يتبعني ظلي كسيرًا، متثاقلاً، وكان قبل سنوات يتبختر من حولي في جذل لا يمكن مواربته. أتخبط في طرقات المدينة القديمة غير عابئ بمفاتنها، كعجوز أدرك متأخراً سخافة كل الأشياء. في عطفة ضيقة تفوح منها رائحة البول، شابتان في سن المراهقة، إحداهن تمتص شفاه الأخرى التي بدت مستسلمة إلى جوار حائط مائل، تعتصر جسدها في تلذذ، بينما يصل إلى أذناي صخب صادر عن حانة بعيدة لم تغلق أبوابها بعد رغم انتصاف الليل. هنا يذهب الناس إلى الحانات من أجل النسيان، وأما أنا فأنشد النسيان على شاطئ البحر.
مصادفة جميلة قادتني لهذه المجموعة البديعة، التي عرّفتني على قلم جديد هو محمد الرزاز وعالمه، كنت أظن أن سأطالع قصة أو اثنتين، ولكني وجدت نفسي مأخوذًا بهذه اللغة وتلك العوالم التي يحكي عنها بانسيابية وجمال. ثمانية عشر نصًا قصصيًا، يتنقل فيها الكاتب بين مشاعر الوحدة والفقد، والرحيل ، والعودة، يبدو جليًا فيها أثر الاغتراب، بغض النظر عن تذييل كل قصة بمكان كتابتها في إسبانيا، ولكن العالم والسفر والترحال، والتعرف على شخصيات وأفكار مغايرة، والعودة إلى الجذور والحديث عن الطفولة بشجن، كل ذلك مكتوب بلغةٍ شاعرية والتقاطاتٍ ذكية، تجعل القارئ يتماهى مع عالم البطل، بل تجعل المجموعة أقرب ماتكون للمتتالية التي تعزف لحنًا واحدًا بتقسيمات متعددة، بدأت قراءة المجموعة مدفوعًا بكلمات الأصدقاء من القراء الذين أشادوا بها، ووجدت في كلماتهم الكثير من التعبير عن قصص المجموعة وحالها بالفعل، بل شعرت أحيانًا أنهم إنما يكتبون متأثرين بلغة الكاتب وتلك الحالة الخاصة التي استطاع أن يسربها إلى القارئ من خلال قصص/حكاياته، بدا لي أيضًا رغبته في الخروج عن التقليدي أو المألوف في قصة أو قصتين، أذكر منهما قصة الجندي الياباني، التي أظن أنه لو لم يذكر تحديد مكانه لظننا أنه ذلك الجندي في أي مكانٍ في العالم المليء بالحروب! أو الأخرى التي يتحدث فيها بلسان الحوت، ويبدو واضحًا قدر التماهي مع ذلك الكائن الأسطوري. . مجموعة جميلة فعلاً، استمتعت كثيرًا قراءتها وبعالمها، والتقطت منها بعض الاقتباسات، التي أحببت: ❞ أفقت من خواطري حين أبصرت شبحين يقتربان على الشاطئ لم أفزع هي دورية الليل المعتادة، شرطي وشرطية يتحدثان بصوت تذهب به الريح اعتدلت جالسا، قد يكون لديهما أسئلة حول وجودي هنا وحيدا في هذه الساعة المتأخرة وهذا الموضع المهجور تأملت راحة يدي وبدأت في مراجعة أجوبتي لأسئلتهما الافتراضية: ماذا تفعل هنا؟ ما الذي أتى بك في مثل هذه الساعة؟ ماذا تحمل في حقيبتك؟ سأجيب بهدوء متشحًا بابتسامة أجيد اصطناعها على وجهي المتعب: مساء الخير، أنا ابن الليل المخلص، نفضت الغبار عن وحدتي في المنزل وجئت أتلمس صحبة موجات البحر ونسمات الريح ونجمات السماء. جئت أتأمل وأستكين، لا أحمل في حقيبتي سوى بطاقة الهوية وبعض حبات الجوز. سأمنحهم جوزتين، وربما أربع جوزات. ❝ . ❞ عشت خمسين عاما في المحيط، هاجرت خلالها عبر عشرات الآلاف من الأميال بحساب بني البشر، فشهدت من معجزات الحياة وغرائبها ما لا يحص نعم، فقد شاهدت حيتان العنبر تنام ورأسها إلى أعلى وذيلها إلى أسفل وكأنها مُعلّقة بخيوط غير مرئية، واستمعت لأهازيج الحيتان الحدباء إذ تتناجى عبر اللجج سبحت في أطلنطس المهيبة، وزرت مقابر السفن حيث كنوز محتجبة لا سبيل لوصفها بلغة البشر شاهدت أرواح البحارة الغرقى تنزع إلى سطح الماء وتصير طيوراً بيضاء بلون ثلوج القطب، ودهشت لمرأى صخور السماء تهوى إلى المحيط فتنكمش وتتحول لنجمات بحر ملونة. ارتحلت كثيرًا وطويلًا وامتلأت جعبتي بذكريات مدهشة. أدركت مع تقدم العمر أن الذكرى ترياق الوحدة، فاستعنت بزاد ما خبرته مع عجائب البحار، وطمئنت نفسي لضرورة الرحيل. ❝ . ❞ أجاهد عبثًا كي أنقل سحرك إلى لوحتي فأعلق بشباك الخيبة يوماً بعد يوم منذ عرفتك، صارت كل ضربة فرشاة بمثابة نبضة صادرة عن الفؤاد، تتسارع الضربات فلا أقوى على المضي قدماً ولا أقدر على التراجع حتماً أهرب من عينيك كي لا أفضح افتتاني بك، بينما أتوسل لوجيب القلب أن يفضحني دونما كلمات أو نظرات آه يا أفروديت ما أصعب محنة الفنان! يا حبة اللؤلؤ بعيد المنال في أعماق اليم وعنفوان التيار، كيف السبيل إلى البوح؟ علّ اللوحة تنقل إليك مايعتمل في الصدر من عواطف" كان موفقًا إلى حد كبير في لقطة الختام: ❞ كان الوجود قد عرف الحركة، فلم يرض عنها بديلًا، وكان كل شيء ممكنًا، إّلا أن نفيرًا هائلًا انطلق ممزقًا أغشية السماوات، معلنًا مشيئة الرب التي لا رادّ لها: لقد كُتبت عليكم الوحدة، كُلٌ في شرنقة وجوده لم أكن هناك كي أستمع، بل لم أكن قد صرت بشرًا بعد، إلا أن كينونتي تتذكر الحُكم وتمتثل له خانعة، كما أن الطيور تبحث لها عن مرقد حين تنصاع لنداء الموت." ................... شكرًا محمد الرزاز
كنت بتمشى في المكتبة وعيني جت على العنوان ده شدّني جدًا ولا كنت أعرف عن الكاتب ولكن فاجئني وكان في الوقت المثالي اللي كنت بدوّر فيه على كتابة فيها شاطئ وبحر لقيتهم في المجموعة دي! مجموعة مختلفة ومقدرتش اسيبها غير وأنا مخلصها، مفردات الكاتب رنّانة وتعبيراته لها وقع جميل رغم إنه حزين. فاجئني محمد الرزاز وبقيت مستني كل جديد منه ومن أجمل اكتشافات العام.
قليلة هي تلك الكتب التي تترك بي هذا الإحساس، هذا الوجد، هذا الشعور بأنك انغمرت في عمق المشاعر الإنسانية ، انك خبرت الحياة كلها في لحظات قليلة هي عمر قراءتي لتلك المجموعة القصصية!
الكتاب هو مجموعة قصصية بالغة القصر، بالغة العذوبة، بالغة التكثيف. ستنتقل مع الكاتب إلى العديد من المدن: برشلونة، مارسيليا ، مراكش ، طنجة، القاهرة … المدن هنا ليست محور هذا العمل، وإنما خلفية لمعظم القصص. ستتخيل البحر هناك ماثلًا أمامك ، ستتجسد الكنائس و مرسم الفنان وبيت الهوى والبيت المغمور بضوء الشمس ومسجد صوفي صغير أمام ناظريك. ستقرأ عن الحب ، عن الوحدة، عن الله، عن نفسك.
ماذا أكتب أيضًا ؟ ربما في حياة أخرى سألتقي الكاتب لأهنئه على هذا العمل الفذ الذي يلمس مشاعرك ولا يتركك كما كنت!
مجموعة قصصية للكاتب "محمد الرزاز" وتجمع القصص تيمة "الوحدة" - وهي تيمة غنية استطاع الكاتب استغلالها ببراعة ليكتب قصصه والتي تميزت ببساطتها وعمق أفكارها وجودة أسلوبها وقوة كلماتها وتعبيراتها!
القصص بصورة عامة قصيرة وفيها لمسة من الحزن والكآبة فهي عن الوحدة بأشكالها المختلفة والتي أجاد الكاتب اظهارها رغم تنوع صورها - ولكنني بالرغم من ذلك السواد تمتعت بهذه المجموعة جداً!
اقتباسات
"بحر الليل لا يشبه بحر النهار في شيء. بحر الليل يلتحم بالسماء فتحلق أسماكه الفضية إلى براح الفضاء، تصير نجوماً تتألق في قبة سوداء لم تزحف عليها بعد طلائع النهار"
"يدهشني البشر بقدرتهم على اختلاق التفسيرات ورضاهم عنها"
"ارتحلت كثيرًا وطويلًا وامتلأت جعبتي بذكريات مدهشة. أدركت مع تقدم العمر أن الذكرى ترياق الوحدة، فاستعنت بزاد ما خبرته مع عجائب البحار، وطمئنت نفسي لضرورة الرحيل"
"تشتد قبضة المرض وتعبث بي سكرات الموت، ورغم افتقادي لك، إلا أنني مرتاح لعدم وجودك هنا كي لا تراني أتساقط عضواً بعد عضو وأقضي نحبي زفيرا بعد شهيق."
"أيقنت أن العزلة هي مصيرنا جميعاً، تجمعنا دون أن ندري وإن كنا بصحبة من نحب، أو من نخال أننا نحب."
"في حقيقة الأمر، لا يفهم الكثيرون دوافعهم الشخصية، بل يمضون في نهر الحياة كقطع خشبية تطفو دون حول منها ولا قوة، وتتحرك دونما إرادة أو وجهة محددة."