What do you think?


شجرة الحضارة
شجرة الحضارة - الجزء الثاني
اذا كان لنتون في أواسط القرن العشرين قد آمن بضرورة دراسة الحضارة الإنسانية عبر تاريخها، بسبب ازدياد التواصل والصلات بين الشعوب، فكيف بنا ونحن نعاصر ثورة في الاتصال ونقل المعرفة، كما نعاصر تطورات العولمة التي تسعى لأن تجعل العالم قرية كونية واحدة تخضع للهيمنة الغربية الأمريكية، مما لا يتفق مع " اختلاف" الحضارات والثقافات وتنوعها الخلاق. إن حاجتنا الآن، في بدايات القرن الحادي والعشرين، لدراسة ومعرفة أصول هذه الحضارات والثقافات أكثر ضرورة، ومن هنا تكمن أهمية مراجعة هذا الكتاب لمعرفة أصل الشجرة، التي ننتمي إليها جميعًا، شجرة الحضارة الإنسانية.
Unknown Binding
First published January 1, 2010
Ratings & Reviews
Friends & Following
Create a free account to discover what your friends think of this book!
Community Reviews
Displaying 1 - 1 of 1 review
January 21, 2019
شعوب جنوب شرقي آسيا
تضم منطقة جنوب شرقي آسيا مجموعة شديدة التنوع من الحضارات على مر التاريخ. وفي العصر الحجري تمكن سكان هذه المنطقة من عبور المحيط الهادئ غربا حتى وصلوا سواحل أفريقيا، في رحلة شيقة مدهشة. فاستوطنوا الساحل الغربي لمدغشقر وتآلفوا مع سكانها الأصليين. وهذا ما يفسر انتشار العرق الآسيوي فيها. وعلى الجانب الآخر نجد في الجزر الميلانيزية انتشار الملامح الافريقية، ويرجح أن ذلك يرجع لتشابه الظروف المناخية في المنطقتين.
وتمثل جزر أوسيانيا ومدغشقر مادة دسمة للدراسات الإنسانية والبحث المقارن، ويرجع ذلك لعزلتها النسبية عن العالم الخارجي، وارتباطها الوثيق بعضها ببعض، ونمط حياتهم في العيش في جماعات صغيرة وعدم الاتصال بالقبائل الأخرى. كما توجد قبائل بدائية في بابوا غينيا الجديدة شكلت موضوعا مهما للدراسة في القرن العشرين. والملفت أن الخصائص هذه ذاتها هي التي جعلت المساهمة في التطور الحضاري لهذه المنطقة يكاد يكون معدوما؛ فالتطور الحضاري لا ينشأ قط من العزلة، بل من الشبكات الإنسانية التي كلما زادت كثافتها زاد بالضرورة التطور الحضاري.

تميزت شعوب بوليينزيا بمفهومي المانا والتابو. وهما مفهومان مؤثران في النظام السياسي والإداري فيها. فالمانا هي "القدرة على إنجاز العمل"، أي أن يكون الشيء أو الشخص قادرا على أداء العمل بصورة أفضل وأكثر كفاءة من المعتاد، كأن يصطاد كمية سمك أكثر من المعتاد، أو زعيما يملك مهارة أكثر في التفكير، فهما فيهما مانا أكثر. والمانا بالتالي هي قوة فوق طبيعية ، وهي شديدة العدوى، فالشخص الذي يمتلك مانا قوية يصبح خطرا على الشخص الذي به مانا أقل. ولا جدال في أن رجال الدين هم الذين يحددون كمية ومكان المانا في الأشياء. ولا يمكن اكتشاف المانا إلا من خلال الاتصال المباشر بها، كالسلك المشحون بالكهرباء الذي لا يعرف وجود الكهرباء فيه إلا باللمس. لذلك يتحتم عليهم أن يعرفوا الأشياء والأشخاص الذين حلت بهم المانا وجعلتهم خطيرين. فتوضع عليهم علامات التحريم (التابو) . والتابو اذا اعتدى شخص عليه وهو ذو مانا اقل منه، فلابد تحل به مصيبة. وقد استغلت هذه العقائد للسيطرة على الشعوب استغلالا بلغ مداه في جزر هاواي.
واتسم النظام السياسي البولينيزي بميزتين هامتين، هما: أنهم كانوا ينظرون للأمام لا الوراء، فتقل سلطة الأب بولادة ابنه الذكر الأول، حتى أن زعيم القبيلة ينحى ليكون وصيا على ابنه فور ولادته. والميزة الأخرى فهي في نظام معقد للأنساب.
أما شعوب ميلانيزيا فتختلف في قيمها وعاداتها عن شعوب بولينيزيا رغم أنهما انبثقا من أصل مشترك وتشاركا لغة واحدة. انتشر بينهم السحر والشعوذة، والشك في الغريب وعدم الأمان، فانعكس ذلك في نتاجهم الفني في أقنعة مخيفة متقنة الصنع، وفي فن قوي. وازدهرت لديهم الجماعات السرية لتأهيل الصبيان، واتسمت بطقوس تشبه الماسونية الحديثة.
وبصراحة كانت هذه أولى معرفتي بهذه المنطقة من العالم، فألفيت نفسي لا أفرق بين ميلانيزيا وبولونيزيا ومايكرونيزيا، ولم أستطع تكوين صورة مميزة لكل منها بما يبقى في ذاكرتي ويحثني على الاستزادة.
جنوب شرقي آسيا بعد العصر الحجري الحديث
فسيفساء من جزر متعددة تكون منطقة حضارية واحدة، فقد استمدت لغاتها من أصل مشترك، وتقع تحت تأثير الحضارتين المهيمنتين الهندية والصينية.
وفي اندونيسيا هيمنت الحضارة الهندية بينما لم تنتشر الحضارة الصينية، ويلاحظ ذلك في أغلب المنطقة ماعدا تايلند. ويرجع ذلك لتلاؤم المزاج بين الحضارة الهندية و الحضارات الملايو-بولينزية، وللتبشير الذي قام به رجال الدين البوذيون والهندوس بينما لم يكن للصينيين اهتمامات تبشيرية، فقد كانت سيطرة الصين على البلاد التي تغزوها مركزة على التجارة والاقتصاد، وغير مهتمة بالشؤون الثقافية الأخرى.
وقد انتشر الإسلام في اندونيسيا منذ القرن الثالث عشر، وقد وصلهم من خلال المسلمين الهنود. فوصلهم إسلاما محورا ليناسب شعوبا زراعية تعيش في مناطق الرياح الموسمية، وليس الإسلام نفسه لبدو الصحراء. وقد انتشر الإسلام للسبب نفسه الذي انتشرت فيه البوذية، فقد كانت هناك حملات تبشيرية مردها الجهاد في التعاليم الإسلامية. وقد لاقى الإسلام قبولا واسعا في اندونيسيا لأنه خلص جماعات كبيرة من السكان من نظام تسلط الطبقات في الديانة الهندوسية، التي يحكم على الفرد فيها بالولادة انتماؤه لطبقة معينة فيتحدد مركزه الاجتماعي طول حياته من غير قدرة على الخروج منه. وسبب آخر هو كان الحماسة التي أثارتها فكرة الجهاد لدى العديد من المغامرين، وسبب أخير لا يقل أهمية هو أن السلطة الصينية التي كانت مسيطرة لم تضطهد أصحاب دين معين.
وقد انتهجت الحضارات الاندونيسية سياسة بناء المعابد على نطاق واسع، فظهرت للوجود تحف معمارية لا تضاهى. كمعبد البوروبودور.
أما في كمبوديا فقد ظهرت ممالك عظيمة كمملكة فونان، والتي كانت أيضا متأثرة بالنفوذ الهندي أكثر من الصيني، وأقاموا مبعدا هو الآخر آية في الجمال على كل المقاييس، هو معبد انجكور وات. ولكم أثار اهتمامي وشدني للتعرف على هذه المنطقة الغنية من العالم. فهذا المعبد الضخم قد استغرق بناؤه ما يقارب الخمسة قرون، حكم خلالها عشرون ملكا، لكن المفارقة أن المدينة كلها هجرت بين ليلة وضحاها، وتعرضت للسلب والنهب على يد شعوب من تايلند، وصارت مدينة مهجورة نمت فيها الأشجار والأحراش، بشكل مثير للاهتمام إلى حد بعيد.ويفسر لنتون ذلك السلوك المحير بأن السكان لم يحبوا تلك المعالم التي استنزفت طاقتهم ومالهم، وصارت رمزا للسلطة التي استغلتهم، فلم يصعب عليهم هجرها والتحرر من العبودية التي فرضتها. وأنا لن أسامح نفسي إذا لم أزر هذا المعلم الرائع في حياتي!

وقد توالت على منطقة جنوب شرقي آسيا العديد من التأثيرات الحضارية بسبب الغزو، فالهند والصين كانا البداية، والإسلام، والبرتغاليون والإسبان والبريطانيون والفرنسيون أخيرا. ومع كل ذلك التأثير الحضاري، نجحت تلك الشعوب في تكوين ثقافة خاصة متنوعة شديدة التنوع، وإن متأثرة كثيرا بغيرها.
جنوب غربي آسيا وأوروبا
تتميز منطقتنا من العالم بأهمية قصوى في تاريخ الحضارة وتطورها. وقد حظيت لذلك بالكم الأكبر من الدراسات والبحوث، ولسبب آخر هو أن أوروبا تقع ضمنها، وهي محركة بوصلة الاهتمام العلمي.
المركز الحضاري في جنوب غربي آسيا، أي في العراق وسوريا وإيران وتركيا الحالية، ظهرت أولى المدنيات في العالم. وظهور المدينة مثل نقلة نوعية في طبيعة الحياة البشرية، وساعد بشكل كبير في تقدم المدنية. والمدينة إنما تنشأ مع حياة الاستقرار والثروة. فلابد أن يكون هناك فائض في الانتاج في القرى يمكن أن يعيل أبناء المدينة المعتمدين عليه. فكان اكتشاف الزراعة هو الذي ساعد على التمكن من إعالة عدد أكبر من السكان، فصارت التجمعات البشرية تتضاعف تقريبا في عدد سكانها كل خمس وعشرين سنة، لكن سرعان ماكانت الأرض تجهد من الزراعة، وعدد السكان يزيد عن الحد الذي يمكن إعالته، فتنتقل القرية لمعسكر آخر في منطقة أخرى، وتحتوي جماعات الصيد والجمع، بسبب ما تقدمه حياة الاستقرار من مميزات. لذلك، ولما كانت تلك المنطقة أولى المناطق التي عرفت الزراعة، بدأت منها هجرات واسعة شاسعة، ولا تكاد تخلو مدنية من تأثيرات الشعوب الاوراسية النيوليتية. فوصلوا إلى الصين في عهد أسرة شانج، ووصلوا إلى أوروبا، ووصلوا إلى آسيا الوسطى وهناك تركوا الزراعة واكتفوا بتربية الحيوان، بسبب عدم استقرار الزراعة بفعل الظروف المناخية.
أوروبا في العصر النيوليتي الحديث
كان اتجاه الهجرة إلى أوروبا في العصر النيوليتي (الحجري الحديث) من جنوبي غربي آسيا، وتحديدا من بلاد الأناضول. واتخذ خطين للهجرة، أحدهما على سواحل البحر الأبيض المتوسط، والثاني لوسط أوروبا من خلال نهر الدانوب. فوجدت الشعوب تلك في سواحل البحر المتوسط مناخا شبيها بالمناخ الذي أتت منه، وازدهرت زراعة العنب والزيتون، وصارت من وقتها أهم الصادرات في هذه المنطقة، بل جزءا من ثقافتها وتراثها. وقد عرفت منطقة البحر المتوسط تقدما حضاريا مميزا، ترجع أسبابه في ما يبدو للعزلة النسبية التي وفرتها الجزر والوديان الجبلية، فكونت ثقافات مختلفة وأنظمة مختلفة، لكنها في الوقت نفسه متصلة مع الحضارات الأخرى عبر البحر، وساعد البحر في الانتشار السريع للأساليب الحضارية.
وهنا هناك مفارقة تاريخية، فلماذا كانت هذه العوامل هي مرة سببا للتقدم والازدهار في جزر البحر الأبيض، لكنها مرة أخرى سبب التأخر في جزر المحيط الهادئ التي ناقشناها آنفا؟
والسبب حسب فهمي، هو الزراعة والمدن، فهذان لم تعرفهما شعوب جزر المحيط الهادئ، بل اعتمدوا في نظامهم على الصيد وجمع الغذاء، ولم يجدوا نقصا في الموارد تلك، بسبب الظروف المناخية، فلم يحدث عليهم ضغط تطوري يدفعهم للتقدم. أما شعوب البحر الأبيض فهم أقوام زراعية، ساعدها الاستقرار ووفرة الغذاء على تعقيد أنظمتهم فأسسوا المدن والولاي، فما جاء العصر البرونزي حتى كانت عشرات الامبراطوريات العظيمة قد ازدهرت في المنطقة.
وتميزت شعوب أوروبا في العصر النيوليتي بالتكوينات الحجرية ، الدولمن والمنهير، التي انشترت في أنحائها، وكان استخدامها لأغراض دينية، كتقديم القرابين ، أو دفن الموتى. وانشترت في شعوب البحر المتوسط عقيدة الآلهة الأنثى، وظلت تأثيراتها باقية في التراث المسيحي الأوروبي.
والمثير للاهتمام أن معظم الاختراعات التكنولوجية والاجتماعية قد وصلت أوروبا من جنوب غربي آسيا ظهرت أولا في شرق ووسط أوروبا.
الآريون والترك - التتار
انتشرت حضارة القرية من جنوب غربي آسيا شرقا، فوصلت أقاليم السهول والأعشاب (الاستبس) في أواسط آسيا وشرقي أوروبا. واللافت هو تنوع الاستجابات الحضارية، وقدرة البشر المميزة على التكيف مع الظروف المختلفة؛ فالشعوب المهاجرة التي ألفت الزراعة وبحثت عن أراض جديدة، فوجئت بأرض غير صالحة للزراعة، ودورات مناخية طويلة، تختلف عما ألفوه، فتسقط الأمطار عدة سنين متوالية يعقبها جفاف لعدة سنين أخرى. فكانت الاستجابة المنطقية هي تخليهم عن الزراعة. وهذا مثال عما تحدث عنه لنتون في الجزء الأول من الكتاب، لما أكد على أن الحضارات لا تسير على نمط واحد قابل للتنبؤ؛ بل تختلف الاستجابة الحضارية باختلاف الجغرافيا وغيرها.
وهكذا صارت الماشية ومنتجاتها العصب لاقتصاد هذه الشعوب ولعواطفها. وقد فرضت حياة تربية الماشية عليهم عدة أمور، وهذا تحليل ذكي من قبل لنتون، نرى من خلاله كيف تتكون الحضارة، وكيف تتحدد معالمها؛ فنظام رعي الماشية قد فرض على الرعاة:
1 أن يكونوا محاربين، وذلك للدفاع عن قطعانهم، وللإغارة على قطعان غيرهم. وذلك لأن الماشية تغري بالسرقة لسهولة القيام بذلك نسبيا.
2 لا يمكن للرعاة أن يكونوا بدوا رحلا، وذلك لأن الماشية التي تتحرك كثيرا تدر لبنا أقل.
3 الاقتصاد القائم على الماشية سرعان ما يؤدي إلى إيجاد نظم اجتماعية استقراطية بالنسبة للملاك. وذلك لان الثروة تولد الثروة، وكل ما يحتاجونه للحفاظ عليها هو حماية القطيع.
وتبعا لذلك، سنفهم السيكولوجية التي حكمت تلك الشعوب. ونرى تعليل اعتمادهم على الغزو كأسلوب حياة، فقد كان البحث عن مراع جديدة ضرورة عندما تجهد المراعي الحالية، وسرعان ما فطنوا إلى أن الفلاحين في المناطق المجاورة يمكن السيطرة عليهم كما يسيطر على الماشية، فعمدوا إلى إخضاع القرى، والاعتماد على الفلاحين في توفير الطعام. وفرض نمط حياتهم عليهم أن يكونوا محاربين أشداء، فطوروا أسلحة حربية وكانوا في تاريخهم كثيرا ما يقترضون من الشعوب التي يغزونها التقنيات الحربية.
والآريون هم شعوب رعاة الماشية الذين يتكلمون لغات هندو-أوروبية. ويشبه نظامهم الاجتماعي حياة العرب في شبه الجزيرة، من حيث استخدامهم الشعر للتملق ولتوثيق الأحداث المهمة، ويتغنى الشعراء في حضرة الرؤساء للحصول على زلفى. كما ويشبهونهم في احتقارهم للأعمال التجارية، والزراعية، وامتداحهم للصوصية.
وبرغم أن الحضارة الآرية لم تسهم بشيء ذي بال في التطور الحضاري؛ فقد كانت مساهمتهم بالغة الأثر في الناحية الاجتماعية. فمنهم ظهرت الارستقراطية، وثقافة البيت النبيل، وما تبعه من تفاصيل ازدهرت في أوروبا الإقطاعية.
أما إلى الشرق في أواسط آسيا، فكانت السهول المغولية أكثر جفافا وفقيرة، بما لا يشجع على تربية الماشية، لكنها كافية لتربية الأغنام والجمال والخيول. فازدهرت هناك حضارة الخيل كما يسميها لنتون مقارنة بحضارة الماشية في الغرب. وهم شعوب بدوية، وقد كونوا حضارة مميزة، يقل فيها تأثير حضارات أخرى، وكونت أفضل ما عرفه العالم من الحياة البدوية تقدما. وزادت قوتهم بصورة درامية بعد أن تبنوا أساليب حربية معينة باستخدام الجياد، من خلال استخدام السهام أولا ثم الحراب، والهجوم بأعداد كبيرة. وهكذا تمكنت شعوب حضارة الخيل كالهون والمغول من احتلال العالم. لكن اللافت أنهم لم يستثمروا نجاحاتهم الحربية في تطوير أنظمتهم بما يجعلهم قوة مستدامة، فكان حكمهم للشعوب المقهورة سرعان ما يضعف بعد جيل واحد، وكانت سياستهم قائمة على العنف والقتل والتخريب، كإغراق الكتب في نهر دجلة مثلا، بدل الاستفادة منها.
ولذلك لم تستمر هيمنتهم على العالم، فلم يطوروا أسلحتهم بالصورة الكافية لتجاري البارود ولم يطوروا التكتيك الحربي. وذلك لم يكن في مقدورهم بسبب نمط حياتهم القائم على التنقل وعدم الاستقرار، واكتفائهم بالأسلحة اليدوية سهلة الحمل، وهكذا انتقل المجد من قوم لقوم آخرين.
الساميون
شعوب الشرق الأدنى القديم واجهت تغيرا مناخيا كبيرا، فالمنطقة الصحراوية في العالم العربي كانت يوما غابات كثيفة، ثم أخذوا بقطع الأشجار وإحراق الغابات لتوفير الأراضي للزراعة، ولم تكن الأرض بالخصوبة الكافية لتجدد الغابات نفسها في سرعة التقدم البشري. وأخذت المنطقة تتحول لصحراء قاحلة جافة، فوجد الناس أنفسهم أمام ذات التحدي الذي واجه شعوب منطقة الأعشاب في اوراسيا، مضطرين لتغيير أسلوب حياتهم ليلائم البيئة الجديدة. فتركوا الزراعة، وعمدوا لتربية الإبل والغنم، مستفيدين بذلك من الأمطار الموسمية التي توفر مراعي خصبة. وقد كان الانتقال من حياة الزراعة إلى الرعي تدريجيا، حتى هجرتها الشعوب نهائيا، وصاروا بدوا رحلا طوال العام.
واستفادوا فائدة كبرى من تدجين الجمل. وكانوا يرجعون إلى الزراعة ويكونون القرى متى ما وجدوا مناخا ملائما لذلك، كما في يثرب على سبيل المثال. واتسمت الشعوب السامية باعتمادها التام على أهل المدن، وكانت التجارة شغلهم. وطوروا نظام القوافل التجارية. ونحن نعرف باقي القصة من التراث العربي.
والأثر المهم للحضارة السامية على تطور الحضارة هو ما تركته في الأديان السامية. فصورة الرب "يهوة" هي تمثيل للأب في الأسرة السامية. له سلطة مطلقة واستبدادي، وله سلطة لا إرادية على أتباعه، لذلك كثرت المحرمات في الديانة اليهودية، وبدا اهتمام التعاليم الدينية منصبا على المحرمات والجنس.
شعوب البحر الأبيض المتوسط
جزيرة كريت
نشأت في جزيرة كريت حضارة متقدمة ظلت بقاياها في الأساطير اليونانية. وهي أيضا ترجع إلى الأصل المشترك في جنوب غربي آسيا. والمدهش أنها لم تكتشف إلا في القرن العشرين. قامت حضارة كريت على التجارة، وسيطرت على موانئ البحر المتوسط، وكانت لها صلات قوية مع مصر. اعتمدوا زراعة الزيتون، وكونوا مجتمعا متقدما توزع فيه الثروة بعدالة حتى يكون المجتمع كله طبقة برجوازية. وصل الفن الكريتي لدرجة متقدمة من الرقي، وتمثل الأثار التي تركوها أعمالا فنية تستحق التأمل من حيث موضوعها ودقتها. وجزيرة كريت هي اطلانطس المفقودة التي حكى عنها أفلاطون. فقد انهارت حضارتها في ليلة وضحاها، إثر غزو من شعوب تتكلم لغات هندو-اوروبية في غارة أحرقوا خلالها المدينة ونهبوها، وتزامنت مع زلزال مدمر. وأهم المعالم الاثرية هو قصر نوسوس او قصر المينوس، والذي بقي في المخيال الشعبي اليوناني في أسطورة المينوتور وغيرها.

بلاد اليونان
بعد انهيار الحضارة المينوية العظيمة في كريت، وبعد غزوات الشعوب الهندو-اوروبية، دخلت بلاد اليونان في عصور مظلمة استمرت ثلاثة قرون تقريبا. انتشر اليونانيون خلالها في الشرق الأدنى، وتطوعوا بصفة مرتزقة في العديد من جيوش الإمبراطوريات الكبيرة وقتها. والمميز حقا هو العقلية الإغريقية المحبة للاستطلاع والعلم، فقد حصلوا في تشظيهم ذاك على الكثير من العلوم والمعارف، فأعجبهم الفن المصري، وترك أثره في الفن الإغريقي لاحقا، وقد أبهرتهم الحضارة المصرية، وتعلموا علوم الفلك من وادي الرافدين. ويؤكد لنتون على أن كل ما في حضارة اليونان يمكن تتبع أصله لمصدر خارجي، لكنهم دائما كانوا يضيفون على ما يأخذونه.
وقد رافق قيام المدنية الإغريقية تغيرات حضارية مهمة
1 فقد اعتمدوا النظام الاستعماري لزيادة مستعمراتهم، ولم يتوانوا عن القيام بالتغييرات الديموغرافية، متبعين خطى المينويين والآشوريين.
2 وأصبحت الشعائر الدينية والطقوس الاحتفالية مصدرا يعد المشتركين والمشاهدين لها بالاحساس بالجمال أكثر من إرضاء الناحية الدينية.
3 وأدى زيادة عدد السكان في الحواضر الإغريقية، وعدم منح حق التصويت لجمع كبير من السكان، إلى ظهور الجماعات السرية التي أخذت تعاليمها من تراث الحضارات الهندو-اوروبية، وأعادوا تعريفها في حياة المدينة.
4 واخيرا، لم تعد القيود الاجتماعية غير الرسمية التي تفرض اتباع الخلق الكريم على القروي سارية في المدينة.
البرابرة
البرابرة في أوروبا هي جميع الشعوب خارج الحضارة اليونانية/الرومانية أو لا تتكلم لغاتها. ونجدهم في ثنايا التاريخ الأوروبي كله، فهم الموازي للتتار والمغول والهان وغيرهم في آسيا. وهم شعوب بدوية محاربة نشأت في منطقة السهوب الأوراسية ذاتها. أما أسباب هجراتهم المفاجئة فيبدو أنها:
1 المناخ. تغيرات تنشأ بسبب فترة طويلة من سقوط الأمطار، تؤدي لزيادة المراعي، وزيادة عدد السكان بالنتيجة، ثم تليها فترة جفاف، ومراعي أقل، بعدد سكان أكبر مما يمكن إعالته، فتضطر الشعوب للبحث عن أراض جديدة.
2 تقدم المعدات والطرق الفنية الحربية عند المغول في بداية العصر المسيحي، ترك العديد من قبائل المحاربين أقل كفاءة من غيرهم، فاضطروا للهجرة نحو الغرب.
3 ومع ذلك، فالهجرة بالنسبة للقبيلة البدوية هي الحل الأسهل على أي نوع من أنواع الضغط، وهذا يشمل الجشع.
ومن هذه الشعوب الكلت والغال والجيرمان والفرانك والسلاف والايرلنديون. لم أتمكن من فهمهم وتكوين صورة جيدة عنهم بصراحة، فالفصل هذا موجز.
شبه الجزيرة الرومانية
والمثير للاهتمام أن أولئك البرابرة غير المتمدنين هم الذين أسسوا الحضارة الرومانية العظيمة. وقد نشأت الشعوب الرومانية من دويلة صغيرة من المزارعين والتجار، على نهر التيبر في إيطاليا. وقد ظهر بينهم الحكم الجمهوري منذ عصر مبكر. وفي مدى خمسين عاما نهضت روما من دولة بربرية على حافة العالم المتمدن إلى قوة تسيطر على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. وقد أثبت النظام الروماني أنه لم يطور نفسه ليتلائم مع هذا التوسع، فما لبث الفساد الأخلاقي أن عم الإمبراطورية، فانقسمت الامبراطورية. وهنا رأي مهم للنتون يؤكد فيه على الجذورالآسيوية التي قامت عليها المدنية الرومانية:
وهكذا ظهرت للوجود أوروبا الإقطاعية، والذي هو جوهره مجتمع ريفي، يقيم فيه النبلاء مقاطعاتهم، بينما المدينة لا تنتج إلا مايعجز عنه الفلاحون، ويسكنها عدد قليل من السكان. وكان المجتمع الإقطاعي مرتبا ترتيبا جامدا، لا يحق للفرد الترقي فيه إلا بسبيل واحد هو الكنيسة. ومثلت الكنيسة آخر حصن هلنستيني في الغرب، وما الصدامات بينها وبين الدولة إلا لعدم توافقها هي الأخرى مع قيم حضارات البراراة، والذي كلل في الإصلاح البروتستاني.
الإسلام
وهنا الفصل الأخير من هذا الكتاب الدسم، والذي صدعني المترجم بتعليقاته اللانهائية على كل جملة فيه! ناهيك عن تعليق بعشرين صفحة ملحق بالكتاب قام به أحد رجال الدين.
يمثل المسلمون حالة مثيرة للاهتمام في القوة التي مكنتهم من السيطرة على مدنيات متقدمة في العالم، وكونوا امبراطورية واسعة. وهم يشبهون في ذلك البرابرة في أوروبا ضد الرومان، أو شعوب الماشية في آسيا الذين أنتجوا أفضل المحاربين وهددوا حضارات متقدمة. قد ساعد المسلمين في ذلك الظروف الجيوسياسية، فلا حضارة تنهار ما لم تكن منهكة من الداخل. وقد أنهكت الحروب بين الساسانيين والبيزنطيين الاثنين. والمميز في المسلمين مقارنة بشعوب البرابرة هو أنه تجمعهم عقيدة مشتركة، وهذه العقيدة تشجع على ضم الآخرين، وتلغي الطبقية.
تضم منطقة جنوب شرقي آسيا مجموعة شديدة التنوع من الحضارات على مر التاريخ. وفي العصر الحجري تمكن سكان هذه المنطقة من عبور المحيط الهادئ غربا حتى وصلوا سواحل أفريقيا، في رحلة شيقة مدهشة. فاستوطنوا الساحل الغربي لمدغشقر وتآلفوا مع سكانها الأصليين. وهذا ما يفسر انتشار العرق الآسيوي فيها. وعلى الجانب الآخر نجد في الجزر الميلانيزية انتشار الملامح الافريقية، ويرجح أن ذلك يرجع لتشابه الظروف المناخية في المنطقتين.
وتمثل جزر أوسيانيا ومدغشقر مادة دسمة للدراسات الإنسانية والبحث المقارن، ويرجع ذلك لعزلتها النسبية عن العالم الخارجي، وارتباطها الوثيق بعضها ببعض، ونمط حياتهم في العيش في جماعات صغيرة وعدم الاتصال بالقبائل الأخرى. كما توجد قبائل بدائية في بابوا غينيا الجديدة شكلت موضوعا مهما للدراسة في القرن العشرين. والملفت أن الخصائص هذه ذاتها هي التي جعلت المساهمة في التطور الحضاري لهذه المنطقة يكاد يكون معدوما؛ فالتطور الحضاري لا ينشأ قط من العزلة، بل من الشبكات الإنسانية التي كلما زادت كثافتها زاد بالضرورة التطور الحضاري.

تميزت شعوب بوليينزيا بمفهومي المانا والتابو. وهما مفهومان مؤثران في النظام السياسي والإداري فيها. فالمانا هي "القدرة على إنجاز العمل"، أي أن يكون الشيء أو الشخص قادرا على أداء العمل بصورة أفضل وأكثر كفاءة من المعتاد، كأن يصطاد كمية سمك أكثر من المعتاد، أو زعيما يملك مهارة أكثر في التفكير، فهما فيهما مانا أكثر. والمانا بالتالي هي قوة فوق طبيعية ، وهي شديدة العدوى، فالشخص الذي يمتلك مانا قوية يصبح خطرا على الشخص الذي به مانا أقل. ولا جدال في أن رجال الدين هم الذين يحددون كمية ومكان المانا في الأشياء. ولا يمكن اكتشاف المانا إلا من خلال الاتصال المباشر بها، كالسلك المشحون بالكهرباء الذي لا يعرف وجود الكهرباء فيه إلا باللمس. لذلك يتحتم عليهم أن يعرفوا الأشياء والأشخاص الذين حلت بهم المانا وجعلتهم خطيرين. فتوضع عليهم علامات التحريم (التابو) . والتابو اذا اعتدى شخص عليه وهو ذو مانا اقل منه، فلابد تحل به مصيبة. وقد استغلت هذه العقائد للسيطرة على الشعوب استغلالا بلغ مداه في جزر هاواي.
واتسم النظام السياسي البولينيزي بميزتين هامتين، هما: أنهم كانوا ينظرون للأمام لا الوراء، فتقل سلطة الأب بولادة ابنه الذكر الأول، حتى أن زعيم القبيلة ينحى ليكون وصيا على ابنه فور ولادته. والميزة الأخرى فهي في نظام معقد للأنساب.
أما شعوب ميلانيزيا فتختلف في قيمها وعاداتها عن شعوب بولينيزيا رغم أنهما انبثقا من أصل مشترك وتشاركا لغة واحدة. انتشر بينهم السحر والشعوذة، والشك في الغريب وعدم الأمان، فانعكس ذلك في نتاجهم الفني في أقنعة مخيفة متقنة الصنع، وفي فن قوي. وازدهرت لديهم الجماعات السرية لتأهيل الصبيان، واتسمت بطقوس تشبه الماسونية الحديثة.
وبصراحة كانت هذه أولى معرفتي بهذه المنطقة من العالم، فألفيت نفسي لا أفرق بين ميلانيزيا وبولونيزيا ومايكرونيزيا، ولم أستطع تكوين صورة مميزة لكل منها بما يبقى في ذاكرتي ويحثني على الاستزادة.
جنوب شرقي آسيا بعد العصر الحجري الحديث
فسيفساء من جزر متعددة تكون منطقة حضارية واحدة، فقد استمدت لغاتها من أصل مشترك، وتقع تحت تأثير الحضارتين المهيمنتين الهندية والصينية.
وفي اندونيسيا هيمنت الحضارة الهندية بينما لم تنتشر الحضارة الصينية، ويلاحظ ذلك في أغلب المنطقة ماعدا تايلند. ويرجع ذلك لتلاؤم المزاج بين الحضارة الهندية و الحضارات الملايو-بولينزية، وللتبشير الذي قام به رجال الدين البوذيون والهندوس بينما لم يكن للصينيين اهتمامات تبشيرية، فقد كانت سيطرة الصين على البلاد التي تغزوها مركزة على التجارة والاقتصاد، وغير مهتمة بالشؤون الثقافية الأخرى.
وقد انتشر الإسلام في اندونيسيا منذ القرن الثالث عشر، وقد وصلهم من خلال المسلمين الهنود. فوصلهم إسلاما محورا ليناسب شعوبا زراعية تعيش في مناطق الرياح الموسمية، وليس الإسلام نفسه لبدو الصحراء. وقد انتشر الإسلام للسبب نفسه الذي انتشرت فيه البوذية، فقد كانت هناك حملات تبشيرية مردها الجهاد في التعاليم الإسلامية. وقد لاقى الإسلام قبولا واسعا في اندونيسيا لأنه خلص جماعات كبيرة من السكان من نظام تسلط الطبقات في الديانة الهندوسية، التي يحكم على الفرد فيها بالولادة انتماؤه لطبقة معينة فيتحدد مركزه الاجتماعي طول حياته من غير قدرة على الخروج منه. وسبب آخر هو كان الحماسة التي أثارتها فكرة الجهاد لدى العديد من المغامرين، وسبب أخير لا يقل أهمية هو أن السلطة الصينية التي كانت مسيطرة لم تضطهد أصحاب دين معين.
وقد انتهجت الحضارات الاندونيسية سياسة بناء المعابد على نطاق واسع، فظهرت للوجود تحف معمارية لا تضاهى. كمعبد البوروبودور.

أما في كمبوديا فقد ظهرت ممالك عظيمة كمملكة فونان، والتي كانت أيضا متأثرة بالنفوذ الهندي أكثر من الصيني، وأقاموا مبعدا هو الآخر آية في الجمال على كل المقاييس، هو معبد انجكور وات. ولكم أثار اهتمامي وشدني للتعرف على هذه المنطقة الغنية من العالم. فهذا المعبد الضخم قد استغرق بناؤه ما يقارب الخمسة قرون، حكم خلالها عشرون ملكا، لكن المفارقة أن المدينة كلها هجرت بين ليلة وضحاها، وتعرضت للسلب والنهب على يد شعوب من تايلند، وصارت مدينة مهجورة نمت فيها الأشجار والأحراش، بشكل مثير للاهتمام إلى حد بعيد.ويفسر لنتون ذلك السلوك المحير بأن السكان لم يحبوا تلك المعالم التي استنزفت طاقتهم ومالهم، وصارت رمزا للسلطة التي استغلتهم، فلم يصعب عليهم هجرها والتحرر من العبودية التي فرضتها. وأنا لن أسامح نفسي إذا لم أزر هذا المعلم الرائع في حياتي!

وقد توالت على منطقة جنوب شرقي آسيا العديد من التأثيرات الحضارية بسبب الغزو، فالهند والصين كانا البداية، والإسلام، والبرتغاليون والإسبان والبريطانيون والفرنسيون أخيرا. ومع كل ذلك التأثير الحضاري، نجحت تلك الشعوب في تكوين ثقافة خاصة متنوعة شديدة التنوع، وإن متأثرة كثيرا بغيرها.
جنوب غربي آسيا وأوروبا
تتميز منطقتنا من العالم بأهمية قصوى في تاريخ الحضارة وتطورها. وقد حظيت لذلك بالكم الأكبر من الدراسات والبحوث، ولسبب آخر هو أن أوروبا تقع ضمنها، وهي محركة بوصلة الاهتمام العلمي.
المركز الحضاري في جنوب غربي آسيا، أي في العراق وسوريا وإيران وتركيا الحالية، ظهرت أولى المدنيات في العالم. وظهور المدينة مثل نقلة نوعية في طبيعة الحياة البشرية، وساعد بشكل كبير في تقدم المدنية. والمدينة إنما تنشأ مع حياة الاستقرار والثروة. فلابد أن يكون هناك فائض في الانتاج في القرى يمكن أن يعيل أبناء المدينة المعتمدين عليه. فكان اكتشاف الزراعة هو الذي ساعد على التمكن من إعالة عدد أكبر من السكان، فصارت التجمعات البشرية تتضاعف تقريبا في عدد سكانها كل خمس وعشرين سنة، لكن سرعان ماكانت الأرض تجهد من الزراعة، وعدد السكان يزيد عن الحد الذي يمكن إعالته، فتنتقل القرية لمعسكر آخر في منطقة أخرى، وتحتوي جماعات الصيد والجمع، بسبب ما تقدمه حياة الاستقرار من مميزات. لذلك، ولما كانت تلك المنطقة أولى المناطق التي عرفت الزراعة، بدأت منها هجرات واسعة شاسعة، ولا تكاد تخلو مدنية من تأثيرات الشعوب الاوراسية النيوليتية. فوصلوا إلى الصين في عهد أسرة شانج، ووصلوا إلى أوروبا، ووصلوا إلى آسيا الوسطى وهناك تركوا الزراعة واكتفوا بتربية الحيوان، بسبب عدم استقرار الزراعة بفعل الظروف المناخية.
أوروبا في العصر النيوليتي الحديث
كان اتجاه الهجرة إلى أوروبا في العصر النيوليتي (الحجري الحديث) من جنوبي غربي آسيا، وتحديدا من بلاد الأناضول. واتخذ خطين للهجرة، أحدهما على سواحل البحر الأبيض المتوسط، والثاني لوسط أوروبا من خلال نهر الدانوب. فوجدت الشعوب تلك في سواحل البحر المتوسط مناخا شبيها بالمناخ الذي أتت منه، وازدهرت زراعة العنب والزيتون، وصارت من وقتها أهم الصادرات في هذه المنطقة، بل جزءا من ثقافتها وتراثها. وقد عرفت منطقة البحر المتوسط تقدما حضاريا مميزا، ترجع أسبابه في ما يبدو للعزلة النسبية التي وفرتها الجزر والوديان الجبلية، فكونت ثقافات مختلفة وأنظمة مختلفة، لكنها في الوقت نفسه متصلة مع الحضارات الأخرى عبر البحر، وساعد البحر في الانتشار السريع للأساليب الحضارية.
وهنا هناك مفارقة تاريخية، فلماذا كانت هذه العوامل هي مرة سببا للتقدم والازدهار في جزر البحر الأبيض، لكنها مرة أخرى سبب التأخر في جزر المحيط الهادئ التي ناقشناها آنفا؟
والسبب حسب فهمي، هو الزراعة والمدن، فهذان لم تعرفهما شعوب جزر المحيط الهادئ، بل اعتمدوا في نظامهم على الصيد وجمع الغذاء، ولم يجدوا نقصا في الموارد تلك، بسبب الظروف المناخية، فلم يحدث عليهم ضغط تطوري يدفعهم للتقدم. أما شعوب البحر الأبيض فهم أقوام زراعية، ساعدها الاستقرار ووفرة الغذاء على تعقيد أنظمتهم فأسسوا المدن والولاي، فما جاء العصر البرونزي حتى كانت عشرات الامبراطوريات العظيمة قد ازدهرت في المنطقة.
وتميزت شعوب أوروبا في العصر النيوليتي بالتكوينات الحجرية ، الدولمن والمنهير، التي انشترت في أنحائها، وكان استخدامها لأغراض دينية، كتقديم القرابين ، أو دفن الموتى. وانشترت في شعوب البحر المتوسط عقيدة الآلهة الأنثى، وظلت تأثيراتها باقية في التراث المسيحي الأوروبي.
والمثير للاهتمام أن معظم الاختراعات التكنولوجية والاجتماعية قد وصلت أوروبا من جنوب غربي آسيا ظهرت أولا في شرق ووسط أوروبا.
لقد ألقت المدنيات اليونانية والرومانية سحرها على العلماء الأوروبيين، ولكن يجب أن نعترف بأن المدنية الآلية الحديثة في أوروبا تدين لحضارات شمالي أوروبا ولأصولهم الهمجية بأكثر مما تدين به لحضارات اليونان أو الرومان.
الآريون والترك - التتار
انتشرت حضارة القرية من جنوب غربي آسيا شرقا، فوصلت أقاليم السهول والأعشاب (الاستبس) في أواسط آسيا وشرقي أوروبا. واللافت هو تنوع الاستجابات الحضارية، وقدرة البشر المميزة على التكيف مع الظروف المختلفة؛ فالشعوب المهاجرة التي ألفت الزراعة وبحثت عن أراض جديدة، فوجئت بأرض غير صالحة للزراعة، ودورات مناخية طويلة، تختلف عما ألفوه، فتسقط الأمطار عدة سنين متوالية يعقبها جفاف لعدة سنين أخرى. فكانت الاستجابة المنطقية هي تخليهم عن الزراعة. وهذا مثال عما تحدث عنه لنتون في الجزء الأول من الكتاب، لما أكد على أن الحضارات لا تسير على نمط واحد قابل للتنبؤ؛ بل تختلف الاستجابة الحضارية باختلاف الجغرافيا وغيرها.
وهكذا صارت الماشية ومنتجاتها العصب لاقتصاد هذه الشعوب ولعواطفها. وقد فرضت حياة تربية الماشية عليهم عدة أمور، وهذا تحليل ذكي من قبل لنتون، نرى من خلاله كيف تتكون الحضارة، وكيف تتحدد معالمها؛ فنظام رعي الماشية قد فرض على الرعاة:
1 أن يكونوا محاربين، وذلك للدفاع عن قطعانهم، وللإغارة على قطعان غيرهم. وذلك لأن الماشية تغري بالسرقة لسهولة القيام بذلك نسبيا.
2 لا يمكن للرعاة أن يكونوا بدوا رحلا، وذلك لأن الماشية التي تتحرك كثيرا تدر لبنا أقل.
3 الاقتصاد القائم على الماشية سرعان ما يؤدي إلى إيجاد نظم اجتماعية استقراطية بالنسبة للملاك. وذلك لان الثروة تولد الثروة، وكل ما يحتاجونه للحفاظ عليها هو حماية القطيع.
وتبعا لذلك، سنفهم السيكولوجية التي حكمت تلك الشعوب. ونرى تعليل اعتمادهم على الغزو كأسلوب حياة، فقد كان البحث عن مراع جديدة ضرورة عندما تجهد المراعي الحالية، وسرعان ما فطنوا إلى أن الفلاحين في المناطق المجاورة يمكن السيطرة عليهم كما يسيطر على الماشية، فعمدوا إلى إخضاع القرى، والاعتماد على الفلاحين في توفير الطعام. وفرض نمط حياتهم عليهم أن يكونوا محاربين أشداء، فطوروا أسلحة حربية وكانوا في تاريخهم كثيرا ما يقترضون من الشعوب التي يغزونها التقنيات الحربية.
والآريون هم شعوب رعاة الماشية الذين يتكلمون لغات هندو-أوروبية. ويشبه نظامهم الاجتماعي حياة العرب في شبه الجزيرة، من حيث استخدامهم الشعر للتملق ولتوثيق الأحداث المهمة، ويتغنى الشعراء في حضرة الرؤساء للحصول على زلفى. كما ويشبهونهم في احتقارهم للأعمال التجارية، والزراعية، وامتداحهم للصوصية.
وبرغم أن الحضارة الآرية لم تسهم بشيء ذي بال في التطور الحضاري؛ فقد كانت مساهمتهم بالغة الأثر في الناحية الاجتماعية. فمنهم ظهرت الارستقراطية، وثقافة البيت النبيل، وما تبعه من تفاصيل ازدهرت في أوروبا الإقطاعية.
أما إلى الشرق في أواسط آسيا، فكانت السهول المغولية أكثر جفافا وفقيرة، بما لا يشجع على تربية الماشية، لكنها كافية لتربية الأغنام والجمال والخيول. فازدهرت هناك حضارة الخيل كما يسميها لنتون مقارنة بحضارة الماشية في الغرب. وهم شعوب بدوية، وقد كونوا حضارة مميزة، يقل فيها تأثير حضارات أخرى، وكونت أفضل ما عرفه العالم من الحياة البدوية تقدما. وزادت قوتهم بصورة درامية بعد أن تبنوا أساليب حربية معينة باستخدام الجياد، من خلال استخدام السهام أولا ثم الحراب، والهجوم بأعداد كبيرة. وهكذا تمكنت شعوب حضارة الخيل كالهون والمغول من احتلال العالم. لكن اللافت أنهم لم يستثمروا نجاحاتهم الحربية في تطوير أنظمتهم بما يجعلهم قوة مستدامة، فكان حكمهم للشعوب المقهورة سرعان ما يضعف بعد جيل واحد، وكانت سياستهم قائمة على العنف والقتل والتخريب، كإغراق الكتب في نهر دجلة مثلا، بدل الاستفادة منها.
ولذلك لم تستمر هيمنتهم على العالم، فلم يطوروا أسلحتهم بالصورة الكافية لتجاري البارود ولم يطوروا التكتيك الحربي. وذلك لم يكن في مقدورهم بسبب نمط حياتهم القائم على التنقل وعدم الاستقرار، واكتفائهم بالأسلحة اليدوية سهلة الحمل، وهكذا انتقل المجد من قوم لقوم آخرين.
الساميون
شعوب الشرق الأدنى القديم واجهت تغيرا مناخيا كبيرا، فالمنطقة الصحراوية في العالم العربي كانت يوما غابات كثيفة، ثم أخذوا بقطع الأشجار وإحراق الغابات لتوفير الأراضي للزراعة، ولم تكن الأرض بالخصوبة الكافية لتجدد الغابات نفسها في سرعة التقدم البشري. وأخذت المنطقة تتحول لصحراء قاحلة جافة، فوجد الناس أنفسهم أمام ذات التحدي الذي واجه شعوب منطقة الأعشاب في اوراسيا، مضطرين لتغيير أسلوب حياتهم ليلائم البيئة الجديدة. فتركوا الزراعة، وعمدوا لتربية الإبل والغنم، مستفيدين بذلك من الأمطار الموسمية التي توفر مراعي خصبة. وقد كان الانتقال من حياة الزراعة إلى الرعي تدريجيا، حتى هجرتها الشعوب نهائيا، وصاروا بدوا رحلا طوال العام.
واستفادوا فائدة كبرى من تدجين الجمل. وكانوا يرجعون إلى الزراعة ويكونون القرى متى ما وجدوا مناخا ملائما لذلك، كما في يثرب على سبيل المثال. واتسمت الشعوب السامية باعتمادها التام على أهل المدن، وكانت التجارة شغلهم. وطوروا نظام القوافل التجارية. ونحن نعرف باقي القصة من التراث العربي.
والأثر المهم للحضارة السامية على تطور الحضارة هو ما تركته في الأديان السامية. فصورة الرب "يهوة" هي تمثيل للأب في الأسرة السامية. له سلطة مطلقة واستبدادي، وله سلطة لا إرادية على أتباعه، لذلك كثرت المحرمات في الديانة اليهودية، وبدا اهتمام التعاليم الدينية منصبا على المحرمات والجنس.
شعوب البحر الأبيض المتوسط
جزيرة كريت
نشأت في جزيرة كريت حضارة متقدمة ظلت بقاياها في الأساطير اليونانية. وهي أيضا ترجع إلى الأصل المشترك في جنوب غربي آسيا. والمدهش أنها لم تكتشف إلا في القرن العشرين. قامت حضارة كريت على التجارة، وسيطرت على موانئ البحر المتوسط، وكانت لها صلات قوية مع مصر. اعتمدوا زراعة الزيتون، وكونوا مجتمعا متقدما توزع فيه الثروة بعدالة حتى يكون المجتمع كله طبقة برجوازية. وصل الفن الكريتي لدرجة متقدمة من الرقي، وتمثل الأثار التي تركوها أعمالا فنية تستحق التأمل من حيث موضوعها ودقتها. وجزيرة كريت هي اطلانطس المفقودة التي حكى عنها أفلاطون. فقد انهارت حضارتها في ليلة وضحاها، إثر غزو من شعوب تتكلم لغات هندو-اوروبية في غارة أحرقوا خلالها المدينة ونهبوها، وتزامنت مع زلزال مدمر. وأهم المعالم الاثرية هو قصر نوسوس او قصر المينوس، والذي بقي في المخيال الشعبي اليوناني في أسطورة المينوتور وغيرها.

بلاد اليونان
بعد انهيار الحضارة المينوية العظيمة في كريت، وبعد غزوات الشعوب الهندو-اوروبية، دخلت بلاد اليونان في عصور مظلمة استمرت ثلاثة قرون تقريبا. انتشر اليونانيون خلالها في الشرق الأدنى، وتطوعوا بصفة مرتزقة في العديد من جيوش الإمبراطوريات الكبيرة وقتها. والمميز حقا هو العقلية الإغريقية المحبة للاستطلاع والعلم، فقد حصلوا في تشظيهم ذاك على الكثير من العلوم والمعارف، فأعجبهم الفن المصري، وترك أثره في الفن الإغريقي لاحقا، وقد أبهرتهم الحضارة المصرية، وتعلموا علوم الفلك من وادي الرافدين. ويؤكد لنتون على أن كل ما في حضارة اليونان يمكن تتبع أصله لمصدر خارجي، لكنهم دائما كانوا يضيفون على ما يأخذونه.
وقد رافق قيام المدنية الإغريقية تغيرات حضارية مهمة
1 فقد اعتمدوا النظام الاستعماري لزيادة مستعمراتهم، ولم يتوانوا عن القيام بالتغييرات الديموغرافية، متبعين خطى المينويين والآشوريين.
2 وأصبحت الشعائر الدينية والطقوس الاحتفالية مصدرا يعد المشتركين والمشاهدين لها بالاحساس بالجمال أكثر من إرضاء الناحية الدينية.
3 وأدى زيادة عدد السكان في الحواضر الإغريقية، وعدم منح حق التصويت لجمع كبير من السكان، إلى ظهور الجماعات السرية التي أخذت تعاليمها من تراث الحضارات الهندو-اوروبية، وأعادوا تعريفها في حياة المدينة.
4 واخيرا، لم تعد القيود الاجتماعية غير الرسمية التي تفرض اتباع الخلق الكريم على القروي سارية في المدينة.
البرابرة
البرابرة في أوروبا هي جميع الشعوب خارج الحضارة اليونانية/الرومانية أو لا تتكلم لغاتها. ونجدهم في ثنايا التاريخ الأوروبي كله، فهم الموازي للتتار والمغول والهان وغيرهم في آسيا. وهم شعوب بدوية محاربة نشأت في منطقة السهوب الأوراسية ذاتها. أما أسباب هجراتهم المفاجئة فيبدو أنها:
1 المناخ. تغيرات تنشأ بسبب فترة طويلة من سقوط الأمطار، تؤدي لزيادة المراعي، وزيادة عدد السكان بالنتيجة، ثم تليها فترة جفاف، ومراعي أقل، بعدد سكان أكبر مما يمكن إعالته، فتضطر الشعوب للبحث عن أراض جديدة.
2 تقدم المعدات والطرق الفنية الحربية عند المغول في بداية العصر المسيحي، ترك العديد من قبائل المحاربين أقل كفاءة من غيرهم، فاضطروا للهجرة نحو الغرب.
3 ومع ذلك، فالهجرة بالنسبة للقبيلة البدوية هي الحل الأسهل على أي نوع من أنواع الضغط، وهذا يشمل الجشع.
ومن هذه الشعوب الكلت والغال والجيرمان والفرانك والسلاف والايرلنديون. لم أتمكن من فهمهم وتكوين صورة جيدة عنهم بصراحة، فالفصل هذا موجز.
شبه الجزيرة الرومانية
والمثير للاهتمام أن أولئك البرابرة غير المتمدنين هم الذين أسسوا الحضارة الرومانية العظيمة. وقد نشأت الشعوب الرومانية من دويلة صغيرة من المزارعين والتجار، على نهر التيبر في إيطاليا. وقد ظهر بينهم الحكم الجمهوري منذ عصر مبكر. وفي مدى خمسين عاما نهضت روما من دولة بربرية على حافة العالم المتمدن إلى قوة تسيطر على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. وقد أثبت النظام الروماني أنه لم يطور نفسه ليتلائم مع هذا التوسع، فما لبث الفساد الأخلاقي أن عم الإمبراطورية، فانقسمت الامبراطورية. وهنا رأي مهم للنتون يؤكد فيه على الجذورالآسيوية التي قامت عليها المدنية الرومانية:
إن الامبراطورية الرومانية لم تكن إلا امتدادا غريبا للحضارة الهلنستية التي نشأت في الشرق الأدنى، وقد ظل هذا الشرق مركزا يمدها بقوة الاستمرار. وكما نرى في الحالات الكثيرة التي تمتد فيها الحضارات إلى مناطق لا تصلح بيئها لتلك الحضارة، نرى أن جذور المدنية الهلنستية لم تجد لها تربة صالحة في الغرب. ومع مضي الزمن استعادت الحضارات الكلتية والجرمانية مكانتهما وتقهقرت الحضارة الهلنستية نحور الشرق حيث عاشت في بيزنطة، وهي ما يسمونها الامبراطورية الرومانية الشرقية، وبقيت هناك حتى القرن الخامس عشر بعد الميلاد. وترك تقهقرها أمر السيطرة على أوروبا في أيدي القبائل البربرية التي تقدمت في حضارتها، ولكن لم تتغير بسبب صلتها بروما الهلنستية. ووجدت هذه القبائل أن كثيرا من عناصر الحضارة الهلنستية لا يمكن أن يتفق مع نظمهم التي وضعوها لأنفسهم منذ زمن بعيد. وبينما أرادت روما أ، تحتم عليهم قبول النظم الشكلية للدولة الرومانية فإنهم أعادوا تفسير هذه النظم بما يتفق مع ما لديهم نم قيم
وهكذا ظهرت للوجود أوروبا الإقطاعية، والذي هو جوهره مجتمع ريفي، يقيم فيه النبلاء مقاطعاتهم، بينما المدينة لا تنتج إلا مايعجز عنه الفلاحون، ويسكنها عدد قليل من السكان. وكان المجتمع الإقطاعي مرتبا ترتيبا جامدا، لا يحق للفرد الترقي فيه إلا بسبيل واحد هو الكنيسة. ومثلت الكنيسة آخر حصن هلنستيني في الغرب، وما الصدامات بينها وبين الدولة إلا لعدم توافقها هي الأخرى مع قيم حضارات البراراة، والذي كلل في الإصلاح البروتستاني.
الإسلام
وهنا الفصل الأخير من هذا الكتاب الدسم، والذي صدعني المترجم بتعليقاته اللانهائية على كل جملة فيه! ناهيك عن تعليق بعشرين صفحة ملحق بالكتاب قام به أحد رجال الدين.
يمثل المسلمون حالة مثيرة للاهتمام في القوة التي مكنتهم من السيطرة على مدنيات متقدمة في العالم، وكونوا امبراطورية واسعة. وهم يشبهون في ذلك البرابرة في أوروبا ضد الرومان، أو شعوب الماشية في آسيا الذين أنتجوا أفضل المحاربين وهددوا حضارات متقدمة. قد ساعد المسلمين في ذلك الظروف الجيوسياسية، فلا حضارة تنهار ما لم تكن منهكة من الداخل. وقد أنهكت الحروب بين الساسانيين والبيزنطيين الاثنين. والمميز في المسلمين مقارنة بشعوب البرابرة هو أنه تجمعهم عقيدة مشتركة، وهذه العقيدة تشجع على ضم الآخرين، وتلغي الطبقية.
Displaying 1 - 1 of 1 review


