فانتازيا عجائبية وعالم مُهندس، يعجز المُتلقي عن توجيه المدح للقصص أم لخالق القصص، رب "الفتاة التي طارت عصافيرها"، "فيزولوجيا الطفابيع" و"الغازات" أو "أزرق اليمامة"... الحالة الفريدة، التحفجي، الإيهامي، اللذيذ، الكوميدي اللعين. وآسف أني لا أستطيع أن أدرج فنه تحت باب الكوميديا السوداء وإنما المأساة الكوميدية. الضحك الذي يشرط في اختياره للاسم في "عين من السماء". الآلم الذي يُحدّق في "البروة".. "كان عبد الباري الذي نقص وزنه كثيراً وقلَّ اكتراثه بمن حوله وبمتع الدنيا قد عاد ذات ليلة إلى بيته إلى (الحوش) في طرابلس كانت عيناه تبحلقان، كأنما تصطادان هدفاً عصياً، وقد استبد به الهم. وبعد أن تناول كوباً من الماء أحس برغبة جارفة في دخول الحمام وهناك ظل عبد الباري يتبول ويتبول وهو في حالة سهو تام. بعد ساعتين من التبول الدفاق أصبح عبد الباري مثل بروة. وقادته الحالة الملحة لأن يستمر في التبول إلى أن أصبح مثل قطعة صغيرة زرقاء اللون وقعت في طرف المقعد. ومن عجب أن صوته كان داوياً يتردد صداه بين جدران الحمام النظيفة اللامعة الضيقة كان عبدالباري يرثي نفسه مثل مالك بن الريب ويقول: - (يا خالق الوجود أنا قلبي كاتم سرّو... ما لقيت اليدرك المعنى بيهو أبرّو) وما لبس أن استكمل باري حالة التلاشي فمن بروة إلى سحابة زرقاء غائمة ثم بقعة صغيرة زرقاء ثم إلى نقطة ندى ثم إلى لاشيء. هكذا سجل عبدالباري انتحاره بطريقته. وحين تدخل طرابلس في حرب الشوارع سيجيء حين من الدهر يحتسبه أهله من بين قتلى الحرب، ساعة يطول الأمد ولا يرسل شيئاً"... القصة.
وهنا أيضاً الضحك الذي يشرط بالمعنى الحرفي للكلمة:
حاويات صغيرة
كانت هناك قريتان بينهما عداوة. القرية الأولى كانت تزرع الذرة أما الثانية فتراقب الزرع. وتتأمل وتجار بالشكوى من قريتها الجارة الظالمة التي لا يعلم بحيثيات ظلمها أحد في النواحي المجاورة. في كل عام يحط جراد في موسم الحصاد فيحصد الذرة كلها من سنابلها في الحقول نيابة عن أصحابها ورغم أنفهم.هذا ما حدث هذا العام فخلال وقت وجيز حطّ الجراد وشطف المعلوم وترك القرية التي كانت سعيدةبزراعتها غارقة في الأحزان. ويقلع الجراد في أسراب هائلة فيصطاده سكان القرية المتأمّلة عن آخره، ويلتهمونه والذرة لما تزل بكامل هيئتها في الأمعاء فكأنهم بذلك يكون قد التهموا الجراد ومعه المحصول. الجراد غدا حاويات صغيرة ليس إلا، ولا يستطيع قضاء مهما برع أن يرد للقرية الأولى محصولها. -ليس لديكم مخرج – قال شخص سمع بالقصة لأحد أبناء القرية التي كدّت وما وجدت- إلا أن تصبحوا كلكم أكلة لحوم بشر- وأردف مؤكداً بالإنجليزية- كانيبالس وتهجموا على القرية التي أكلت الجراد والمحصول.