النظر والعمل والمأزق الحضاري العربي والإسلامي الراهن مستخلص يتناول هذا الكتاب حوارية بين فيلسوفين عربيين مرموقين حول إشكالية العلاقة بين النظر والعمل وأولوية كل منهما في الخروج من المأزق الحضاري العربي والإسلامي الراهن. يكتب كل منهما بحثه وتعقيبه على بحث الآخر مستقلاً. يعرض أولاً النظر والعمل من المنظور الحي للفلسفة العربية الإسلامية، ويوضح مراتب الحضارة، ويشترط المعرفة النظرية للحرية العملية، ويبين الدلالة الحضارية للعلاقة بين النظر والعمل. ويتحدث عن أهم محطات العلاقة بين النظر والعمل في مدخل تاريخي يبين العلاقة بينهما في المدخلين التقليديين الفلسفي والديني، ويبين المدخل التاريخي البديل بينهما، بدراسة البنية المحورية ونظريات المقولات الفلسفية القديمة والحديثة، ونظريات الآية الدينية القديمة والوسيطة والحديثة والمعاصرة، بالأبعاد الفقهية والصوفية والجدلية في الفعل الديني السياسي المحمدي. ويعرض لمبدأ تاريخ الفلسفة (بنية العقل العميقة)، ومبدأ فلسفة التاريخ (نظر العمل). ويدرس ثانياً ضرورة الحوار، وأولوية العمل على النظر أو النظر على العمل، ويبين أن أحد متطلبات الواقع العربي المعاصر هو أولوية العمل على النظر، في المنزل العربي الذي يحترق، ويحتاج إلى من يطفئ النار، ويصارع من أجل البقاء، في واقع مؤلم مهين يواجه فيه العرب الاحتلال بالبيانات والمؤتمرات دون أي فعل في مواجهة الألم. ويبين دور المثقف والفيلسوف في الحل، فالفلسفة رسالة، والثقافة رؤية، والفكر موقف، والعلم التزام.
الدكتور محمد الحبيب (أبو يعرب)المرزوقي مفكر تونسي له توجه فلسفي إسلامي في إطار وحدة الفكر الإنساني تاريخيا وبنيويا. ولد الدكتور أبو يعرب المرزوقي في بنزرت، حصل على الإجازة في الفلسفة من جامعة السوربون في العام 1972 ثم دكتوراة الدولة 1991. درّس الفلسفة في كلية الآداب جامعة تونس الأولى، وتولى إدارة معهد الترجمة (بيت الحكمة) في تونس قبل أن ينتقل لتدريس الفلسفة الإسلامية في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.
مشروعه الفلسفي يمكننا القول إن المفكر العربي التونسي أبا يعرب المرزوقي استطاع أن يخطو الخطوة الأولى، وهي الأصعب من غير ما شك باتجاه التأسيس لفلسفة عربية معاصرة لا تناصب الدين العداء وإنما تتفيأ ظلاله وتسترشد بتوجيهاته. ولعل نجاح المرزوقي في هذا عائد في المقام الأول لكونه خبر الفكرين الديني والفلسفي، الإسلامي والغربي، وبدأ يشق طريقاً ومنهجًا جديدًا، يسعى من خلاله إلى أن تستعيد الفلسفة دورها الرائد في البناء الديني والفلسفي. اهتمام المرزوقي هذا لا يقتصر على الفلسفة فحسب وإنما يتعداها إلى أمور أخرى, تتعلق بالنهوض السياسي والفكري الحضاري العربي والإسلامي. والحقيقة أن المرزوقي يمتلك الأدوات اللازمة للبحث في هكذا موضوع، فهو الضليع بأهم اللغات العالمية، كالإنجليزية والفرنسية والألمانية". (مقدمة حوار محمد الحواراني، مجلة العربي الكويتية، يناير 2005)
والفكرة المركزية في مشروع الدكتور أبو يعرب هي أن التاريخ الفكري للإنسانية هو تاريخ واحد ويشمل ذلك كل من الفكر الفلسفي والفكر الديني حيث لا يمكن الفصل بين الفكر الفلسفي (العقلي) والفكر الديني (الإيماني). ولذلك يقدم الدكتور أبو يعرب تصورا تاريخيا وبنيويا في نفس الوقت لهذا التاريخ الفكري الإنساني الموحد. ويطرح تصورا مفاده أن كلا من ابن تيمية من خلال تصوراته "الإسمية" (أو المنطقية أو البنيوية) وابن خلدون من خلال تصوراته الاجتماعية التاريخية (أو التطورية) قدما معا "ثورة" في مسار تطور هذا الفكر الإنساني. وتظهر ملامح هذا المشروع بشكل واضح في "إصلاح العقل في الفلسفة العربية – من واقعية أرسطو وأفلاطون إلى إسمية ابن تيمية وابن خلدون" (1994)، كما يظهر في وحدة الفكرين الديني والفلسفي (2001)، و المفارقات المعرفية والقيمية في فكر ابن خلدون الفلسفي، (2006). ولذلك يتخذ المشروع الفلسفي لأبي يعرب توجها إسلاميا لأنه يطرح تصورا مبنيا على "الفكر الإسلامي" لهذا الفكر الإنساني. ولكنه في نفس الوقت لا يعتمد على التصورات التقليدية "التراثية" أو الكلامية للفكر الإسلامي، ولكن على العكس