البيـوت متجـاورة، لا يفصلهـا عـن بعضهـا سوى ممرات صغيـرة، دخلت من أضيقهـا، حيـث كان جـذع نخلة يقف حائـلا بجانب الممر، ريحانـة صغيرة تجـاوره أوراقها ذابلة، وزهورها باهتة. بقدمـي الحافيتين المتربتين، دخلت المطرح لأجد أفواج الناس قد ملأت الساحة تلك، بينما النساء يدخلن بيتا صغيرا مبنيـا مـن الطين، له سـور من إحدى جهاته، وبجانب السـورمظلة صغيرة مصنوعة من سـعف النخيل، وتحت المظلة قربة ماء من جلد الماعز، شربت منها مرات عديدة فهي على طريق عودتي من المدرسة. على بعد خطوات من باب البيت تقف نخلة شامخة، وحيدة مسـتقيمة لا انحناء فيها ولا عوج، مما يجعل تسلقها أمرا فيه بعض الصعوبة.
الرواية فائزة بالمركز الأول في جائزة محمد عبدالولي للقصة والرواية (الدورة الأولى).
لطالما فكّرت في ضرورة وجود رواية يمنية تحكي معاناة اليمنيين في الغربة بالذات في المملكة العربية السعودية، وذلك لكثرة ما يغترب اليمنيون بالذات الحضارم الى هناك، ولشدّة المعاناة التي نسمع تفاصيلها بشكل دائم ومتكرر، وربما تكون قد صدرت روايات من قبل تحكي هذه المعاناة التي أُجبر عليها شعب يعيش تحت خط الفقر والجهل، لكن قدّر الله أن تكون أوّل تجربة لي للقراءة عن غربة اليمني كانت مع رواية (نخلة وبيت) لعيدروس سالم الدياني، الحائزة على المركز الأوّل في جائزة محمود عبدالولي للرواية، وقد ذكرتني الرواية كثيراً برواية (رجال في الشمس) لغسان كنفاني، التي تحكي معاناة الشعب الفلسطيني في السفر الى دول الخليج لأجل البحث عن لقمة العيش.
تبدأ أحداث الرواية في جنوب اليمن في قرية ريفية من قرى اليمن المتسمة بالقبلية، حيث يعيش السكّان على الزراعة وتربية المواشي، ويعيشون حياة بسيطة في بيوت مبنية من الطين، بداية هذة الجزئية كانت قريبة جداً من قلبي كونها تشبه بيئة حضرموت الوادي التي أنتمي اليها، تتشابه البيوت وروائح أشجار الأراك وظلال أشجار النخيل المنتشرة في كل مكان، وتربية النساء للأغنام، لكن التفاصيل التي وجدتها فيما بعد قد أبعدتني قليلاً عن مشاعر الشوق والنوستالجيا التي عشتها أثناء سيري بين سطور الرواية، وتمنيت شيء أكثر دسومة، وهو ما وجدته لاحقاً حين أخذت الرواية تصوّر أبناء القرية وهم يناسبون واحداً تلو الآخر الى السعودية هرباً من الجوع، ليعانوا هناك مما هو أشدّ إيلاماً من الجوع: "الغربة"، ويضطرون لمكابدة أعمال تضطرهم لدفع الكثير من الجهد وبعض الكرامة أيضاً.. مما يدفعهم للعودة في الأخير..
الجدير بالذكر أنّ الرواية لا تدور أحداثها في الوقت الراهن وإنّما في الفترة التي ما قبل وبعد الوحدة، اذ نمر عبر محطات الرواية بالتغيرات السياسية التي تحدث، ونأخذ نظرة على حرب القبائل..
تتطرق الرواية بشكل كبير الى موضوع العبودية وكيف أن التحرر منها قد تمّ فعلياً، لكنّ تحرر عقول الناس منها لم يتم بالرغم من مرور فترة طويلة على زمان العبودية..
رواية (نخلة وبيت) رواية جميلة وعميقة وشاعرية جداً، استمعت بقراءتها وأراها تعكس واقع الحياة في جنوب اليمن بشكل صادق، وأنصح بقراءتها بشدة.
مقتبسات من الرواية:
"ما أصعب أن تلم أحلام البشر، حين تتناثر في أزقة السفر، ودروبها الموحشة"
"إن كنت أنت الوحيد، فمن أكون أنا؟ غصن مقطوع من شجرة، وملقى في بحر متلاطم، كلما أراد أن يرسو ببر، أبعده الموج عن الساحل، يسبح مع التيار دائماً لا حيلة له ولا قوة"
"لماذا نتنازل كثيراً في هذه الحياة… حتى يصل الأمر لأن يتخلى أحدنا عن اسمه كما فعل خالي"
"تتنوع لهجاتنا ولكناتنا وألواننا وأحلامنا، ولكننا نتوحد في العمل، وفي الغربة، وفي الطرب، وفي الحب، وفي كره بدر ابن شيخ القصر الكبير"
"كانت ليالٍ وأيام جميلة، لن تعود وإن عادت فلن نتمنى أن تظل كما هي، فلابد للحياة أن تتغير، ولابد لنا من أمل جديد نحيا لتحقيقه، ظنا منا أن ذلك الحلم أفضل من واقعنا الذي نعيشه حينئذ"
الروائي هو رسول بيئته و كلما كان هذا الرسول أمينًا كلما كانت صورة تلك البيئة واضحة و نقية في عين مخيلة و وجدان القارىء... (نخلة و بيت) نافذة فتحها الروائي عيدروس سالم الدياني على بيئة شبوانية خالصة؛ لكنها في الوقت ذاته تمثل بيئة العديد من المناطق الريفية للجنوب اليمني، و قد كان خير رسولٍ لهذه البيئة فقد أخذ قلمه ناصية مخيلة القارىء إليها بأسلوب روائي حساس ذو شجون مما جعل لغته تتسلل إلى وجدانه و تحرك أوتار شعوره بهدوء وانسيابية تُشعره أن هذه الأحرف نُسجت بسكينة تحت نخلة تحفها رائحة الطين الذي بُنيت منه البيوت... تتلاقف صوت الراوي شخصيتان رئيسيتان هما( عوض و سعدان) صوتٌ يتألم و يراقب ظلم العبودية الذي يقع على غيره؛ لكن بسلبية تستعبد مواقفه وأراءه، وصوتٌ تكبل جموحه و طموحه أغلال العبودية المندثرة رغم كل محاولاته الحرة لفك أثرها...فعوض و سعدان شخصيتان متناقضتان لا يجمعهما إلا الحب الأخوي لبعضهما كالأقطاب المتجاذبة رغم اختلافها! تستعيد الرواية ثلاث محطات سياسية مؤثرة في تاريخ هذه البقعة الجغرافية لكن الدياني ينبش بقلمه تمامًا موضع التأثير الاجتماعي لها... المحطة الأولى يمثلها العهد قديم، عهدٌ يقسّم الناس إلى سادة و عبيد يُباعون ويشترون وتعرض إنسانيتهم في سوق الفوارق الطبقية والخلل الإنساني. المحطة الثانية عهد الاشتراكية الذي أبرز الكاتب بسلاسة ورؤية صادقة بعض محاسنه ومساوئه و انعكاسه على العنوان العريض لفكرة الرواية (الرق والفوارق) المحطة الثالثة عهد الوحدة الذي اتسم بعودة تغذية تلك الفوارق بحلّة و أدوات سياسية رغم قالبها الاجتماعي. تميز الوصف لكل محطة من تلك المحطات بالتركيز على انعكاسها على الإنسان في جانبه النفسي أولا ثم المعيشي والفلسفي ثانيا وثالثا؛ مع أن الإطار العام كان يحكي الجوانب الاجتماعية... كانت نافذة الغربة التي يقفز إليها أبناء هذا البلد هربًا من تقلبهم على نيرانه السياسية التي توقد كل يوم بحطب مختلف لتشوي إنسانيتهم فيه بطريقة مغايرة عن الأخرى هي الميناء الذي رست فيه فكرة الرواية...ففي الغربة لا فضل لحرٍ على عبد في تجرع مراراتها، و ابتلاع خيبات الحلم بنعيمها، و اجترار الجلد للصبر على أشواكها إلا بالحظ والتوفيق. شخوص الرواية رُسمت بواقعية جلية حد شعور القارىء بأنه قد يلتفت ويراها حوله هنا وهناك...و الوقفات التأملية للكاتب بصوت شخوص الرواية أضفت على الرواية جمالاً أدبيًا رصينا وبُعدًا فلسفيًا هادئًا تتجلى فيهما المهارة الأدبية، والرصيد الفكري. كانت النهاية رائعة تترك للقارىء باب الخيال مفتوحًا للمضي فيما بعدها؛ مع عدم تركه عرضةً للتيه فهو يحمل مصباح تأملات الكاتب لتنير له طريق هذا الخيال.
رواية نخلة وبيت، جميلة شاعرية جمعت بين العديد من تفاصيل حياة ابناء الأرياف في جنوب اليمن، وقدمت لنا النموذج القروي بكل تفاصيله الإيجابية والسلبية.
وقد تعمق الكاتب عيدروس الدياني (وهو ابن هذه البيئة) في رسم لوحة سيريالة مكتملة العناصر، فتجرأ بالبداية وتطرق لموضوع إمتلاك العبيد، وكتب بوجع وألم عن الفوارق الطبقية، وأضاف الكثير من البهجة وهو يسترسل في حياة الطبيعة من المزارع والنخيل ورعي الغنم وعلاقة ابن القرية بناقته وفرحة الأهالي بالأمطار والسيول، ولم ينسى حياة الأطفال في المدارس وظلم ابناء هذه المنطقة في توفير تعليم بقريتهم، بالإضافة الى قصص السكن الطلابي، وقصص العشق (بتحفظ شديد) واصوات الدان الشبواني وملكة الشعر لدى القليلين منهم، واحزننا عندما شرح لنا كيف يلتقي ربيع اعمار ابطال الرواية مع خريف الوطن المتقلب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، من ١٩٨٦ الى ١٩٩٤ وما تلاه من تغييرات كارثية لأبناء جنوب البلاد، ولم ينسى اهم تجربة عاشها اكثر من نصف ابناء الأرياف وهي السفر للسعودية وطلب الرزق والحنين لكل تفاصيل القرية. والاحلام التي تتحطم امام صخور الواقع.
للأمانة لم ارفع سقف توقعاتي قبل ان أقرأ الرواية، ولكن عيدروس فاجئني برواية دسمة يجب ان يقرأها كل من لديه صورة نمطية سلبية عن أبناء أرياف جنوب اليمن، وقدمها بأسلوب غير تقليدي فاستخدم تقنية الفلاش باك باتقان وقدم لنا الرواية بعدة أصوات وعدة وجهات نظر، حتى أصبحت محتار من هو بطل هذه الرواية!