«بأي معنًى نقول عن شيءٍ ما إنه أكبر أو أصغر من شيءٍ آخَر؟»
لا يكتفي هذا الكتاب بطرح هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة منذ «أفلاطون»، بل يضعه تحت مِبضع الفيلسوف ويبدأ في تشريح الصِّغَر ودلالته في الثقافات المختلفة، مؤكدًا على أن صفة الصِّغَر لا تُنقص من ماهية شيء أو شخص، كما أن الكِبَر لا يزيد في ماهيته شيئًا، فليس هناك علاقة بين حجم شيءٍ ما وصِغَره. إن فلسفة الأشياء الصغيرة هي تلك التي تخلَّت عن الرغبة الرديئة في إجبار الأشياء على الأبدية أو الكونية أو الحقيقة، هي فقط تَدَع الأشياء تكون ماهيتها، وتمنح المرء فرصةَ أن يكون ذاتَه لا شيئًا آخَر.
هو فيلسوف ومترجم تونسي، له العديد من المؤلفات، يشغل كأستاذ تعليم عال في جامعة تونس.
حصل على دكتوراة الدولة في الفلسفة، لكن قبل دخول مجال الفلسفة كان فتحي المسكيني شاعرًا، والذي كتبه منذ وقت مبكّر جدّا، في الثالثة عشرة من عمره. ولا زال يكتب الشعر بشكل مستمر، وإن كان لا يهتمّ بالنشر كثيرا. وجد في هيدغر استجابة إلى تطلّعاته، وتجربة الشعر وضعته في ورشة جبران بشكل مبكّر، فدخل ورشة نيتشه دون أن يدري، حسب تعبيره. فقرأ كتاب هكذا تكلم زرادشت وكتاب النبي في نفس الوقت، في الخامسة عشرة من العمر. وهذه أحداث خاصة وضعته على الطريق نحو هيدغر بشكل لم يستطع مقاومته.
«الإنسان الجسري» Homo pontifex نيتشه وجسر زرادشت مع نيتشه أخذت استعارة الجسر منحى مثيرًا، تحولت بموجبه من مجاز طوبيقي لدى كانط من أجل ردم الهوة التي تفصل الطبيعة عن الحرية، إلى أمثولة شعرية وإيتيقية؛ حيث بات الجسر تعريفا لماهية الإنسان المبحوث عنها. ومنذ "تأملات لا راهنة" استعمل نيتشه استعارة الجسر بطريقة مثيرة قائلًا: «لا أحد يمكنه أن يبني الجسر الذي يجب عليك أن تعبره فوق نهر حياتك، لا أحد غيرك ... لا يوجد في العالم إلا طريق واحد لا أحد غيرك يمكنه أن يمر. أين يؤدي ؟ لا تسأل، بل اتَّبعه». كل طرافة نيتشه هنا هي انتهاج مماهاة مقصودة بين ماهية الإنسان والطريق الذي يمشي فيه، ومن ثم بين الذات والجسر: نحن جسور أنفسنا، على نحو لا تفاوض حوله. ويدفع نيتشه بهذا الافتراض إلى أقصاه حين يجعل الجسر نحو أنفسنا شيئًا لا نعثر عليه في العالم، بل علينا أن نبنيه بأيدينا. وما هو عظيم في الإنسان هو أنه جسر (eine Bracke) وليس غاية نفسه: ما يمكن أن يُحب في الإنسان، هو أنه معبر ومهواة. أحب الذين لا يعرفون إلى الحياة سبيلا إن لم يكن من حيث ما يتهاوون؛ لأنهم ذاهبون إلى ما أبعد من أنفسهم.» قال نيتشه في الفقرة ٤ من استهلال هكذا تكلم زرادشت «إنما الإنسان حبل موصول بين الحيوان وما فوق الإنسان، حبل فوق الهاوية. خطير أن تجتازه خطير أن تكون على الطريق خطير أن تتلفت، خطير أن تقشعر وأن تتوقف. من هنا يتأتى معنى جديد: أنه لا يكفي أن تكون جسرًا، بل عليك أن تحتمل كل الهاوية التي توجد تحته. نعني أن الجسر لا غاية له، هو لا يؤدي إلى أي مكان، بل هو طريقة الإنسان في اكتشاف الهاوية التي يحملها في داخله إنه كائن لم تستقر طبيعته بعد، وبالتالي فهو لا يصل أبدًا. إنه دومًا في الطريق نحو «ذاته» التي هي عند نيتشه مجرد وعد بشيء يتخطى أفق الإنسان أطلق عليه اسم der Übermensch الذي لا يعني أبدًا «الإنسان الأعلى» أو «الإنسان المتفوق»، بل تلك الإيماءة الصعبة نحو شيء يتخطى أفق «الإنسان الأخير» الذي توقفت عنده أحلام الإنسان إلى حد الآن. معنى «ما فوق الإنسان» هو كل الاحتمالات التي تتجاوز ما عرفه الإنسان عن نفسه إلى حد الآن. قال: «إني أعلمكم ما فوق الإنسان. فالإنسان شيء يجب أن يتم تجاوزه.» إن مصطلح «ما فوق الإنسان» هو عبارة تحمل العبور في بنيتها. ومن ثم هو مفهوم يجد في استعارة «الجسر » كل ثروته الدلالية وكل الإشكالات التي ترنو إليها: إن أخطر معنى هنا هو أن يكف الإنسان عن معاملة نفسه بوصفه «غاية» نفسه، وأن يشرئب إلى مرحلة أخرى من مغامرته نحو ذات لم يلمس ملامحها بعد. الإنسان الراهن هو مجرد «حبل» ممدود بين «الحيوان» (بوصفه الماضي النائم في الجسد) وبين طور يتخطى أفق الإنسان هو معنى «ما فوق الإنسان» (وهو مستقبل أخلاقي لإرادتنا لا نعرفه لأنه يفترض منا أن نؤمن بـ «عبورنا» و «سقوطنا» نحوه كشيء نريده لأنه مستقبلنا الوحيد). لكن أفضل ما يفعله الإنسان الذي هو نحن هو أن يحتمل كل دلالات الجسر التي يشتق منها ذاته الحالية. وبالتالي أن يقبل العبور نحو ما لا يعرفه، وأن يهوي في متاهة الاقتدار الذي يحدوه دون أن يسيطر عليه.