وهذا الجزء الأول الذي يحكي الأحداث منذ عام 1927 إلى 1940، وبدأت قراءته بعد أن أنهيت قراءة الجزء الثاني من قبل، وكأنّي كنت أسير القهقرى وأنا أرى كيف لحوادث الجزء الثاني تصغر وتصغر إلى أن تعود إلى أسبابها الأولى، وأن أرى كذلك النار تحت الرماد، وأرى أن لكل حادثة جديدة سببًا قديمًا
أذكر إنني كتبت في مراجعة الجزء الثاني أنه كان يعارض أشد المعارضة إنشاء وزارة مؤتلفة، ويريد فقط أن تكون وزارته وفديّة 100%، وفي الجزء الأول عرفت السبب!، فقد تعرّض لتجربة صعبة بسبب قبوله وزارة مؤلّفه من الأحزاب، فحين أُريد أن تُحرج وتستقيل الوزارة، أُوعِز إلى بعض الوزاراء الحزبيين من غير الوفديين ألا يباشروا أعمال وزارتهم ويمكثوا في بيوتهم، فاضطرّ وهو رئيس الوزراء أن يقدم خطاب استقالة وزارته لأن الأعمال توقفت في تلك الوزارات، وكان مصطفى النحاس دائمًا خلال هذا الجزء يعيد ذكر هذه الحادثة لكل شخص وعند أي حديث في الأفق يدور حول رغبة تأسيس وزارة مؤتلفة تضم جميع الأحزاب
والمذكرات لا تبتدأ من أحداث نشأته وصباه ودراسته وإنخراطه في السياسة والحزب الوطني ثم حزب الوفد، ولكنه صراحة بدأ المذكرات بداية آسرة، منذ اللحظة التي مات فيها سعد زغلول، ثم خلافته له على رئاسة الوفد، والسنوات الأخيرة من حكم الملك فؤاد وفترة مرضه والحديث الطويل الذي جرى عن تشكيل مجلس الوصاية، ثم السنوات الأولى لحكم ابنه الملك فاروق، وفترة الحرب العالمية الثانية ومقدّماتها في مصر وتصرّفات السفارة البريطانية في مصر في تلك الآونة الحرجة وتدخّلها من أجل تحديد وضع مصر في هذه الحرب من إعلان حيادها أو دخولها الحرب بجانب الحلفاء، وهذا وحده حديث شيّق للغاية
ومن نافلة القول أن الملكين لديه طاغيان، وأبدع كعادته في رسم صورة قاتمة السواد لشخصية الملكين، وكيف تفائل بالملك فاروق عند بدء توليّه للعرش، ثم اتضح له أنه كأبيه إن لم يكن أسوأ!، وعلى كل حال كان هو هو في كل أحاديثه مصطفى النحاس كما عرفناه، بثورته وثباته على رأيه الذي يقتنع به مهما كانت المغريات من حوله، ولا أجد هنا المزيد لأقوله، فالجزءان يكمل بعضهما بعضًا، وما زلت أكرر الدعوة أن يُعاد طبعهما في جزء واحد بعد حذف الدراسة الطويلة التي تناثرت بين فصول المذكرات
وظننت أنني بقراءة مقدمة الجزء الأول سأفهم سبب إطالة هذه الدراسة، وقد كان، فأما سبب كتابة الدراسة المطولة التي تماثل حجم المذكرات نفسه، فقد ذكرت المقدمة السبب، والذي هو: لقد عمدتُ إلى التوقف الطويل أمام ما يمكن أن يُطلق عليه "المسكوت عنه" في المذكرات، والمقصود به جلّ الوقائع التاريخية سياسيًا واجتماعيًا وفكريًا، المتزامنة مع أحداث المذكرات والتي أوصدت الباب دونها ولم نسمح لها بالدخول، وهو منهج لا أدّعي نسبه، فقد بات شائع الاستخدام في بعض مدارس علم الاجتماع الغربية، ولكنني أدّعي أنه كان الأقدر على إضاءة أفق أكمل في تلك المرحلة الطويلة، لدمج الصور والمشاهد في نسيجها الحيّ، إنسانيًا وثقافيًا واجتماعيًا وتاريخيًا
وطيّب، أتذكّر كذلك إنني قلت في مراجعة الجزء الثاني أنه كان يسير بالتوازي معه، ولكن في عالم مواز مختلف، فهو من أجل تبيين ذلك "المسكوت عنه" كان يسرد الأحداث من وجهات نظر أخرى، ومن أهمها وجهة نظر السفير البريطاني في مذكراته المنشورة، وبالتأكيد لديه ولأنه في ذلك العالم الآخر الموازي فأن ما يرويه السفير في مذكراته هو الحق والنحاس كان الكاذب في هذه روايته - مثلاً، وهذه الطريقة وحدها تكفر بالمنهج العلمي كله لأنها معارضة وجهات نظر بوجهات نظر أخرى من خلال مذكرات الآخرين، ومهما يكن فهو لديه الحق، كل الحق، ولا شيء غير الحق، في قوله أن هذا منهج قيّم وشائع الاستخدام في الدراسات، ولكن نعم!، .. في الدراسات!، فلم يسبق لي أن قرأت هذه الإطالة في متن المذكرات نفسه، ولا يجوز في رأيي على الأقل أن تقتحم الدراسات عرين المذكرات نفسها بكل أرائها المعارضة والمناقضة، ثم يُنشران معًا في كتاب واحد!، ماذا كان سيحدث لو أصدر دراسته منفصلة؟!، على الأقل كنت سأقرأ المذكرات وحدها في حجم مقبول كثيرًا بين دفّتي كتاب واحد، ومن الصفحة الأولى إلى الأخيرة هذه المرة في تسلسل طبيعي، دون تجزأة، ودون أن أجد مثلاً الجزء الثاني دون الأول، أو الأول دون الثاني!
وكذلك لم أفهم كيف وصلت هذه المذكرات، بلى، فهناك مقدمة ثانية في الكتاب كتبها كامل البنا، سكرتير مصطفى النحاس، ولا أدري لماذا لم يقم بإخراج المذكرات وحده، ولكن مقدمته على قصرها وإيجازها تثير الشك والريبة في المذكرات نفسها، فهو يقول فيها إنه أعاد ترتيبها على حسب السنوات، وظل يجمّع الأحداث المترابطة ببعض على مدى سنوات من العمل حتى أستطاع أن يخلق من هذه الفقرات المملية عليه والتي كان يكتبها في هوامش الكتب الدينية (خوفًا من المصادرة!) هذه المذكرات ويقسّمها كذلك حسب السنوات على صورتها المنشورة الحالية!، ثم أخذ يسافر إلى ربوع العالم للتأكد من صحّة المعلومات الواردة في المذكرات، قرأ حادثة ذكرها النحاس عن اعتقال رئيس جمهورية لبنان بشارة الخوري، فسافر رأسًا إلى لبنان للتأكد من صدق ما رواه النحاس في مذكراته، وكذلك عندما قرأ نبذة ذكرها النحاس في المذكرات عن تأسيس دولة باكستان وإعلان استقلالها عن الهند، قال: ولم أكد أقرأ هذه النبذة حتى سافرت إلى باكستان وقابلت أحفاد "محمد علي جناح" فأخبروني بما طابق ما تحت يدي من المذكرات
أو بالجملة كما قال: وبدأت هذا العمل في عام 1972 فجمعت ما لديّ وفرّغته في كراسات ثم أخذت أراجع ما جاء فيها، وكنت كلما رأيت حادثة وقعت في بلد من البلاد أو مع شخص أو أشخاص، بادرت بالسفر إلى تلك البلد ومقابلة ذلك الشخص إن كان حيًا أو أحد من أقربائه وأهله إن كان قد انتقل إلى رحمة الله، واستغرق هذا العمل مني أحد عشر عامًا كاملة
وهذه ظلال كثيفة من الشك في مدى هذا التدخّل الذي لا يوجد على الإطلاق في الهوامش ولا الدراسات المطوّلة توضيحًا لمداه، إلا عند حادثة واحدة، أخطأ النحاس في تحديد سنة وقوعها وذكر في مذكراته السنة الخاطئة، رغم أنها حدثت بعد ذلك بسنوات، فقال الباحث أنه تركها في موضعها الخطأ كما هي، وغير ذلك فلم أستطع استيعاب أن يسافر سكرتير النحاس إلى كل هذه البلدان ومقابلته لكل أولئك الأشخاص من أجل التثبّت من صحة المذكرات!، أقصد طيّب، وماذا بعد؟!، وماذا إذا لم تُثبت صحة ما رواه النحاس في مذكراته!، أكان سيحذفها؟!، أكان سيشكّ إنها ليست من إملاء النحاس؟!، فالباحث الثاني الذي تولّى إخراج الدراسات عن "المسكوت عنه" في هذه المذكرات كان يعتمد على مصادر مطبوعة كثيرة، كمذكرات وكتب تاريخية، وكان نادرًا ما يقول أنه تثبّت من صحة هذه الواقعة أو تلك من سكرتير النحاس!!، لذا لم أفهم ما الذي كان يمنع أن ينشر المذكرات كما هي، دون التأكد من صحتها!، فالمسؤولية الكاملة في نهاية المطاف هي من نصيب صاحب المذكرات لا غيره، أخطأ أو أصاب، وهو في النهاية بشر، يخطأ ويصيب، وجميع المذكرات في العالم في النهاية يدرك قارئها إنها تمثّل وجهة نظر واحدة، ولا غرابة على الإطلاق، على الإطلاق، على الإطلاق، أن تختلف الروايات عند التعرّض لحادثة واحدة!، هذه قمة الطبيعة البشرية!، ففيم إذن كانت بالتحديد هذه الأحد عشر عامًا وما أثارها في تدوين المذكرات كما أملاها النحاس بالضبط؟، لا أدري!!
وعند انتهاء الجزء الأول، حاول أن أتذكر بعض ما قرأته في الجزء الثاني، ثم سألت نفسي، لماذا لم أحب النحاس يومًا؟!، وكان السبب جليًا، فقد كنت واقعًا مبكرًا – وما زلت – تحت تأثير كتابات العقّاد السياسية، والعقّاد كان وفديًا (أي كان على مبادئ حزب الوفد، وليس وفديًا بمعنى حصوله على العضوية) وظل كذلك شديد الوفاء لسعد زغلول، ثم خرج عن الوفد بعد أن رأى ما رآه من سياسه خلفه، وكنت لا أزال أذكر كلمة قالها العقاد يصف بها مصطفى النحاس وهي أن "النحاس بغير سمعة سعد زغلول لا شيء"، وما زلت إلى الآن أرى صدق هذه الكلمة، وكأنّ مقالات العقاد السياسية ، خلال حكم مصطفى النحاس، كانت أصدق رائحة وأنفذ أثرًا فيَّ من تأثير قراءة هذه المذكرات، أو ربما لأن الحب للحبيب الأوّل؟!، لا أدري كذلك!
سعيدٌ وحسب بإنهائي لهذه المذكرات أخيرًا منذ أن بدأت فيها لأوّل مرة منذ أربعة أعوام!
مذكرات النحاس بداية من وفاة سعد باشا عام 1927 ومنذ تولي النحاس رئاسة الوفد وهي مذكرات يومية أشبه بمذكرات سعد زغلول وفيها الكثير من الأحداث والتعليق عليها من وجهة نظر النحاس باشا