لم يكن يخطر في بالي أن تكون الرواية لها علاقة بسجن تزممارت الرهيب لم أكن مهيأة تماما لدخول هذا العالم بعد أن دخلته مع المرزوقي في السجين رقم 10 ومع محمد الرايس وتذكرته إلى الجحيم ومع بن جلون في عتمته الباهرة وربما لو كنت أدري عن فكرة الرواية لما باشرت قرائتها ولكن هل ندمت إنني فعلت !
الأمر على النقيض تماما لقد سعدت بهذه التجربة كلية فما قرأته كان مختلفا وتناول يوسف فاضل كان يجب أن يأتي بجديد ليختلف عن الآخرين وهذا ما فعله يوسف
إن رواية طائر أزرق نادر تناولت جوانب عديدة في حياة سجناء تزممارت كونها جريمة من الجرائم السياسية التي تركت أثرها على المجتمع المغربي إلى جانب رحلة البحث التي قام بها أهالي المختفين ممن عانوا من بؤس بدا وكأنه لا نهاية له مشاعرهم وآثار هذا الإختفاء على حياة أحبائهم وأقاربهم ، أتذكر إنني شاهدت برنامج على قناة الشوتايم يحكي فيه أهالي من تعرضوا للخطف والقتل من وجهة نظرهم ومشاعرهم وماذا حدث لهم أثناء هذا الإختفاء لأحبائهم .. وهذه الرواية كانت تنظر من هذه الزاوية تحديدا وإن لم تغفل مشاعر عزيز في السجن وعزيز قبل السجن وطفولته الشقية بتقنية الفلاش باك ثم أحلامه وهو شاب .. أحلام عزيز بالطيران وعلاقته بالطائرة كان بها الكثير من الإيحاءات بالحرية والشعور بالإنعتاق والإحساس بالوجود وكأن بزة الطيران كانت بداية الإعلان عن هذا الوجود بعد حياة مليئة بالتسلط والتهميش
يبرع يوسف فاضل في رسم شخصيات السجانين في اختلاف أفكارهم وأوضاعهم الإجتماعية وطرق تفكيرهم حتى نوعية تعاطفهم والبيئة التي جاؤوا منها والخلفيات المختلفة وكيف يلعب الدين أثره في التأثير على عواطفهم.. وبالمقابل ظروفهم المعيشية وكيف تحكمت في أقدارهم وتعنتهم في التعامل مع السجناء
إن جئنا للعنوان فسوف نجد فيه روح شاعر محلق ولعل يوسف فاضل آثر أن يبث هذه الشاعرية في العنوان ليبث روح التفاؤل والأمل في وجود هذا الطائر النادر الأزرق الذي يحلق في فضاء رحب من الحرية على الرغم من كل عذابات السجون وما تسببه من حالة الضعف الإنساني سواء على السجين أو أقارب وعائلته وأصدقاءه
تقنية السرد بالنسبة لي كانت من النوع التي تستهويني فيها تحدي لقدرة الكاتب ليس سهلا أن يتحول الكاتب لحمامة أو يحكي على لسان كلبة ثم يقفز ليقوم بدور السجان ويعود ليرتمي على أرضية السجن ويحكي بلسان السجين .. ما أعجبني في النص حقيقة هو قدرة الكاتب على التحكم بشخصياته ورسم الواقع الداخلي وتتبع ملامح الشخصية لفضاءات واسعة في مختلف الشخصيات فمن عزيز لزينة كان يوسف فاضل يعجن شخصياته بماء الألم والضياع ويتركها تعيش واقعها حينا وتحتمي بالخيال حينا آخر لتتشببث بالأمل والإيمان والقوة الداخلية التي مكنت عزيز من العودة للحياة
في هذه الرواية لا نرى الألم واليأس فقط بل الشجاعة والأمل رؤية إنسانية وقيمة أدبية عالية .. طائر أزرق نادر كان يحلق معي أيضا