جيل الهزيمة كتاب يفيض بالصدق والصراحة , وهو في مجمله ذكريات الدكتور بشير العظمة وزير الصحة في القاهرة زمن الوحدة ورئيس الوزراء زمن الانفصال . ولد في حي القيمرية الدمشقي عام 1910 وتوفي سنة1992 , وطبع الكتاب قبل وفاته بعام , وقدم له المرحوم عبد الرحمن منيف بكلمة مطولة، منها قوله في وصف الكتاب: (إنه يفتح أعيننا على الهوة التي نقف عند أطرافها، وقد نسقط فيها إذا بقينا سادرين في ظل الطمأنينة الكاذبة التي تخيم علينا، إذا لم نبادر إلى فعل شيء ما). في الواقع، هو أن سيرة بشير العظمة الذاتية ذات أهمية كبيرة، لا من حيث أنها تتعلق بحياة رجل من عائلة من الطبقة الوسطى تجمع أفرادها "خيالات أمجاد الجد البعيد" وحسب، ولكن من حيث أن سيرة هذا الفتى كانت منذ البداية صورة لمجتمع دمشقي في النصف الأول من القرن العشرين، وعرضاً لأحداث ولمرحلة من حياة الناس في معاملة أبنائهم ونسائهم، وتعاملهم فيما بينهم، وفي علاقاتهم العامة والخاصة. يتكلم بشير العظمة عن والده ووالدته، وعن مكانة جدّه، وعن الحياة البيتية، ذاكراً "قسوة الظروف المادية والنفسانية"، منبهاً الى ما هنالك من "تناقض فاضح بين الظاهر والباطن، بين صورتنا الخارجية ودخيلتنا في بيوتنا خلف الأبواب في حياتنا الواقعية اليومية". وللطفولة أهمية كبيرة في حكاية بشير العظمة فهو لا يذكر أنه لها "لاعباً مع أبناء أو بنات عمومتي في الدار". ثم أن معاملة الطفل في المدرسة كمعاملة حيوان صغير، إلا إذا كان ابن احد "أصحاب النفوذ أو أبناء العائلات" إذ يعامل بالنصح والملاطفة. وليس ذلك كل ما في الأمر. علاقات التلامذة بمدرسيهم مثيرة للخوف والريبة، كريهة الأجواء من الناحية الجنسية إلا إذا عرف الولد كيف ينجو من مغبة الانحراف الجنسي. وبرحيل الأتراك من البلاد العربية، يختلف الناس في نظرتهم للفرنسيين كأوغاد، فيما الانكليز "محترمون شبعانون أكابر" برغم أن بريطانيا كانت صاحبة وعد بلفور ورأس الأفعى الاستعمارية. وفي هذا الجو كان الفتيان - يستجيبون لموجة الأناشيد، فيما هم يتابعون الدراسة" وهم يجهلون لغة الأدب الذي يدرسون، فيما المدرس يجهل اللغة العربية. لم يقصد بشير العظمة المتعة النفسية من سرد ذكرياته، بل أراد أن يصوّر "عينة عشوائية لشريحة واسعة من أبناء النصف الأول من القرن الحالي" في مواجهة التحديات المصيرية. كان يكتب بشفافية مقرونة ببساطة تنمان عن حب الوطن والشعب والبشرية، ليعود فيسأل: لماذا اتسمت مواقف هذا الجيل بالانهزامية؟ أراد الإجابة عن خلفيات النكبات والمطبات ومشاعر اليأس التي يعاني منها الجميع منذ نصف قرن تقريباً بقصد "المشاركة في بحث نزيه للإنسان العربي المحكوم بالبقاء والضياع في نفق مظلم مسدود"، ليبين ما يراه اسباباً للهزيمة فيما هو يعلن إيمانه بقدرة العربي على الإبداع والتفوق.
كتاب صريح لا يتخفى كاتبه وراء الصور النمطية التي تصور الماضي على انه ماض مجيد. بل بالعكس تماماً يظهر لنا تناقضات المجتمع الدمشقي منذ نشأة الكاتب من خلال ذكرياته وحتى عهد الوحدة. حيث كتن وزيراً "بالصدفة في عهد الوحدة.
لا أدري لماذا آثر الكاتب على التوقف عند الوحدة.. ولكن الكتاب ممتع ومثير للاهتمام وسهل القراءة.
أحب كتب السير لما فيها من أحداث مؤثرة في نفسية صاحبها، مع وصف دقيق لكل جوانبها وأثرها النفسي فيه، وأمقتها عندما تتحول لكتب استخلاص عبر عامة للمجتمع أو للحياة بشكل كلي، الكتاب جميل في تصوير طفولة الكاتب ونشاته والحياة في دمشق، لكنه يبتعد في بعض الفصول لاستخلاص العبر ولسرد تفاصيل عامة غير مفيدة لي كقارئ لكنها لربما تكمل فكرة في ذهن الكاتب لم يستطع بكل الأحوال أن يوظفها بشكل جيد ضمن السطور، بالمجمل النجوم الثلاثة على حسن توصيفه للواقع والربط بين التربية السيئة للأبناء التي تستمر لليوم وأجيال الهزيمة التي تتلاحق وعلى التصوير الحقيقي لسوريا خلال القرن الماضي، في وعي السوريين أن سوريا كانت دولة متطورة في الشرق قبل وصول الأسدية للحكم الواقع أن نكبة وصول الأسد للحكم هي استمرار لنكبات وتخبطات وتخلف وفقر ولا عدالة مزمنة، والواضح لليوم أننا نحصد تقاعسنا و تقاعس أجدادنا ونفاقنا
جيل الهزيمة – بين الوحدة والانفصال ... مذكرات الدكتور بشير العظمة (1911-1992) 278 صفحة -صدر عن دار رياض الريس للكتب والنشر – لندن في 2000 شكلت السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية والتي يعتبرها البعض امتداد للحرب العالمية الأولي ، أهمية كبيرة في ما تلا ذلك من أحداث وتغييرات سياسية في الوطن العربي ، ولذا حفلت تلك السنوات بأحداث جِسام تستحق أن نعود إليها مرات ومرات، وأن نرحب بصدور أي مذكرات أو شهادات تخص تلك الفترة، وصاحب تلك المذكرات هو الدكتور بشير العظمة وهو طبيب سوري عاش في سوريا فترة ماقبل الوحدة وعاصر الوحدة وزيرا "مركزيا" للصحة ، وعقب الانفصال تولي رئاسة الحكومة السورية وعاصر محاولات إعادة الوحدة ، لذا فشهادته تعد وثيقة هامة علي ذلك العصر. يعترف المؤلف بأنه من جيل الهزيمة ويتحمل مسئولية حدوثها ويعترف أنها ليست فقط هزيمة عسكرية ولكنها هزيمة حضارية ، ويردد أننا سنظل مهزومين ما لم نأخذ بأسباب القوة والحضارة ويقول بعد فصول النشأة عن جيله " أن جيل الهزائم ترعرع في ظل الإرهاب والقمع النفسي وتمت صياغته جيلا مترددا وجبانا، ويذكر نقلا عن علماء النفس احدي الحقائق العلمية التي تذكر أن 90% من الركائز الأساسية للتكوين النفسي للشخص تحدث خلال الأعوام الأولي الستة للطفل ومن هنا يدعو للاهتمام الشديد بالنشء وتربيته بصورة مغايرة علي أسس العلم والمعرفة. وفي الفصل الخاص بدراسته الطب في دمشق بين أعوام 1928 و1934 يحدثنا عن أنها كانت فترة بائسة ، فكانت دفعته لا تتجاوز 25 طالبا من أبناء المدن السورية وبعض العراقيين وقليل من الأردنيين والمصريين ويفترض أن تكون علاقات هذا العدد المحدود من الطلبة مع أساتذتهم وفاقية ودية ,ن تكون ذكريات أيام الشباب والجامعة من بين أجمل ما في حياة الإنسان ، نقيضا لجميع هذه الفرضيات كانت أجواء المعهد الطبي مزيجا كريها من الخوف والإرهاب والحذر يحكم جميع علاقاتنا الاجتماعية .الاستاذ في حينه إمبراطور ذو كرش ضخم وبذلة سوداء وحذاء لماع ونظارات ..الخ، تمت تنشئتنا أطباء في حدود الرضوخ والإذلال والنفاق . ويتحدث في فقرة كاشفة عن الهوة الحضارية عقب بعثة تدريبية في باريس فيقول : "العرب مع قيادتهم التقليدية غائبون عن عصرهم ، لا يدركون أن الحرب القائمة ليست أكثر من حرب أهلية أوروبية يقتتل فيها الشياطين للهيمنة علي العالم. الديموقراطية ممارسة تبدأ في الدار ، وتستمر في المدرسة وفي المصنع والنقابة والاتحادات ، يمارس الفرد والجماعة التعامل في مستوي مقارعة الحجة والرضوخ للاكثرية.وكل استعجال للقفز فوق المراحل بهلوانيات وقفزات في الفراغ ويبقي التوجه الوئيد في التربية العائلية والمدرسة والمصنع والاتحادات والأحزاب ورفع مستوي تحمل الرأي المناهض والمناقض درجات لا بد من ارتقائها لبلوغ مرتبة إنسانية ديموقراطية مقبولة وثابتة ." يعد الفصل الثامن وهو عن الوحدة والحكومة المركزية 1958 -1961 من أمتع الفصول حيث يتحدث في المؤلف عن تجربة الوحدة بين مصر وسوريا والفروق كما يراها بين شعب متجانس يعيش علي ضفاف النهر منذ الآف السنين، تم إذابته في سبيكة واحدة متجانسة وذلك هو شعب مصر وبين شعب خليط لم تحكمه حكومة مركزية ويتألف من خليط غير متجانس وهو شعب سوريا. بعد انتهاء الأفراح والحماس للوحدة المصرية السورية ، بدأت المتاعب الداخلية للنظام الذي أ قيم علي عجل ، إذ لم تحدد صلاحيات المجالس التنفيذية وبقيت سلطة رئيس الجمهورية وكلمته هي الفاصلة في كل شيء تقريبا، فهو الحاكم وهو الحكم وهو من جنت به الجماهير السورية وحملت سيارته في دمشق. وقرر الرئيس بعد 8 أشهر تغيير جهاز الحكم الظاهر ففي مطلع شهر تشرين الآول 1958 (أكتوبر) ، استدعاني القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق وأخبرني أني مطلوب في قصر القبة بالقاهرة والموضوع تشكيل وزارة مركزية والمقابلة الشخصية ضرورية قبل إصدار المراسيم ( يطلب من أي متقدم لوظيفة ولو في مستوي حارس ليلي أن يقدم مؤهلات تفيد بأنه صالح للقيام بالمهام الموكلة إليه بينما هنا يكفي تقرير المخابرات أو شهادة ضابط في الأجهزة ليتم الترشح لمنصب وزير .اجتمعت في الموعد المحدد لركوب الطائرة مع عدد من المرشحين ومعظمهم من أساتذة الجامعة وبعض العسكريين ، لا يعرف أحدنا الأخر ، تعارفنا وفي نفس كل منا أسئلة تبحث عن أجوبة. أستقبلني الرئيس مساءا في داره في مصر الجديدة بابتسامة وإيناس وبادرني بالسؤال ألم نتقابل قبل الآن ؟عند حضوري إلي دمشق فقلت : أبدا فدرج السراي متعب وأحاول جاهدا تجنب صعوده ، لم يفهم لهجتي ولا ما أعنيه من كلمة "درج" وصعوبة الصعود ، فقلت مضيفا ومصححا "لم أدع لأية حفلة أقيمت لك ولا أحب المهرجانات والزحام، وأني أعمل في حدود المهنة ولا أتعامل مع سلالم السرايات ."ضحك وقال ولكنك ستحب ما أنت مؤهل له ولقد أثني عليك من رشحوك لمنصب وزير صحة مركزي ، فقلت :أني بعيد جدا عن أجواء وممارسات الدواوين والإدارة وأخشي الفشل
ن فقال لا عليك ثم أردف الوحدة مسؤولية كبيرة وكنت أظن قبل الوحدة بأن بين البلدين تكاملا اقتصاديا ، تركت الجلسة بعد عشر دقائق ناجحا سلفا بالنص وقبل المواجهة الشكلية ومن خلال التقارير. سافرت بعد أيام إلي دمشق وقمت بجولة ميدانية أحاول الت��رف علي الأوضاع الصحية ، زارني خلال ذلك رفيق الدراسة خالد بكداش ( أمين عام الحزب الشيوعي السوري )وكان متواريا عن الأنظار بعد أن غاب عن جلسة أعلان الوحدة في البرلمان السوري وكان عضوا فيه .كلفني أن أنتهز فرصة لأنقل رسالة إلي عبدالناصر بأن الشيوعيين ليسوا أعداء للوحدة وأنهم مستعدون لدعمها ولكنه يستحيل عليهم من حيث المبدأ أعلان حل الحزب الشيوعي الأممي كما فعلت الأحزاب المحلية الأخرى .زارني بعد عودتي للقاهرة السيد محمود رياض مستشار الرئيس عبدالناصر والسفير المصري بدمشق قيل ذلك .فأبلغته برسالة بكداش ورجوته إيصالها للرئيس ، غضب غضبا ساخطا وقال أنهم عملاء ومتآمرون وخونة وإياك أن تعيد ما سمعته لأي إنسان ! وأتبع ذلك بسيل من الشتائم ، فامتثلت . هبط عليّ بعد يومين من وصولي للقاهرة شاب مهذب عرفني بنفسه بأنه مدير مكتبي وأعقب ذلك ضارب علي الآلة الكاتبة وفراش (آذن) كما يسميه المصريون ، واكتملت بذلك مع سائق السيارة تشكيلات وزارة الصحة المركزية المشرفة تخطيطا ومراقبة وعلاجا علي صحة 35 مليون من الأنفس في أقليمي الوحدة . مركز عملي الجديد لأبلغه قبل ربع ساعة من الدوام الرسمي ، كأي موظف متحمس يريد أن يكون أمثولة للتابعين له ، وصلت إلي بوابة المبني ماشيا علي قدمي وهو لا يبعد عن داري أكثر من مائتي متر تقريبا ، أستوقفني الجندي الذي يحرس المبني فقلت له : وزير الصحة .أجاب : لا يأتي قبل الحادية عشرة ، قلت : هو أنا .فافسح لي الطريق بأشارة والشك واضح في حركاته وسحنته . أفهمني مدير مكتبي بعد ذلك أن التقاليد لا بد وأن تراعي فالوزير لا يحضر لوزارته قبل الحادية عشرة إذا توافر لديه وقت لذلك . ( أخفاء وحجب الملوك والوزراء والأمراء عن الأنظار إجراءات لها ضرورتها ، لتبقي صورة القادة في خيال الجماهير أقرب إلي صور الآلهة والأئمة نقية وطاهرة ). لم تعرف سوريا في تاريخها الحديث الملكية والحاشية والبلاط والحجاب ، كان شكري القوتلي رئيس الجمهورية عند قيام الوحدة يسكن في شقة مستأجرة عادية جدا في حي الجسر الأبيض وحارسه شرطي واحد يداوم نهار فقط . الخلاصة قضينا شهورا عديدة بل سنتين تقريبا من دون عمل ولا مسئولية محددة ، كنا نتبادل الزيارات بين المكاتب ونستقبل كل طارق وإذا أشتد بي الضجر بعد قراءة الصحف والمجلات وبعد إيجاد الحلول للكلمات المتقاطعة ، أدفع الباب هائما أحاول الانطلاق في حدود القفص الذهبي فأقصد مكاتب الزملاء الأصدقاء احمد عبدالكريم وأمين النفوري وغرفهم لصيقة بمكتبي .نقضي فترة بعد الظهر في نادي الجزيرة ( قطعة من لندن اقتطعت من جزيرة الزمالك وكان ناديا لضباط الجيش الإنجليزي زمن الاحتلال البريطاني لمصر ). أردت التعرف علي الأبعاد المرئية للمشكلة الصحية واعتمدت أسلوب المفاجأة من دون أخبار مسبق بالزيارات التي أود القيام بها ورأيت مشاهد لا يمكن وصفها أو تصور وجودها ، بادرني وزير الصحة التنفيذي باحتجاج علي الزيارات المفاجئة فقلت لابد من ذلك إذا أردنا معرفة الحقائق ودعوته إلي مرافقتي في الغد فقبل ذلك . بعد سنة تقريبا من وجودي في القاهرة وجهت الدعوة لاجتماع وزراء الاقليمين لدراسة ميزانية الجمهورية والميزانية صورة تطبيقية للسياسة .عكفت خلال أيام أدقق بأرقامها ، أثار انتباهي الفارق الكبير في النسبة المقتطعة من ميزانية الإقليم الشمالي (53%) مقارنة بالإقليم الجنوبي (17%) لقوي الامن والتسليح والتدريب لجيش الجمهورية الواحد ن بدأت الكلام في مجلس الوزراء الموسع أشرح وجهة نظري فتكهربت الأجواء ، وهاج المشير عامر يقاطعني مع عدد من الوزراء المصريين، أسكتهم الرئيس وقال : أتركوا الوزير الفني يكمل كلامه .وأجاب بعد أن انتهيت قائلا : كانت نسبة انفاقكم علي الجيش وقوي الامن الداخلي في حدود النسبة التي ذكرتها ، وكذلك كانت نسبة أنفاقنا علي القوات المسلحة كما ذكرت وأحتفظنا بالامور كما كانت ، قلت جيش واحد ودفاع واحد منطلق الوحدة ودعامة تطورها ولا بد من أن نتقاسم سواسية وبنسبة واحدة أعباء الدفاع عن الجمهورية الواحدة .وأكملت ما بدأته بأن الدوافع الحقيقية وراء الرغبة الجامحة في سوريا في الوحدة مع مصر هي لإنهاء الانقلابات وتسلط الأجهزة وتوزيع وتخفيف أعباء الدفاع، والوحدة إذا لم تترجم عمليا بجيش واحد وحدود ودفاع موحد فإنها تصبح شعارات لا معني لها .صخب متجدد ومحاولات لمقاطعتي والتخفيف من حدة وقع كلماتي .أعاد الرئيس القول بأن لا مجال أظلاقا لتبديل نسب الاتفاق ويبقي مكما كان .,أنهي الرئيس الجلسة وأنتقلنا لتناول الغداء وعلي مائدة الطعام أنفرد بي بعض الأصدقاء ينصحون : مالك والمواضيع الشائكة وما علاقتك بالسياسة الدفاعية وأنت وزير فني للصحة .وأخبرني بعد ذلك سكرتير مجلس الوزراء السيد صلاح دسوقي بأن المخابرات العامة قد طلبت تقريرا عن خلفياتي السياسية . اللقاء الأخير: بعد عدة شهور من رفع تقريري عن السياسة الصحية ، أشتد بي الضيق من البطالة والتفاهة ، فطلبت مقابلة الرئيس عن طريق وزير الرئاسة وبعد مضي 4 شهور كاملة ، تفضل الرئيس وحدد موعدا لاستقبالي في استراحة القناطر ، ترحيب متحفظ وابتسام استخفاف متسائل :فقلت : منذ ستة شهور قدمت تقريري وبتكليف منكم عن السياسة الصحية ولا أزال أنتظر مناقشته ن فقال مقاطعا : أي تقرير تشير إليه ؟قلت: لقد نقل لي السيد علي صبري تهنئة عن لسانك وأنك معجب بمحتويات التقرير . قال منفعلا : يصلني كل يوم حمولة لوري ( شاحنة ) من التقارير ، هل تريدني أن أقرأها جميعا وأستوعب محتوياتها ؟ شعرت بالغضب الحاد خاصة وأن اللهجة وتعابير الوجه استفزازية وغير مهذبة .وقلت :أما أنك نسيت أو أن السيد علي صبري يتكلم بلسانك دون علمك . فقال : مالنا والتقارير .. عايز أيه ؟وأردف بالحرف الواحد : هل تريد سيارة أو ينقصك شيء؟ أبتسمت مشفقا للمساومة التي أعتاد عليها الرؤساء حين يراجعهم الأتباع للمزيد من المكاسب الشخصية.وقلت : لدي سيارة خاصة منذ عام 1937 وقد تجاوزت المراهقة والشباب وأنا في الخمسين من العمر . أيتسم عنئذ ملاطفا وقال : عسي أن تكون مرتاحا والعائلة ، والقاهرة مدينة جميلة وذاخرة بالمعالم والمتاحف . قلت : أن أموري الخاصة ممتازة ، ولكني لن أبقي إذا لم أعمل وأشعر بأني موثوق بي وأن في بقائي خدمة حقيقية . ٌال : ماذا تقصد من قولك لن أبقي ؟ قلت : أعني بأني سأعود من حيث أتيت لعيادتي في دمشق . أطرق متجهما !وانتهت المقابلة بابتسامات وتربيت علي الكتف ، وأيقنت بأن النهايات غير بعيدة
بشير العظمة كما يصف نفسه عينة عشوائية من المجتمع. يتحدث في البداية عن نشأته في عائلة من الطبقة المتوسطة في أحد أحياء دمشق، يصف حياة ذلك الزمان دون تجميل ودون الذهاب للقول أنه الزمن الأفضل، يبدأ بالحديث عن التركيبة النفسية لجيل الهزيمة منذ الصغر والعوامل التي تدخل في تربية هذا الجيل. ينتقل بعدها للحديث عن معاناة الشباب في مجتمع التخلف ومقارنته بالمجتمع المتطور خلال حديثه عن رحلته إلى فرنسا وما شاهده من اختلاف. يتحدث بعدها عن أيام الوحدة والانفصال وما تلاه من نتائج وهي برأيي أهم ما في هذه السيرة لأنها تصدر عن وزير مركزي في ذلك الزمان، يصدم القارئ مما يقرأه عن طريقة اختيار الوزراء وعملهم وطريقة التعامل معهم، فكما قال بشير العظمة عن نفسه فهو لا يملك خبرة في الأعمال الإدارية التي تتطلبها الوزارة ولكن عندما نتعرف أن عمل الوزراء في ذلك الزمن هو اللاشيء يذهب التعجب من طريقة اختيارهم، يروي الكاتب أيضا أحاديث دارت بينه وبين عبد الناصر في مناسبات متعددة تخلق للقارئ تصور كامل عن دولة الوحدة وطريقة إدارتها.
تشكل المذكرات سلسلة من المواقف و الحوادث الفردية المتفرقة والتي يستدل بها الكاتب على وجهات نظره، لكنها لا تشكل تأريخا مفصلا ومتسلسلا للاحداث.. شغلت الكاتب على طول صفحات كتابه فكرة الهزيمة العربية أمام إسرائيل، وكان يرى أن ذلك مرده إلى الهزيمة في التكوين النفسي والتربوية للأجيال العربية، لاسيما جيله الذي لا ينظر إليه بفخر، وربما لهذا السبب تزخر مذكراته بما يعتبرها مصارحات عن فساد ذلك الجيل وفساد مؤسسات الدولة وسياسييها وعسكرييها وهو ينظر للاستقلال على أنه كان ثمرة للصراع بين الدول الكبرى على المنطقة ليس إلا، وهذا أقرب للواقع .. ثمة الكثير من الإشارات الى المشكلات الاجتماعية السائدة في عصره والتي تسببت في التكوين النفسي والاجتماعي الخاطئ لأبناء جيله..
اعتقد انه من اهم الكتب التي قرتها، فان الكاتب يسرد ويفند حقبة تاريخية كان قد عاشها وشارك ولو لوقت قصير في صناعة قرار او كشاهد عن كثب، فقد شهد فساد وانغلاق الحياة الاجتماعية العربية، وقد سرد بحس الناقد المشارك احداث واسباب هذه الحالة، واخيرا اجتهد لكي يشرح ويفند سبل التغلب والانتقال من هذه الحالة الى العالم الجديد، لكي اولا نضع ارجلنا على اول الطريق لحل مشاكلنا، ثانيا صنع حضارتنا الخاصة لكي نبقى في هذا العالم الجديد.
استمتعتُ جداً في الأجزاء الأولى من الكتاب بسرد الكاتب حول ذكريات الطفولة المبكرة في دمشق مروراً بالطفولة المتأخرة والشباب. كما كانت الأجزاء الأخيرة من الكتاب غزيرة فكرياّ ومحرّضة على التفكير والتأمل بالواقع العربي بشكل عام. في منتصف الكتاب شعرت بالملل إلى حد ما، بسبب الخوض في المجال الطبي التقني بإسهاب. بشكل عام الكتاب ممتع لمن يريد القراءة خارج الصندوق.
كتاب جميل جدا، يأخذك برحلة عبر تاريخ سورية في مرحلة مهمة، و يلقي الضوء على كثير من الأحداث التي كانت تقدم لنا بشكل مبهم، ليساعد على فهم المجتمع السوري (الدمشقي) في تلك الفترة. استمتعت بكل صفحة قرأتها
يقول عنه حنا مينه: «الحقيقي الذي وهب نفسه للحقيقة» وأؤكّدُ ما قاله أيضًا عن قرّاء الكتاب، سنعتمده مرجعًا لنا، ولأجيالنا المقبلة، كذاكرةٍ تتضوأ بسطوع الشمس، لا غبش الأفول.
يندر أن أضع علامة مرجعية على كتابٍ أقرأه ولهذا فعندما أضع ما يقارب العشرين علامة مرجعية في كتابٍ من ثلاثمئة صفحة، فهذا يعني أنَّ هذا الكتاب يستحق الفراءة. لم يغير هذا الكتاب الطريقة التي أنظر بها لمجتمعنا وأسباب تخلفه، ولكنه وبدون أدنى شك جعلني أرى مشاكلنا بوضوح وعمق شديدن لم أمتلكهما من قبل. نقدي للكتاب: بدأ الكاتب بكتابة مذكراته وهو في أواخر شيخوخته. مكنه هذا من التحرر من قيود النفس والمجتمع والتكلم بصدق وموضوعية. عاش بشير العظمة فترة مليئة بالأحداث المهمة، فقد عاش طفولته في ظل الدولة العثمانية وشبابه في ظل الاستعمار الفرنسي وشارك في الحياة السياسية بشكل فعال في سنوات الوحدة مع مصر وما بعدها. تمكن الكاتب من سرد الأحداث بطريقة عرض فيها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية و.. الخ بكل مشاكلها، ثم وفي الفصل الأخير "أبواب الأمل"، وهو زبدة هذا الكتاب، حلل هذه المشاكل ووصل إلى جذورها وجوهرها الفعلي واقترح الحلول نوعاً ما. كما أنه، ولنكن منصفين، قدم كل هذا بشكل ممتع يندر أن تجده في كتاب من هذا النمط.
مذكرات الدكتور بشير العظمة الوزير في حكومة الوحدة المصرية السورية مذكرات ممتعة صادقة. يتحدث فيها عن حياته وطغولته وتجاربه وعن حقائق منسية في سوريا عاشها العظمة . وهو ايضا يتحدث بلسان الطبيب عن سر الحياة والموت وكيف يقابل الطبيب هذين الأمرين ببرودة اعصاب . ويتحدث عن فترة الاحتلال الفرنسي لسوريا وكيف تبدلت المفاهيم تدربجيا في سوريا والعالم العربي وكيف الاجيال العربية انذاك اجيال هزيمة اورثت للعرب البؤس والشقاء .. العظمة عروبي قومي .. وهكذا كتابه .. والمذكرات رواية شخصية تتناول وجهة نظر صاحبها لا اكثر .
الأم المسحوقة في دارها ,المهددة بالطلاق وتعدد الزوجات ,يستحيل أن تربي إلا نوعية ذليلة من الأطفال الذكور والإناث على السواء من الخانعين الذين ينعمون بالذل.