامية التي استمرت عشرات السنين:
"في يوم عصيب كالح تراجيدي، اقتلعت 'الحضارة الحديثة' غابات أشجار دم الأخوين، وقضت على آلاف الطيور والنباتات النادرة، لبناء مطارات فضائية شاسعة، ولمد طرق سريعة للسيارات، تتزاحم حولها ناطحات سحاب! كان على مانيارا أن تتكيف مع الواقع 'الجديد'، وأن تقتحم عالم الحضارة 'الجديدة'، بالتعلم والمثابرة، بذكائها المشتعل، بالكفاح اليومي. لم يتبق معها، بعد فناء الأرض وسحق أشجارها، غير الاكتفاء بعشق السماء فقط، والحلم بنقل محميات الأرض الزراعية إليها" لا يقتصر سروري على عرض تفاصيل الرحلة وحكايات أبطالها، بل يعود بنا زمنيا إلى الماضي من خلال الراوي الذي يحكي عن جده الذي عاش في اليمن زمن الحروب وترك له مذكراته ويومياته التي يسرد فيها تلك التغيرات التي حدثت في العالم قبيل طفرة العلم والتكنولوجيا التي عاشها الحفيد، وأصبح جزءا منها، ويبدو في انتقالاته بين الماضي والحاضر قاصدا التقاط سلبيات ذلك العالم وتوجيه النقد لتلك الحضارة التي شوهت الإنسانية، وتسعى اليوم (في ذلك المستقبل البعيد) إلى أن تصلح ما جرى من خلال افتراض حياة في مكان آخر. وبين الماضي والحاضر ننتقل مع أبطال الرواية وعالمها لنستكشف أطرافا من ذلك الماضي وما جرى فيه، وكيف تحول الناس إليه وما الذي يسعون إليه بعد كل هذا التقدم في مكان آخر، يبدو خارج القيود والشروط، ولكن الإنسان يبقى واحدا مهما تغيرت تجاربه. هكذا تبدو تلك التجربة رائدة وطموحة، سواء على مستوى الفكرة أو التنفيذ والتفاصيل. ......... من مقالي عن روايات خيال العلمي . https://www.majalla.com/node/321924
قرأنا واستمعنا كثيرًا إلى قصص العشّاق على الأرض، لكن ماذا عن الحب في الفضاء؟ هل يمكن أن نهوى ونضحك ونرقص وننجب ونبكي في أرجاء السماء؟ رواية ساحرة ومؤثّرة، تسحبنا إلى فوق، يمشي فيها الأدب والعلم ببراعة كخطّين متوازيين. هنا يحتفل سروري بالسماء ويبكي الأرضَ، كوكبَنا الجريح.
هذه الرواية من افضل ما قرأت عام 2024 وقد استذكرتها بينما اطالع رواية orbit الفائزة بجائزة البوكر إذ برأيي تفوقها كفكرة ، أذ جنح د. حبيب هنا إلى خيال جانح قا ئم على معرفته العلمية وقراءاته الواسعة اضافة لتأملاته بمستقبل افضل للبشرية ،ولعل هذا الاقتباس من الفصل الاولى يُقدم للرواية يشكل او بآخر ( هل يمكن للانسان المقيم في بيئة سماوية مستديمة ، بعيدًا عن الجاذبية الأرضية، أن يناكح ويضاجع وينجب ويتكاثر؟)
رواية خارج الصندوق ، تجمع بين شغف سروري بالأدب والعلم، وأيضًا تظهر حنينه لليمن بلده الأصيل الحاضر في كل ما يكتب
أتمنى أن تجد هذه الرواية طريقها للترجمة للانجليزية، فهي اسبق من نوفيلا هارفي ولا اظنها الا رواية تفوز بجوائز عالمية