Jump to ratings and reviews

شجرة الحضارة

شجرة الحضارة - الجزء الثالث

Unknown Binding

Loading...
Loading...

About the author

Ralph Linton

83 books16 followers

Ratings & Reviews

What do you think?

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
3 (33%)
4 stars
2 (22%)
3 stars
3 (33%)
2 stars
1 (11%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 - 1 of 1 review
Profile Image for Zahraa زهراء.
511 reviews329 followers
July 24, 2026
إفريقيا
مصر
ساعدت الجغرافيا على تكوين وحدة سياسية في وادي النيل منذ أقدم العصور، ذلك أن النيل منتظم في دوراته، وأنه واد ضيق محاط بالصحراء، فوفرت هذه الصحراء أمنا نسبيا- عند المقارنة مع حضارة وادي الرافدين مثلا.
أحد مميزات حضارة وادي النيل الكثيرة هو دينهم؛ إذ نعرف أسماء ما يزيد عن ألفين من الآلهة المصرية، لكن المثير للاهتمام هو علاقة العباد بالآلهة، فهم لم ينظروا لها بعاطفة حقيقية، أو شعروا أنهم أمامه لا حول لهم ولا قوة، فكأنهم لا يعتقدون بالآلهة بل يمسكونها بأيديهم؛ إذ كل إله يمكن السيطرة عليه ومراوغته إذا تمكن الإنسان من معرفة الكلمات التي تمده بالقوة اللازمة. ولم يعنوا بالبحث عن أصول الآلهة أو حقيقة طبيعتها، وتصنيفها لخير مطلق أو شر مطلق، لذلك لم تصل الحضارة المصرية لتكوين نظام لاهوتي متماسك، بل جمع هائل من الأساطير. وسبب هذا التعدد الكبير في الآلهة يرجع لعوامل جغرافية؛ فمصر كانت تتكون من أقاليم يتجاوز عددها الأربعين، ولكل منها ثقافتها الخاصة، فلها إلهها حارس الإقليم، وكانت المجموعات الإلهية في كل منقطة منظمة على نسق واحد، فكان يحتوي على عدد من الآلهة يقومون بأعمال متشابهة. فلما توحدت مصر لم يتخل الناس عن آلهتهم، بل تم إضافتها لجمع الآلهة، وقد يحصل إدماج للآلهة التي لها نفس الوظيفة، فتتعدد بالتالي القصص المختلفة والمتناقضة لشرح الظواهر بدل أن تكون أسطورة واحدة. ولهذه المميزات للديانة المصرية؛ لم يحفل بها اليونانيون الذين احتكوا بحضارة وادي النيل، وأخذوا منها ما أخذوا.

وقد أدى إيمانهم الشديد بالحياة بعد الموت لحفظ الكم الأكبر من الآثار الذي وصلنا من أي حضارة، ولتشييد أفخم وأعظم المقابر على الإطلاق. وكان المصريون يؤمنون بكائن روحاني يسمى (الكا)، يعتبر قرينا للإنسان، ، يولد معه، ويجب الحفاظ عليه لاستمرار حياة الإنسان بعد الموت، فإذا شوه الجسد كأن يبتر جزء منه فإن الكا تهلك. وهكذا نشأت عادة تحنيط الموتى وحفظ أجسادهم. وكانت الكا تعيش في القبر وتتغذى على القرابين، لذلك كان على أهل الميت الاستمرار في تقديم القرابين لأن الكا قادرة على التحكم في مصير الأحياء. وهذه المعتقدات نفسها هي التي احتمل الكادحون في بناء المشاريع الضخمة كالأهرامات والمعابد لأجلها ضروب الشقاء.

يتكون التنظيم الاجتماعي للمجتمع المصري القديم من تراتبية هرمية واضحة، يمكن للشخص الترقي فيها. فعلى قمة الهرم الفرعون، وهو طبعا يحصل على مرتبه بالوراثة. وبعده الطبقة الارستقراطية المتمثلة بالنبلاء والموظفين والكهنة، فالطبقة الوسطى من الصناع والجنود المحترفين، وفي قاعدة الهرم الفلاحون.
لم يكن للفلاحين مشاركة في الحياة السياسية أو اهتمام. أما الجنود فقد تعاظمت أهميتهم السياسية بمرور الزمن، فكان المتنافسون على العرش أو مؤسسو السلالات الجديدة يعتمدون على الأجانب من النوبيين أو الليبيين أو المرتزقة الإغريق.

الحضارة المصرية غنية ومثيرة للاهتمام على نحو استثنائي، سأقرأ عنها بشكل مفصل يوما، فهذا الفصل لم يحك قصتها بأفضل طريقة برأيي.

شعوب إفريقيا في العصور التاريخية
تقسم الصحراء الكبرى قارة إفريقيا إلى قسمين حضاريا، في جميع العصور التاريخية. وتبرز جماعة واحدة تمكنت من تكوين حضارة مميزة في الصحراء الكبرى، وهي قبيلة الطوارق، الرجال الزرق.

وهم شعب من البربر سكنوا الجزء الغربي من الصحراء الكبرى، اعتنقوا الإسلام لكن لهم عادات مميزة قد لا تتفق مع العقيدة الإسلامية. وهم قبائل بدوية تعيش على تربية الإبل بصورة أساسية، ثم الغنم والماعز. وهم يشبهون عرب الجزيرة العربية؛ فقد كانت وظيفتهم حماية القوافل ،وسلب القوافل التي لا تدفع الإتاوة. وكانوا محاربين أشداء كما هو المتوقع من البدو دائما. ومما يميزهم هو أن الرجال يغطون وجوههم، بينما النساء لا تفعل. والنساء هن المتعلمات بينهم وهن الحارسات لوجوه النشاط الفكري والفني في الجماعة.
وبرزت أيضا الحضارة الحبشية التي اعتنقت المسيحية، والتي لها سمات الحضارة السامية وتأثيرات الحضارة البيزنطية.
وللشعوب الإفريقية نظم اجتماعية وسمات تنتشر في كل أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء؛ فأغلبهم شعوب ترعى الماشية، أو تمارس الزراعة لكن بصورة بدائية، فلم يطوروا المحراث والعجلة، وبالتالي لم تتمكن القرى من إعالة عدد كبير من السكان لتتكون المدن، أو يكون نظامها مختلطا بين الزراعة وتربية الماشية. ويشيع بينهم تعدد الزوجات، وذلك بسبب زيادة عدد المواليد من النساء، مع تناقص الذكور بسبب الأعمال الخطرة من الصيد والحرب ونحوه. وكانت المجتمعات مقسمة لثلاث طبقات، الزعماء والعامة والعبيد. وقد عرفوا نظام الرق قبل وصول الأوربيين.
وكما لاحظنا في شعوب السهوب الآسيوية، فإن الشعوب الإفريقية التي ترعى الماشية تميل لكثرة الحروب، وذلك لغرض الاستيلاء على ماشية الغير. وقد يكون هذا أحد المؤثرات في استمرار الحروب الأهلية دائما بين الشعوب الإفريقية، فهذه الحدود التي رسمتها قوى الاستعمار لم تراعي التقسيمات الحضارية التي كونتها الشعوب لنفسها.
وتميزت الشعوب الإفريقية كذلك بعبادة الأسلاف، والاهتمام بحفلات تأهيل الرجال ونحوها من الجماعات السرية، التي يبدو أنها النموذج الأصلي لجماعات كالكوكلوكس الكلان برأي المؤلف.

الحضارات الإفريقية
ازهرت في إفريقيا ممالك عظيمة، حتى الوقت الذي اتصل بهم الاوربيون. وكونت حضارات مميزة، تصل لمستوى أوروبا في القرون الوسطى، باستثناء أنها لم تطور القراءة والكتابة. وقد اتصلت ممكلة النوبة بالحضارة المصرية وتشربتها، وتركت عليها تأثيرات مهمة.

ممالك البوغاندا وداهومي وبنين وغيرها. وهناك ظواهر عديدة تشترك فيها تلك الممالك برغم تنوعها؛ كانت جميعها ممالك اوتوقراطية، يمتلك الملك سلطة منح الحياة والموت، ويسعى لتحقيق العدالة. وكانوا يرون عدم استخدام الحاكم لسلطته نوعا من الضعف، ويهتمون بصفات الحاكم الجسمانية، فإذا أصيب بمرض أو عاهة يقتلونه أحيانا. الممالك جميعها مجتمعات زراعية، قامت في الأساس من سكان متصلين بالقرابة، وعلى رأسهم زعماء يعملون على تسوية الخلافات وكهنة لعبادة الأسلاف. وكان المقر الملكي فخما دائما وباذخا، ويحوي مئات من الزوجات للملك، بالإضافة للموظفين والحراس.

وهذا الفصل قد فتح عيني على عالم لم ألحظ وجوده. والمحزن أن لنتون توقع في نهايته أن القرن الحادي والعشرين سيكون فيه البعث للأمم الإفريقية مستمدة من تراثها الغني، لكنه تنبأ مع ذلك بأن الأنظمة الديمقراطية لا يتوقع لها النجاح في مجتمعات اعتادت الحكومات الاستبدادية على مر القرون.

الهند
وضعت لهذا الفصل تحديا، هو أن يجعلني، وأنا الجاهلة بالحضارة الهندية أشد الجهل، مهتمة بها، مفتونة بها، كفتنتي بالحضارة الصينية. ويا لسهولة المطلب! لقد قص لنتون حكاية الهند بطريقة ممتازة، ما كان نتاجها إلا اهتمامي بهذا البلد الغني شديد التنوع.

يرجع جزء من السبب في الاختلافات الهندية وتنوعها إلى العوامل الطبيعية بالضرورة، فيتباين مناخها بين الغابات والمناخ الساحلي والصحاري والجبال، وتعمل الجيولوجيا على عزل قوم واتصال آخرين. وقد وجدت الحضارة فيها منذ أقدم العصور، فوادي السند من أوائل الأماكن التي اكتشفت الزراعة، ومن أوائل الأماكن التي ظهر فيها الإنسان أصلا.
وفي دراسة التاريخ الهندي لابد من ملاحظة أن الهنود أنفسهم غير مهتمين بتاريخهم وتدوينه؛ وذلك بسبب ثقافتهم ونظرتهم للحياة في أنها دورات متعاقبة وليست إلا سرابا خادعا فتحيل إلى عدم الاهتمام بالزمان والمكان الذي تجري فيه الأحداث.
وأهم عقائدهم الدينية وعاداتهم هي الاعتقاد بتناسخ الأرواح وعقيدة "الكارما". فتبدأ الروح كشيء كلي، غير محدد من القوى الروحانية، وأمدت الجسد بنوع وضيع من الحياة. وعندما يموت الشخص يحمل معه الخبرات التي اكتسبها من حياته، ويولد في روح أخرى. وتجمع الخبرات هذا هو "الكارما". فكلما زادت خبرات الشخص وتعددت حيواته، ازدادت الكارما الخاصة به، فاستحق مرتبة اجتماعية أعلى بالتالي. وهكذا جعلت هذه العقيدة نظام الطبقات فعالا في المجتمع الهندي. فكل شخص يولد في مكانة معينة ليحصل على أكبر الفائدة في تقدم الكارما، وهذا ما جعلته حيواته السابقة مستحقا له. وترتب على ذلك أن من يحاول ترك طبقته يغامر بمصير روحه وهنائها. وهناك طرق للحصول على كارما طيبة من خلال فعل الخير بوجه عام، والتقدم بالقرابين للنساك والكهان، والمراعاة الدقيقة لتنفيذ الطقوس الدينية، أو أن يصبح المرء ناسكا. والنسك أيضا من مميزات الحضارة الهندية. وهو في أصله نوع من تحدي قوى الطبيعة. فقد يصوم الناسك ليقاوم رغباته، ويعتزل الناس، ويتأمل، وقد يؤدي ضروبا شديدة من الجور على الجسد؛ رغبة في الوصول لصفاء روحي، والتحرر من سلطة الجسد.

وأهم ما قدمته المدنية الهندية للحضارة هو البوذية؛ ليست فقط كدين عالمي ، بل كتعبير صادق عن الفلسفة الهندية الثرية. ولنشأة البوذية وشخص بوذا قصة ظريفة، أضيف عليها حشد من الأساطير بالضرورة، لكن يظهر أن بوذا ليس شخصية أسطورية، بل كاهن مبشر بدين جديد، يتوافق مع عقيدة هندوسية قائلة بأن مخلصا يظهر عندما يحل شر كبير في العالم. وما هذا المخلص إلا أحد "افاتارات" الإله الهندوسي فيشنو، ولدى البوذا كارما كبيرة بسبب تجاربه التي لا تحصى في تناسخ روحه مرات كثيرة، فلما وصل إلى أعلى درجات الكارما استقر مع الآلهة في السماوات.
أنكر بوذا فائدة التفريق بين الطبقات، وأنكر مفعول الطقوس والقرابين التي كانت وسيلة الترقي الروحي، وأخذ يتشكك في وجود الروح ككائن مستقل، فلم يرها إلا تجمع الكارما. وليس في الديانة البوذية تفسير لنشأة العالم، وهذا يتوافق مع المزاج الهندي المؤمن بالعود الأبدي. كان قصده من إنكار تلك الأمور هو استبعاد الخرافات وترك الإنسان حرا. وكانت مبادؤه في البدء بسيطة، تسعى إلى أن يبحث كل فرد داخل نفسه. ولكن الطوائف كثرت حتى يصعب حصرها، وسرعان ما أضيفت الطقوس التي نبذها بوذا للديانة البوذية.
وقد انتشرت البوذية في الشرق انتشارا واسعا، في الهند والصين واليابان. وذلك يرجع في أحد أسبابه إلى أن النساك البوذيين الدعاة، لم يغروا بسرقتهم أو يثيروا انتباه المدن التي كانوا يتجولون فيها، وذلك لزهدهم وتقشفهم، وانشغالهم بالسلام الداخلي، فانتشرت عقيدتهم، ولم تلاق رفضا من الحكومات. ويظهر أن تأثير البوذية وصل حتى الإسكندرية، فيبدوا تأثيرها في نوع من النسك وتنظيم رهبان الأديرة في العصور المسيحية الأولى.

وتعاقبت على الهند غزوات كثيرة، واختلطت بحضارات كثيرة، وحدث أن رفضت البوذية، وازدهرت الهندوسية. ووصل الفاتحون المسلمون، وحدثت مشادات كثيرة بين المسلمين والهندوس بسبب الاختلاف الكبير في الديانتين. ووصلت الحضارة الهندية لحالة من الركود في وقت الاستعمار البريطاني.
وكما صار واضحا، فالحضارة الهندية ثرية ثراء، وكل من مفرداتها يستحق كتبا كاملة.

الشرق الأقصى
الصين
عاش في بلاد الصين، على مر العصور، شعب ذو ثقافة موحدة. فهي وإن تبلورت معالمها بعد المدنيات القديمة في الشرق الأدنى ومصر ووادي السند؛ إلا أنها تكاملت في عصر مبكر، ولم يصبها الانهيار في يوم من الأيام. وقد ساعدت على تحقيق ذلك:
1 اتساع مساحة الأراضي الزراعية، خصوبة الأرض، وطرق الزراعة الكفوءة، مكنت من سد حاجات سكان مدنية مكتظة.
2 اهتم الصينيون بنظريات الحكم والتطبيقات العملية لها، فطوروا أنظمة إدارية ممتازة لتجنيد العقول اللامعة في خدمة الدولة.
3 اختراعهم للغة كتابة موحدة، بالرغم من اختلاف اللهجات المحكية، فكونت تقليدا حضاريا متجانسا، ومن خلال استمرار استعمالها، ساعدت في حفظ المعرفة وتناقلها.
4 الحماية التي توفرها الجغرافيا؛ فتحد الصين من جهات ثلاث سلاسل جبلية ، وفي الشمال غابة قطبية في منشوريا، وفي الشمال الغربي سهول قاحلة، وهذه الجهة هي الوحيدة التي كان يأتي منها الغزاة من شعوب الماشية والخيل.
5 ساعدت البيئة الطبيعية على الاكتفاء الذاتي في الحضارة الصينية، فقد صنع الصينيون جميع السلع التي يحتاجونها بأنفسهم، وما كانوا يتاجرون به هو السلع الكمالية.
ويظهر أن الصين نشأت، في تاريخها الغابر، نشأة استعمارية. فيبدو أن شعب الشيا، وهو الذي ينتسب إليه الصينيون، قد خاض معارك ضد شعب المياو.

ودراسة تاريخ الصين ممتعة أشد الإمتاع، وذلك لكثرة التفاصيل والقصص، وولع الصينيين بالتدوين، بل وإعادة كتابة التاريخ ليتلائم مع الصورة المثالية التي يريدونها!
كان التعليم في البداية حكرا للنبلاء، ثم في عهد أسرة جو انشغل النبلاء بالحروب، فأتاحوا التعليم للعامة، ففتحت مدارس في مدن كثيرة. وكان المتعلمون يتنقلون بين المدن بحثا عن بلاط يرعاهم. وكان من هذه الجماعة، جماعة العلماء-الموظفين، فلاسفة القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد، كونفوشيوس ومنكيوس. وقد نحتت ظروفهم توجهاتهم الفكرية، فنراهم يبحثون عن إيجاد وسائل للتخلص من الآلام التي جلبها سوء الإدارة الحكومية.
كان كونفوشيوس ينظر إلى التاريخ، فرأى في الدولة المنظمة التي أسسها أول أباطرة جو النموذج القياسي، فأعاد كتابة تاريخها، وجعلها وثائق مثالية. وقد خلت فلسفته من عناصر ما ورائية، بالرغم من أنها أكدت على وجود جاذبية طبيعية بين بعض الأشخاص كأفراد العائلة. و فكرة الأسماء في الكونفوشيوسية تشبه الأشياء الكاملة في الأفلاطونية؛ فهي "الجمع المقترن بين المركز الثابت ودوره المقترن به، أي أن الاسم يتكون من فهم المركز الصحيح لأي جماعة في الكيان الاجتماعي، ومن معرفة ما لهم من حقوق وواجبات تسير جنبا إلى جنب مع ذلك المركز". وقد شرع كونفوشيوس حق الرعية في نقد الحاكم، وتنحيته إذا لم يقم بواجبه.
وبعد وفاته أضفى تلاميذه تعديلات متنوعة على فلسفته، فمنهم من رأى أن الإنسان مجبول على الخير، فلو ترك بلا توجيه لاتجه إلى فعل الخير، ومنهم من قال بضرورة التعليم والتقويم، لكبح الشر في الإنسان.
أما الطاوية، فهي فلسفة أخرى ذات تأثير مهم في الحضارة الصينية، وهي تتعارض مع الكونفوشيوسية في كل نقطة تقريبا. فتتميز بأجوبتها المبهمة الغامضة، والبحث الصوفي في النفس، وإيمانها بقوى ما وراء الطبيعة. وقد استمدت ثقافتها من الأساطير القديمة فأحيتها، وتأثرت بالبوذية. وهي تطورت من عبادة الطبعية، وفكرتها الأساسية أن الكون مستمر في حالة من التغير وتوازن القوى بين الين واليانغ، والرجل العاقل هو الذي يتخذ الطريق الوسط "الطاو"، فلا يخل بالتوازن الكوني.

وأهم ما قدمته الصين لحضارة العالم هو أهميتها كمركز لتطور وتوزيع المدنية. فقد كانت فيها مدن كبيرة آهلة بسكانها عندما كان يعيش معظم سكان الدنيا في قرى صغيرة، وحلت معظم مشاكل الحكم التي تواجه الدول الحديثة، ووحدت حلولا يمكن اتباعها إزاء تلك المشاكل، وذلك فيما يمكن اتخاذه إزاء أقلية تحكم البلاد. ولم تؤثر الصين على مدنيات الشرق الأقصى فسحب، لأنها كانت مركزا تغترف منه بصفة مستمرة الحضارات المتجاورة، بل أثرت أيضا على أوروبا. ويشبه تأثير الصين على ما جاورها من حضارات ما كان للامبراطورية الرومانية من تأثير على الهمج البرابرة الذين كانوا على مقربة منها ،ولكن بدلا من الخمسمئة السنة التي استمر فيها تأثير الرومان على ما جاورهم ، فإن الحضارة الصينية ظلت ثلاثة آلاف سنة، وكانت النبع الذي استقت منه كل حضارات هذا الجزء من العالم.

ويرى لنتون أن الثقافة الصينية تركت أثرها في عصر الاستنارة الأوربي، فأفكار روسو عن الرجل الطبيعي تذكرنا بالمثل الاعلى للفلسفة الطاوية، والفكرة القائلة بأنه في الوقت الذي يجب على المحكومين أن يطيعوا حاكمهم، يجب على الامبراطور أن يحمي رفاهية ومصالح الرعية، وللرعية الحق في الثورة خلاف ذلك؛ هي فكرة كونفوشيوسية محضة. وقد كانت تلك الأفكار المحرك للثورة الفرنسية التي غيرت مسار الحضارة الغربية.

اليابان
وبعد التعرف على الحضارة الصينية الراقية، تبدو حضارة اليابان أقل بريقا بكثير. فقد نشأت اليابان كعشائر زراعية، ظهرت فيها طبقة حربية، وفي جميع العصور كانت تلك الطبقة هي التي بيدها شؤون الحكم. ثم سادت أحد العشائر على غيرها، فكونت امبراطورية إقطاعية، وكانت الاقتصاد الياباني قائما على الزراعة في المقام الأول ثم التجارة، فالزراعة لغنى الأرض وخصوبتها فهي تربة بركانية، ولم يحفلوا برعي الماشية والأغنام. والتجارة فقد سهلتها الجغرافيا في كون اليابان مجموعة من جزر، وكذلك وفرت التيارات الدافئة كميات مهمة من الحيوانات البحرية للغذاء.
وركز المحاربون اليابانيون على المهارة الفردية وطوروا أساليبها، لكنهم تأخروا في التكتيك الحربي والمناورات الحربية، فكان "فن الحرب" لديهم متأخرا في العصر الإقطاعي. والمميز في اليابانيين هو إقبالهم على الحضارات الأخرى يتعلمون منها ويأخذون بلا حياء؛ ففتنوا بالحضارة الصينية على سبيل المثال وأرسلوا لها بعثة ظلت عشرين سنة درست علوم وفنون الصين، ثم عندما اتصلوا بأوروبا أقبلوا على تعلم مخترعاتهم، وطوروا بعض الأسلحة التي وصلتهم منها لتلائم صناعتهم اليدوية.
ولم يحفل لنتون باليابان الشيء الكثير، وذلك بسبب النظرة السلبية التي حصلت عليها بعد الحرب العالمية الثانية، ويبدو أنه لم يكن يتوقع على الإطلاق هذه النهضة الحضارية والصناعية التي شهدتها اليابان بعد الحرب.

الدنيا الجديدة
السكان الأصليون في أمريكا الشمالية
يسمى العالم الجديد بهذا الإسم ليس بسبب حداثة اكتشافه من قبل الإنسان الأبيض الثقيل الظل وحسب، بل لحداثته النسبية حضاريا؛ فعندما وصل الإسبان إلى الأميركتين كان سكانها بلغوا من مراحل الحضارة ما بلغه جنوب غربي آسيا في 3500 ق.م. وما كان بلغه غربي أوربا 1500 ق.م.
وقد وصل السكان الاوائل إلى الدنيا الجديدة من آسيا، عبر مضيق بيرنغ، حوالي عام 1000 ق.م.. ولا يرجح تطور نوع إنساني بشكل مستقل هناك. والشعوب التي وصلت من روسيا هي شعوب اسكيمو، وجدت مناخا مشابها، وكان "استعمار" السكان الاصليين للقارة عبارة عن سلسلة من الهجرات من الشمال إلى الجنوب، على مدى آلاف من السنين.
وقد يتصور الجاهل بتفاصيل المنطقة قبل الاستعمار الاسباني -وأنا منهم- أنها كيان حضاري واحد؛ إلا أن الواقع أن أمريكا الشمالية كانت تضم تسع مجموعات حضارية متمايزة وقت اتصالها بأوروبا. توضحها الصورة المرفقة:

فحضارة الاسكيمو كانت تعتمد على الصيد، وتستخدم تقنيات حفر الجليد ، والبيوت الثلجية ونحوها، ودياناتهم شامانية تسيطر عليها أرواح الحيوانات كالدب، وتنتشر طقوس السحر ونحوه.
أما الأمريكيون الأصليون "الهنود الحمر"، فهم شعوب الشمال الشرقي، وأشهرهم قبيلة "الايروكو"، وقد عرفوا الزراعة، وسرعان ما هلكوا وأخليت قراهم بسبب الأمراض التي جلبها المستعمرون. وهم الذين علموا المستعمرين الاوربيين كيفية النجاة في القارة الجديدة.
وتلك الصورة التي ألفناها عن السكان الأصليين بقبعات الريش فهي لسكان السهول. وقد أدخل كورتيز الخيول لهم، فشجعتهم الخيول على ترك الزراعة والاتجاه للصيد. وقد اشتهروا بمواجهاتهم العنيفة مع قوافل البيض المستعمرين، وكانوا آخر الهنود الذين تمت هزيمتهم.
أما الأعمدة الطوطمية المهيبة فكانت أهم نتاجات شعوب الشمال الغربي، الذين اشتهروا بدقة صناعتهم وحرفيتهم العالية.
وهكذا فلكل من تلك المناطق خصائصها الحضارية. لكن مع ذلك؛ لم تترك أي منها أثرا ذا بال على المدنية الامريكية الحالية. مع أننا نرى شيئا من آثارهم الثقافية باقية في الثقافة الامريكية، كلعبة البيسبول.

الحضارات المتقدمة في أمريكا الجنوبية
تفوقت حضارات أمريكا الجنوبية على الشمالية حضاريا، والمدنيات المتقدمة في الدنيا الجديدة هي في أمريكا الوسطى والجنوبية. وسبب ذلك هو عدم نشأة المدن في شعوب أمريكا الشمالية، فحتى في مناطق الجنوب الشرقي والجنوب الغربي فيها، والتي هي الأكثر تقدما، كانوا سكان قرى ومزارعين. وقد أتيح للجنوبيين في وقت مبكر من تاريخهم، اكتشاف محصول الذرة، وهو المحصول فائق الأهمية في تغذية عدد كبير من السكان، وساعد بالتالي على الاستقرار ونشأة المدن.
وأهم مدنيات أمريكا الوسطى والجنوبية هي حضارات المايا والآزتك والإنكا.
فأما حضارة المايا العظيمة فقد نشأت في المكسيك، وخلفت آثارا تخلب الألباب، وقد وصلوا لمستوى متقدم في العلوم والحساب، وطوروا نظاما للكتابة. ولما جاء الإسبان كانت المايا في حالة تدهور، وكانت حضارتها العظيمة قد مضت منذ قرون، فما كان من الاسبان إلا أن قتلوا جماعة المتعلمين الذي كانوا ينشرون الكتابة.
أما حضارة الازتك فكانت قائمة على الغزو والنهب، تشبه في ذلك الحضارة الاشورية. واشتهروا باحتفالاتهم الطقسية المرعبة، التي يضحى بها بأشخاص لإرضاء الآلهة وزيادة قوتها، وكانت هذه هي الذريعة التي تسلح بها الجيش الإسباني العامر قلبه بالإيمان لاحتلالها. وترجع أسباب انهيار هذه الحضارة العظيمة على يد الاسبان إلى تفوقهم العسكري بالدرجة الأولى، فلم يجارهم الازتك بافتقارهم للتكتيك الحربي وطقوسهم، ولانتشار الأمراض التي جلبها البيض، وسبب آخر هو الصدفة التاريخية في تشابه اسمه كورتيز مع أسطورة محلية، يصور فيها على أنه إله عائد واعد بعصر ذهبي، فرافق وصول الاسبان حالة شديدة من الارتباك.
وفي أمريكا الجنوبية ظهرت حضارة الإنكا العظيمة أشد العظمة، التي نشأت في بيئة جبلية وعلى مرتفات تبلغ مئات الأمتار فوق مستوى سطح البحر. وبنوا مدنا متقنة التخطيط، تقسمها شوارع لنقل البريد والبشر. وكانت امبراطوريتهم استبدادية، ولعلها أنجح الحكومات الاستبدادية في التاريخ؛ فقد تمكنوا من حل الأزمات كالمجاعة، من خلال احتكار الدولة لرؤوس الأموال، وإعادة توزيعها بما يضمن استقرار الامبراطورية.
ومن سوء حظ التاريخ أن الاسبان وصلوا إلى الانديز في وقت كان اضطرابات سياسية تحدث في امبراطورية الانكا، فاستغلها الاسبان ببشاعة، كما في القصة المعروفة بين بيزارو واتاهولبا. وأثبت الاسبان مرة أخرى قصر نظرهم؛ ففشلوا في المحافظة على القنوات ومجاري المياه اللازمة للري، وكان كل همهم الذهب.
Displaying 1 - 1 of 1 review