أول ثلاثة أشرطة مجرد مقدمات لا تدري مدى عمق صلتها بتاريخ الأندلس. يمكن أن نزعم وجود صلة..إلا أنني أحسست بالبعد عن موضوع السلسلة الأصلي. كنت أرغب من الدعيج مثلا أن يتحدث عن طموح عبد الرحمن الداخل، كفاتح لا يرض إلا أن يكون أميرا، بشكل أوسع، من ذاك الحديث العابر عن هارب من مطاردة العباسيين. الحديث عن شهوة السلطة مهم لفهم عقليات البشر وخصوصا عقليات من يحكم منطقتنا العربية.
هناك بعض القصص الطريفة: عبد الرحمن الموحدي..أحد حكام دولة الموحدين، نسبه يتصل بالبيت النبوي..ثم قد تنصر..لقبه المؤرخون المسيحيين بڤيسنتي أمير المؤمنين! ولا يفوتنا رائحة الشماتة في العبارة الجامعة بين لقب أمير المؤمنين واسم ڤيستني.
ذكرتني فعلته بالشريفة عزة ابنة الملك فيصل (ملك العراق). فقد تنصرت كي تتزوج عاملا يونانيا..وقد سارت الركبان بخبر تنصر حفيدة النبي.ففي الحالتين هناك شماتة تتكرر عند دخول شريف النسب في الديانة المسيحية. ولكن لا أدري إن كان لعبد الرحمن مصير مختلف عن الشريفة عزة التي كانت ضحية (خرفنة) ذاك اليوناني لها، فقد هرب بنفيس مجوهراتها وتركها تسبح في حسراتها!
هناك تكرار لبعض المعلومات..قد يحسب المستمع بأنه قد أخطأ في موضع الشريط الذي يستمع له ويبدو أن الدعيج قد صار يكرر نفسه نوعا ما في أشرطة الحروب الصليبية وأشرطة التاريخ السياسي للمغرب والأندلس.
أيضا تعرض الدعيج لقصة يوسف بن تاشفين، الذي أنقذ الأندلس مرتين. المرة الأولى عندما استنجد به المعتمد بن عباد صاحب المقولة الشهيرة (رعي الإبل، ولا رعي الخنازير)، لما خوفه أبناؤه من قراره بالاستنجاد بابن تاشفين ضد العدو القشتالي. إذ كان لابن تاشفين قوة لا يستهان بها. وفي المرة الثانية؛ عندما قرر ابن تاشفين القضاء على ممالك الأندلس الصغيرة حتى يتمكن من مواجهة الأعداء القشتاليين.
قد تذكرنا فعلة ابن تاشفين الأخيرة، بمواقف سياسية متضاربة للرأي العام العربي، لما غزا صدام الكويت، ثم واصل تهديداته لدولة الصهاينة مطلقا ضدهم 39 صاروخا في حرب الخليج 1991. وهو ما دفع الدعيج إلى تقديم تبرير منطقي، مفاده بأن تلك الممالك كانت تتآمر على ابن تاشفين، وضد بعضها البعض، حتى مل من أمرهم ابن تاشفين.
لا يمكنني التأكد من صحة ما أشار إليه الدعيج..ولكن يبقى أن نشير إلى العقليات التي تتعاطى مع ذلك الحدث التاريخي. فمن المؤكد أن بعضنا يرى ابن تاشفين بطلا قوميا يحق له أن يقتل الملايين ويمحو من الدول الجارة ما يشاء في سبيل كرامة الأمة!. ويبقى أن نظرتنا إلى التاريخ يجب أن توزن بميزان عادل، يصف الحدث بما يستحقه دون زيادات منبعها الرغبة في صناعة أبطال قوميين أو إسلاميين.
لفت نظري حديث الدعيج عن انتفاضات الموريسكيين (من تبقى من المسلمين بعد زوال الحكم الإسلامي بالكلية في الأندلس). فهي حقبة لم تأخذ حقها بين المؤرخين العرب، مقارنة بباقي تاريخ المسلمين هناك. فالضعاف لا يؤرخ لهم أحد في أكثر الأوقات.
لقناة الجزيرة برنامج وثائقيات جميلة عن تلك الفئة..تجعلك تشعر بوجود رحم لك قد تاه عنك في تلك الأرض البعيدة.