كتاب من تأليف شيخ الإسلام مصطفى صبري الذي كان على مذهب الماتريدية في مسألة أفعال المكلفين فتركه إلى رأي الإمام اﻷشعري - وهذا الكتاب فيه تأييد مذهب الإمام اﻷشعري وبيان أن غموض وخفاء معنى الكسب فيه لا يعد عيبا عليه - وانتقاد أقوال الذين خالفوه من المعتزلة والماتريدية والقاضي أبي بكر وإمام الحرمين والصاحب بن عباد وابن حزم والخطيب البغدادي وصدر الشريعة والمفسر أبي السعود والكلنبوي وابن القيم والشيخ محمد عبده والشيخ محمد بخيت والشيخ محي الدين بن عربي والمفسر اﻵلوسي الذي تابعه في رأيه - وانتقاد آراء فلاسفة الغرب في الجبر والاختيار والرد على من يرى في عقيدة القضاء والقدر سر تأخر المسلمين وانقطاعهم عن السعي والعمل - وتحقيق ماهية الإرادة الجزئية ومعنى الجبر المتوسط وبيان افتراقه عن الإكراه مع كونه أقوى منه وعن الجبر المحض مع مساواته له في القوة - ومسألة تأليف هذا الجبر مع مسئولية الإنسان عن أفعاله - ومسألة الترجيح بلا مرجح - والشكوى من داء تقليد الغرب واستفحال أمره إلى أن يعترف بسلطانه بدلا من سلطان القدر وإلى أن العلماء المجاهدين ضده يشوب جهادهم التهيب والتقهقر وإلى أن نظرية دارون ما شاعت في أي قطر شيوعها بمصر في العصر الحديث
ولد الشيخ مصطفى صبري آخر شيوخ الإسلام في الخلافة العثمانية في "توقاد" سنة 1286هـ/1869م، وتعلَّم في قيصرية على الشيخ خوجة أمين أفندي، ثم انتقل إلى استانبول لاستكمال تحصيله العلمي. وفي استانبول شدَّ الشيخ مصطفى صبري انتباه مشايخه بحدة ذكائه، وقوة حافظته، وعمق تحصيله، وعيَّن مدرسًا في جامع السلطان محمد الفاتح - أكبر جامعة إسلامية في استانبول آنذاك - وهو في الثانية والعشرين من عمره، وهو منصب مرموق يحتاج إلى جدّ واجتهاد وتحصيل، ثم أصبح أمينًا لمكتبة السلطان عبد الحميد الثاني، وقد لفت انتباه السلطان عبد الحميد إليه بسعة اطلاعه وبتميزه وهو في سن الشباب بين رجال العلم الدينيين في استانبول عاصمة الخلافة. وقد بدأ مصطفى صبري نشاطه السياسي بعد إعلان الدستور الثاني سنة 1908م، إذ انتخب وقتذاك نائبًا عن بلدته "توقاد" في مجلس المبعوثان العثماني، وكان في هذه الفترة رئيسًا لتحرير مجلة "بيان الحق"، وهي مجلة إسلامية كانت تُصدرها الجمعية العلمية، كما عُين عضوًا في دار الحكمة الإسلامية، وبرز اسم مصطفى صبري آنئذ لمقدرته الخطابية، ودفاعه المجيد عن الإسلام، ولم يلبث أن تبين له سوء نية الاتحاديين، فانضم إلى حزب الائتلاف الذي تألف من الترك والعرب والأروام الذين يعارضون النزعة الطورانية التي اتسم بها الاتحاديون، وكان نائبًا لرئيس هذا الحزب المعارض.
ولما استفحل أمر الاتحاديين، وقوي نفوذهم، فرَّ من اضطهادهم سنة 1913م إلى مصر، حيث أقام مدة، ثم انتقل إلى بلاد أوروبة فأقام ببوخارست في رومانية إلى أن ألقت القبض عليه الجيوش التركية عندما دخلت بوخارست أثناء الحرب العالمية الأولى، وظل معتقلاً إلى أن انتهت الحرب بهزيمة تركية، وفرار زعماء الاتحاديين، فعاد الشيخ إلى نشاطه السياسي في استانبول، وعيِّن شيخًا للإسلام، وعضوًا في مجلس الشيوخ العثماني، وناب عن الصدر الأعظم الداماد فريد باشا أثناء غيابه في أوروبة للمفاوضة، وظلَّ في منصبه إلى سنة1920م فتركه عندما اختلف مع بعض الوزراء ذوي الميول الغربية.
وعندما استولى الكماليون على العاصمة فرَّ إلى مصر سنة 1923م، ثم انتقل إلى ضيافة الملك حسين في الحجاز، ثم عاد إلى مصر حيث احتدم النقاش بينه وبين المتعصبين لمصطفى كمال، فسافر إلى لبنان، وطبع هناك كتابه "النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة".
ثم سافر إلى رومانية، ثم إلى اليونان؛ حيث أصدر مع ولده إبراهيم جريدة "يارين" - أي الغد - وظل يصدرها نحو خمس سنوات، حتى أخرجته الحكومة اليونانية بناء على طلب الكماليين، فعاد إلى مصر حيث اتخذها وطنًا ثانيًا.
وفي مصر عاش منافحًا عن الإسلام لا يخاف في الله لومة لائم، على الرغم من كبر سنه وفقره المدقع، مع التجمل في الظاهر والتجلد للشدائد. وللشيخ مصطفى صبري رحمه الله تعالى مئات المقالات بالتركية والعربية نشرها على صفحات الجرائد ولم تجمع بعد.
تريد أن ترضي غرورك في مسألة القدر وتوهم نفسك بأنك فهمتها؟! أم تريد أن تبحث فيها بإنصاف وتجرُّد ؟! إن كنت تريد الأول فابتعد عن هذا الكتاب، أما إن أردت الثاني فهذا الكتاب سبيلك.. لا يبالي الشيخ مصطفى صبري -كما هي عادته- في بحث المسائل العقدية خائضاً غمار مناقشة الأكابر من العلماء والأصاغر منهم، فهو ليس مقلداً مذعناً لما قرأ وسمع، ولكنه يزنه بميزان النظر العقلي الشرعي الصحيح فيميز الزائف من الحقيقي، وينافح عما يعتقده حقاً... وهكذا فعل في كتابه هذا... يخلص إلى أن مسألة القدر لا يمكن أن تكون مسألة بسيطة سهلة تُحل ببضع تأويلات ربما ترضي الجاهل ولكنها حتماً لن ترضي العالم، فتبسيط مسألة القدر خطيئة يتحمل وزرها من حاولها فشوَّش على المسلمين عقيدتهم، هما أمران في هذه المسألة: الإنسان مختار في أفعاله مضطر في اختياره فهو مجبور في صورة مختار، وهو كذلك مسؤول ع أفعاله لأنه مختار لها، واختياره تابع لمشيئة الله، كما نص على ذلك الله سبحانه في قوله: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون" كما يناقش الشيخ رحمه الله آراء العلماء في هذه المسألة مورداً أقوالهم مواطن الخلل فيها، فناقش الجويني وابن عربي والآلوسي والمعتزلة والفلاسفة الغربيين وابن القيم ومحمد عبده... كتاب يتطلب إعمال الملكات العقلية والتركيز الكبير لمجاراة شيخ الإسلام -وحُق له اللقب- في فكره الرصين وعقله المتزن ونقاشه الهادئ وعبارته الرائقة... تم في 5/4/2020م
قصتي مع مسألة القدر قديمة، وقد بحثت فيها في ما وقع تحت يدي من المصادر والكتب والمقالات.. كنت في كل مرة أطالع فيها رأياً جديداً او مذهبا قديماً يحاول تفكيك المعضلة وتبسيطها أجد فيه من التناقض في المعاني والتحايل بالألفاظ والهروب من المعضلات الحقيقية إلى سواها ما يرجعني إلى بداية الطريق! لا أبالغ إن قلت أن أحداً لم يكتب في مسألة القدر كشيخ الإسلام مصطفى صبري، بل لا أبالغ حتى إذا قلت أن أحداً لم يكتب في هذه المعضلة سواه (فيها وليس عنها)
لقد هدم الشيخ في كتابه هذا كل الأقوال الساذجة عن القدر وأعاد للمسألة غموضها وتعقيدها..
كتاب صعب لمن لم يعتد قراءة كتب الكلام. يبين فيه الكاتب تناقضات مفكري عصره في مسألة القضاء والقدر أو ما يُعرف ب"أفعال العباد" عند المتكلمين. والكتاب يشرح ويُفصّل موقف المعتزلة والماتردية والأشاعرة في المسألة. وإن كان صاحب الكتاب قد تبنى موقف الماتردية في زمن ماض، فذلك لم يُثنه عن الرجوع عن موقفه والميول لمذهب الأشعري،فيما عدا تفاصيل طفيفة. والحاصل أن مسألة القدر استعصت على كل متأمل لأن العقل لا يستطيع نفي أمرين: - أن الإنسان يدرك بالبداهة حرية اختياره - أن تحليل أفعال العباد يُظهر أن كُلّ إختيار مبني على مُرجِّحات تجعل اختياره حتميا مثل أي حدث طبيعي. وهذا ربما ما يُعبَّر عنه ب: الإنسان مختار في أفعاله مضطر في اختياره. وهي نفس الحقائق المثبتة في التنزيل. فالإنسان يختار الهداية أو الضلال، لكنه لا يشاء إلا أن يشاء الله. أما قول البعض بأن نبوع مشيئة الإنسان من مشيئة الله يكون عبر عيون التوفيق والتسديد والتحبيب لا يختلف عن قول المعتزلة مبدأً وإن أنكروا القَدَرِية تصريحا، ومثله موقف إبن القيم رحمه الله. يُختتم الكتاب بالرد على وذكر مواقف فلاسفة الغرب في الأمر. وإن أنكر بعضهم وجود الإرادة الحرة صراحة أو أخطؤا في تحديد المفهوم بدقة، فمنهم من لا ينكر أن الأمرين المذكورين آنفا بينهما حلقة مفقودة لم يستطع عقل الإنسان حتى الآن الكشف عنها، وهو نقد للمقلدين من المسلمين الذين يدافعون عن مواقف غربية لم يُسلِّم حتى فلاسفة الغرب بها واتهامهم المسلمين في عقيدة القدر وأنها منبع تخلفهم. والله أعلم
كتاب صعب جدا , من حيث انه يحتاج علي الاقل حد متوسط في علم الكلام و من حيث عمق النقاشات العقلية التي احتواها و ان كان اغلبها في نظري خلافات اصطلاحية , نصر فيه المصنف مذهبه و هو بين الجبر و الكسب , لا ادري حقيقة . عامة الكتاب لن يكون مفيدا الا لمن كان متقدما في علم الكلام فقط . المميز فيه هو تعلم صنعة الجدل و فن المناظرة و ان كان في امور لا يسلم بها للمصنف بس المصنف مجادل بارع . و اظن انه ادي ما عليه في نصرة مذهبه
كتاب في إثبات الجبر! بإرادة أو بلا إرادة، بوسائط أو بلا وسائط، سواء طالت السلسلة أم قصرت، فالمآل إلى الجبر المحض مهما اختلفت مسمياته (جبر متوسط، جبر معنوي، جبر خفي، شبه جبر، اختيار باضطرار...)