ينطوي هذا الكتاب على مفارقة تثير الاستغراب. عالم الاجتماع الألماني الكبير ماكس فيبر يعالج فن الموسيقى من منطلق سوسيولوجي ليثبت بفكره الموسوعي، الذي يزيل الحدود بين مختلف مجالات النشاط الفكري، أنه أكثر من عالم اجتماع. ونجد فيبر في كتابه يخوض في عالم الموسيقى الهارمونية بكل تعقيداته متتبعاً مساره التاريخي وارتباطه بعلمي الفيزياء والرياضيات، من دون أن ينحصر اهتمامه بالغرب إذ إنه يتطرق إلى الموسيقى لدى مختلف شعوب العالم، بفكر شامل وخبرة عالية دقيقة ونظرة إنسانية عقلانية، وهو بذلك يؤكد ما للموسيقى من دور كبير في وجدان الشعب الألماني وما قدّمه الأخير للعالم من إبداع ومبدعين في عالم الموسيقى.
Maximilian Carl Emil Weber was a German lawyer, politician, historian, sociologist and political economist, who profoundly influenced social theory and the remit of sociology itself. His major works dealt with the rationalization, bureaucratization and 'disenchantment' associated with the rise of capitalism. Weber was, along with his associate Georg Simmel, a central figure in the establishment of methodological antipositivism; presenting sociology as a non-empirical field which must study social action through resolutely subjective means.
إن رؤية فيبر هذه كانت الرائدة والفريدة فى زمنه . أن تحاول عقلنة مسار التطور الموسيقى ليس بشكل فلسفى مجرد يتناول الموسيقى فى المطلق ، وإنما فى إطار تاريخى ( تجريبى ) يتضمن الخصوصية الفردية والنفسية للمجتمعات كما يرتبط بشروط محددة للظهور كالأفكار الفردية التى تظهر بشكل لاواعى ثم يتم عقلنتها وموضعتها لخدمة الفن مشكلة إنقلاباً أو ثورة فى طبيعته ، بالإضافة الى الشروط التقنية كمدى تطور الآلات وتنوعها كما إلى تطور الحس الهارمونى وطرق كتابة النوطات الموسيقية بالإستناد الى سلم موسيقى أكوردى موحد . ولا يقل أهمية عن ذلك تطور الموسيقى المعتمدة على تعدد الأصوات ( البوليفونية ) . وبالنسبة لفيبر كما لكل دارس لتاريخ الموسيقى العالمية ، تتماهى إلى حد بعيد أنواع الموسيقى القديمة لدى المجتمعات المختلفة نظراً لمحدودية العوامل المسببة للتمايز الواضح بين موسيقاها ، فلديهم تقريباً نفس مصادر العيش المعتادة ونفس أوقات الفراغ ونفس الأدوات المتاحة للإستخدام لإنتاج أصوات موسيقية ، والتى حتى لو تنوعت من مكان لآخر - تبعا لاختلاف المواد الطبيعية المتاحة - إلا أنها تتكرر بشكل كبير لدى شعوب كثيرة ، وهذا بالإضافة الى طبيعة المشكلات الفنية البدائية المتماثلة التى واجهتهم وظلوا كثيراً يتخبطوا فى محاولات متشابهة الى حد بعيد - رغم عشوائيتها التى تقل بمرور الزمن - باحثين عن حلول لهذه المشكلات الأولية بما فى ذلك مشاكل دوزنة الآلات والميل الى المبدأ اللحنى المعتمد على جمالية المقامية والمسافات اللحنية للتأليف الموسيقى بالتعارض مع المبدأ الهارمونى المعتمد على سلم أكوردى موحد للمقام . وبينما يمضى الزمن وتتطور بعض المجتمعات بينما تركد الأخرى فى نقاط معينة من تاريخها ، تبدأ الموسيقى بإتخاذ أنماط وتنوعات وأسس متباينة تميز شعوباً بعينها وتبين مدى تطورها الفنى عقلانياً . وبقدر ما يمضى الزمن وتستمر محاولات التطور والبحث عن المثالى والعملى بشكل جدلى ، بقدر ما تخلق الروح الفردى الموسيقى لدى شعب بعينه . ويؤكد فيبر من خلال التحليل الفنى أن المدنية الأوروبية كانت أكثر الشعوب مضياً فى مجال التطور الفنى عموماً والموسيقى خصوصاً . مبيناً روح التصميم التى ظهرت على مر التاريخ والتى تخطت بشكل مستمر العقبات التى واجهتها سواءً الدينية منها والتقنية والاجتماعية ، فمروراً بالمراحل التى كانت فيها الموسيقى نتاجا طبيعياً لنشأة الحاجات التعبيرية لدى الإنسان ، إلى مرحلة كونها تقنية تم السيطرة عليها لصالح المؤسسة السحرية والدينية البدائية والتى تم تخطيها جزئياً وإدخال المزيد من العقلنة عليها بمرور الزمن خصوصاً لدى الهيلينيين ، والتى تسيطر عليها الكنيسة المسيحية فيما بعد وتخضعها لمقتضياتها لتخطو الموسيقى بعد ذلك طوراً آخر من التطور العقلانى على أيدى رهبان الأديرة وحتى مطلع عصر النهضة الذى تخلص من سيطرة الكنيسة على الفنون ولو جزئياً مستعيداً تذوقه لفنون اليونان ومحاولاً إضفاء المزيد من التطوير عليها تبعاً للحاجات التعبيرية القائمة والتطورات التقنية والفنية المتاحة ، الى أن استقرت الرعاية الفنية بشكل كبير وانتقلت من الكنيسة الى بلاطات الحكام وهو ما تميز بالكثير من الزخرفة الفنية الباروكية والكثير من التركيب والتنسيق الساعية للتعبير عن بهرج الحكم ، وصولاً لعهد الثورات التحررية الإجتماعية والتى واكبتها الموسيقى كذلك متبعة مبادئ التعبير الفردى الحر والذى يمكن للآخرين تذوقه فى مدى خصوصيته كالإيحاء برؤى وأحلام محددة ذات معنى لدى كل منا ، بحيث يستغل هذا الفن الفردى الحر كل التطورات والتجارب الفنية السابقة عليه من أجل حاجاته وفى حرية تامة عن السيطرة وعن الرأى العام لإضفاء المزيد من التطوير او التعديل عليها أو حتى إدخال ما هو لاعقلانى فيها وهو ميز التطور السريع والتنوع الكبير فى الموسيقى الحديثة وفى اتساع مدى حرية تفاعلها مع المجتمع والفرد بشكل متصل . ويرى فيبر ان أكبر الإنجازت وأكثرها تمييزاً لتطور الموسيقى الأوروبية هى ثلاثى الموسيقى الهارمونية ، والتنويط والبيانو . ويستفيض طوال الكتاب فى شرح متداخل من الناحيتين الفنية التقنية من جانب والسوسيولوجية من جانب آخر بشكل تاريخى يوضح مدى التقارب بين الموسيقى القديمة لدى المجتمعات المختلفة كالصينية واليابانية والهلينية بدون إغفال أوجه التمايز البسيطة كما يرتبط بذلك التقارب الموسيقى للشعوب المتأخرة فى الحضارة والمدنية مع بعضها ومع موسيقى الحضارات البدائية لشعوب الريفيين أو الرعاة او حتى الصيادين . ورغم صعوبة التقدم فى القراءة خلال النواحى التقنية والفنية للموسيقى ( مما يضفى طابعا مملاً فى كثير من الأحيان ) ، إلا انه يمكن لمعرفة موسيقية بسيطة ان تقبض على المعنى بشكل مقبول والذى لا يتسنى ان يكون واضحاً تماماً إلا للمتخصصين . وعلى العموم يمكن التغاضى تماماً عن هذه الناحية التخصصية من أجل متابعة الأفكار التاريخية والإجتماعية والتى هى الغرض الأساسى لقراءة الكتاب .