مثل لوحة الكولاج الملونة، يقدم عمرو عافية مغامرة سردية مدهشة، تعيد قراءة التاريخ البعيد والقريب، وتختبر فكرة الثورة، وتمزج بين العام والخاص، والواقع والخيال، تتأمل الأحداث الكبرى، وتحكي عن التفاصيل الصغيرة، في بناء متداخل، وعبر ألعاب ظاهرها الخفة، وجوهرها مواجهة الذات والعائلة والوطن.
فترتان مفصليتان: الثورة المصرية في يناير وفبراير 2011، وانتشار وباء كورونا في مارس 2020، وبين راو عليم ثرثار، وشخصيات تبوح عبر الحكايات، تتشكل ملامح عائلة مركزها الأب، من الوحدة المصرية في الخمسينيات من القرن العشرين، الى بداية العقد الثاني من ألفية جديدة من عمر الإنسان، تتقاطع ثورة الذات، مع ثورة الشعب، ويتداخل واقع الشخصيات، مع محاولة الكتابة عنهم.
نجد أنفسنا في رواية داخل رواية داخل رواية، فيبدو النص كتحية لفن السرد، بقدر ما هو تحية لأفكار مثل المراجعة والمواجهة والثورة، دون إغفال المعنى الأعمق، بتكرار واستنساخ صورة الآباء، وتكرار حلم التمرد عليهم دون كلل أو هوادة.
وراء الوحدة المصرية السورية يظل د جمال عالقا، يتأمل تاريخه الشخصي، والتاريخ القومي، فكأنهما وجهان للأزمة نفسها، وكأنه لا خلاص إلا بالسرد، ولا حياة ولابقاء إلا بالورق.
وكأن الكتابة تعيد اختراع تاريخ بديل، مثلما تحرّر الرواة من آلام التجارب، ومخاض الميلاد الجديد. ليس مثل فن الرواية في القدرة على أن يختزل التاريخ في حكاية.
عمرو عافية روائي مصري يعمل طبيبا بشريا ويعيش بالاسكندرية.
من أعماله الروائية والقصصية المنشورة: الماء الحرام : مجموعة قصصية . دار ألف للنشر القاهرة 1991- حد الغواية : رواية . دار ميريت للنشر. القاهرة 2004- قصة حب أكتوبرية:رواية . دار ميريت للنشر . القاهرة 2006- رقصات الرؤى المشوشة. رواية . دار شرقيات للنشر القاهرة 2007- عربيد عشق آباد . رواية . دار شرقيات للنشر القاهرة 2009-حرية سليمان . رواية . دار شرقيات للنشر القاهرة 2014.
أيام دكتور جمال السبعة في البحث عن نادية لطفي ل عمرو عافية
غلاف بألوان متدرجة من البيج إلى البني، ويظهر فيه رأس امرأة وجزء من كتفيها، وهي تعطينا ظهرها وكأنها تتخفى عنا لنبحث عنها مع دكتور جمال، جاء شعر هذه المرأة معقودًا بشريطة ولكنه شعر ثائر فوضوي، وجاء نصف الرأس الأيسر كما لو كان معتمًا أو ممسوحًا، وكأن الذاكرة تتخفى كي نبحث عنها هي الأخرى معه..
يقول عن الرواية الناقد الأدبي محمود عبد الشكور أنها رواية مثل لوحة الكولاج الملونة، أعجبني للغاية الوصف ولكن لي رأي آخر في مسمى روايات عمرو عافية، إذ يعجبني كثيرًا لفظ رواية المتاهات، وهنا سيكون أمامنا سبع من المتاهات مع دكتور جمال، وبعد قراءة مفصلة للمرة الثانية للرواية قررت تعريفها بالرواية الماتريوشكا فأمامنا دمية واحدة ولكنها تحمل بداخلها عدة دمى ولكل منهن حكاية رغم أن الأصل واحد..
حينما نطالع الاسم على الغلاف سنعتقد جميعًا أنه يبحث عن سيرة ذاتية للممثلة نادية لطفي، ولكن الأمر أبعد من هذا كثيرًا.. فالدكتور جمال والدته تدعى نادية لطفي صدفة وهو يبحث عن شبيهة لها وجدها في التلفزيون لثائرة من ثوار يناير ٢٠١١..
تظهر خفة دم الكاتب مع راو عليم يعترف أنه مزعج دومًا إلا أنه كان يرسم البسمة على وجوه القراء بعد جرعات من الأسى على عدة شخصيات وأحداث في الرواية.. فنجده مثلًا يتدخل عند الحديث عن نادية لطفي نافيًا أن تكون الممثلة وطالبًا من القارئ الصبر فهو: لا يستطيع أن يطرح أمامه كل شيء، فيفقد الاهتمام وربما يغلق الرواية كما يقول الكاتب على لسان هذا الراوي المشاغب، أو يقول: "ستقول لي كيف عرفت ما سبحدث قبل حدوثه، سأقول لك.. أه يا لسذاجة القراء! نحن في عصر ما بعد بعد الحداثة".. روا عليم ناقد للعمل بنفسه داخل العمل..
يدخلنا الراوي العليم أو الكاتب في حكايات نتوه معه فيها، فها هو مثلًا يحدثنا عن تفجير الهند للقنبلة الذرية حيث لطم الأمريكان ومعهم دلاديلهم من الغرب النووي ويحذرنا من أن الكاتب يلهينا بكثرة التفاصيل عما يخبئه لنا كما يقول..
دكتور جمال طبيب نفسي يقرر كتابة رواية، اسمه جمال غسان المصري وبالبحث عن تاريخ غسان المصري نكتشف حياة أخرى، فيبحث عن تاريخه منذ الوحدة بين سوريا ومصر متمثلًا في زواج والديه، يبحث عن أبناء لم يهتم بتربيتهم ولكنه عاد باحثًا عنهم، يبحث عن الشاب المصري الذي عاش الثورة بإيمان وحلم نافضًا عن روحه يأس سنوات حكم الرئيس المخلوع.. يعيش جمال في الميدان ملازمًا لابن أخيه أدهم وأصدقاءه وحينما يعرفونه على شبيهة نادية تقول له: "نادني بنادية"..
يدخل بنا دكتور جمال إلى أماكن وتواريخ بعضها غارق في القدم وبعضها حديث للغاية وعلى القارئ أن يكون على أهبة الاستعداد لهذا التنقل الذي يأتي مفاجئ ومع ذلك هو لا يصيبك بالتشتت..
أحداث كثير، الثورة بكل تفاصيلها مكتوبة بأسلوب شيق لا يمل منه القارئ، توأم ل د جمال ماذا حدث له؟ نادية لطفي ربيع ٢٠١١ هل تتقابل مع خريف العمر متمثلًا في د. جمال؟
يبدأ الكاتب أيامه باقتباسات مدروسة وموضوعة في مكانها الصحيح فها هو في اليوم الرابع ينقل عن رفعت سلام: "لي أن أخترع التاريخ وله أن يذعن لي" وفي اليوم الرابع كانت موقعة الجمل.. وتمر الأحداث فيه فنجد نادية أخرى تظهر لنا لنعرف أنها ابنة الدكتور جمال والتي ستفاجئنا من كندا في نهاية العمل..
علاقة الشباب بنادية محيرة، فالجميع على ما يبدو يحبونها وها هو أدهم يكتب لها قصيدة رائعة اسمها اختيار ويأتي كل شطر عن لو كان كاتب القصيدة كان أيام نوح..
يضع لنا الكاتب معلومات كثيرة عن الأفلام والروايات فمثلًا يذكرنا ب "دعاء الكروان" رائعة طه حسين ونهايتيه ويكتب في نهاية الفقرة: "وبالفعل أشكوه لك لك لك".
وفي النهاية تأتي كلمات ثمينة إذ يقول الكاتب على لسان أحدهم: "في الغابات والجبال، وربما كان الحال في المدن المجنونة أيضًا؟ تكون الأصوات خادعة فمن تظنه سيهجم عليك من الجوانب يكون ببساطة وراءك.. فلا تنخدع أبدًا".
شكرًا عمرو عافية لرواية رائعة شدتني إلى أحداثها وخاصة أحداث الميدان وكنت معهم لحظة بلحظة كما لو كان التاريخ يعود لي ومعي..