كتاب آخر لشيخنا الطنطاوي ضممته لرفوف مكتبتي...وما زادتني قراءته إلا متعة وعلما وثقافة وعشقا للقراءة والأدب...أقلب صفحاته متمنية ان لا تنتهي...
والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات متنوعة اختلفت في زمان كتابتها...وما ميزه عن غيره وراق لي فيه حديثه عن الأدب والأدباء...
تحدث في المقالات الأولى عن بعض حوادث التاريخ بما حوته من طرائف وعبر مثل مقالاته(ريع اللصوص، لعبة شطرنج، أخبار من التاريخ، طرائف من التاريخ، طاقة أخبار، حادثة من التاريخ...وغيرها) موضحا مواقف المجد والعظمة في تاريخنا الإسلامي وسير عباقرة الإسلام...ولا ينسى ان يلتفت بعينه للحاضر وهو يقتبس من الماضي العريق...
ومن ثم تحدث عن الأدب والأدباء...والكتب والكتّاب...مادحا لبعضهم مبينا فضله و ذاما لآخرين مبينا مواطن ضعفهم...
ففي العجيبة الثامنة، تحدث عن كنوز مكتبتنا الإسلامية...ونوادرها من الكتب والمخطوطات...
ووضح رأيه في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني...ودافع عن الأصمعي بالحجة والبرهان...
ومن المقالات التي استوقفتني مطولا وقرأتها مرارا: "أسلوب الرافعي"، و"طه حسين في الميزان"، و"ابن عابدين ورسائله"، "لغة أضاعها أهلوها"، و"آفة اللغة هذا النحو"، و"كلمة في اختيار نصوص الدراسة الأدبية"، و"في أصول الأدب"، و"حرفة الأدب"، و المطالعة.
وإنني بعد هذه القراءة للطنطاوي بت أثق برأيه في الكثير...وكأنه يوجهني بطريقة غير مباشرة لما يجب أن اقرأ ولمن ...
تقرأ مقالات منوعة ولكنها في الحقيقة تصوغ منهج حياة وفكر تتأثر به مرغما ، نظرا لأسلوب الشيخ السهل المحبب للنفس الخالي من التعقيد والتصنع...القريب للقلب والوجدان...المحفز للهمم...العميق بأفكاره السلس بعباراته...تسري كلماته في الروح بكل يسر...
فالطنطاوي كما وصفه القرضاوي بعد وفاته – رحمه الله- (هو أديب الفقهاء , وفقيه الأدباء)...وحقّ له ذلك...فهو أديب نقي الفكر...حاضر البديهة...قوي الرأي...واسع الأفق...حادّ الذاكرة...بيّن الحجة...معتدل الحكم...شجاعا في قول الحق...ثابتا على المبدأ...مؤمنا بفكرته ومنافحا عنها بكل قوته مهما كان الثمن...
وقد أوقف الطنطاوي قلمه الملتزم كأديب إسلامي ...للدفاع عن قضايا أمته...ونشر الفضيلة بين أوساط شبابها ...
واحتل مكانة مرموقة بين رواد الأدب العربي من أمثال "الرافعي" و"الزيات" و"المازني" و"محمود محمد شاكر"
يقول رحمه الله: فمن قرأ لي شيئاً أو استمع لي شيئاً فمكافأتي منه أن يدعو لي، ولدعوة واحدة من مؤمن صادق في ظهر الغيب خير من كل ما حصلت من مجد أدبي وشهرة ومنزلة وجاه.
فلندعو له ما استطعنا...وندعو لحفيده مجاهد ديرانية على ما بذله من جهد في إخراج هذه المقالات للنشر.