هاكم كتاب السجن.. أو بالأحرى هي صفحة واحدة من سفر عظيم لسجن المثقفين المصريين والعصف بهم على امتداد أكثر من نصف القرن الماضي. وهو سفر يحتوي على فصول أعمق وأغنى مما يضمه كتابي, إنه سفر ملىء بالعذابات التي تليق بالأنبياء وبالملاحم البطولية التي تبلغ حد الأساطير.. لكن حسبي أني انتشلت هذه الصفحات من غبار النسيان بعد مرور 36 عاما على حدوث وقائعها, معتمدا على الذاكرة التي لا بد أن تكون أسقطت الكثير فيما عدا هذه الرسوم بالحبر الأسود التي أنجزتها في الزنزانة 20 وفي كل ما حولها بعنبر التأديب بليمان طرة. وأكاد أشعر - لشدة صدقها وطزاجتها - أنني رسمتها بالأمس. وقد أضحت وجوه أبطالها الذين اختطفهم الموت شهادات حية على شرفهم وعطائهم لوطنهم, وعلى أنهم لا يزالون أحياء في ضمائر الشرفاء والمخلصين من أمثالهم