يعتمد منهجًا تاريخيًا تحليليًا لوضع شخصية ابن تيمية في القلب من تاريخ عصره وما كان فيه من أحداث سياسية داخلية وخارجية، ويروم قراءتَه في ذلك السياق وفي ذلك التاريخ، قاصدًا تحريره من إعادة تمثُّلِه وإنتاجه التي اتخذت صورًا شتّى في السلفية الحديثة والمعاصرة، بدءًا بمحمد بن عبد الوهاب، وانتهاء بالسلفيات المتشظّية اليوم بمختلِف وجوهها وأنحائها إلى الحدّ الذي تقتتل فيه وتتناوش وتتبادل التُّهَم. وكذلك يعمَد هذا الكتاب إلى دفع الأوهام المستولية على عقول الطرف الآخر الناسبِ إلىابن تيمية كل تطرّف وتشدُّدٍ وغلوٍّ وعنف وجورٍ في الأحكام وانحراف عن جادّة العقول السليمة. وتأخذ الدراسة جانبًا واحدًا من جوانب فكرِه موضوعًا للبحث يدور حولَه الحِجاج ويحتلّ ساحة النظر والتأمّ
باحث وناقد في الأدب والفكر الإسلامي، مهتم بالفلسفة وعلم الكلام وأصول الفقه، يحضر الدكتوراة في الدراسات الإسلامية في جامعة المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت. له من الكتب: "نقد الخطاب السلفي ابن تيمية نموذجًا"، و"علي الطنطاوي وآراؤه في الأدب والنقد"، و"تهافت أبي يعرب المرزوقي، وأدلوجته الاسمية، ودعاواه على ابن تيمية وأئمة الإسلام"، و"علي الطنطاوي وأعلام عصره (سيد قطب وآخرون)
هذا الكتاب الثاني للكاتب الباحث (رائد السمهوري) في ذات الاتجاه والنهج. أقصد البحث في الشخصيات الفكرية التاريخية التي ما تزال تعيش بيننا بفكرها العابر للزمان، و"تستعاد" في خضم النقاش الديني والثقافي تأصيلاً لأحكام، أو تسويغاً لمواقف. في المسافة بين النظرية والتطبيق، وبين الواقع والصورة، والحقيقة كما كانت والذاكرة كما استعيدت؛ تعيش تلك الشخصية. وفي سياقها التاريخي؛ تعيش تلك الشخصية بتفكراتها ونزاعاتها الداخلية، وتتشكّل بذلك أفكارها ونزعاتها الظاهرة. في كتابه عن ابن تيمية؛ يدرس الكاتب استعادة ابن تيمية للسلف، وما يعتوره من خلل. كما يدرس ابن تيمية في سياقه التاريخي. في حوضه الزماني والمكاني. ذلك السياق الذي أثّر في أفكاره وساهم في تشكيل مواقفه. ثمّ ينتقل إلى دراسة ابن تيمية نفسه من خلال دراسة مواقفه النظرية والعملية من "المختلف القريب" كالشيعة والصوفية والأشاعرة. و"المختلف البعيد" كالتتار وأهل الكتاب والباطنية والفلاسفة. ويكشف لنا الباحث عن المسافة ما بين المنهج والتطبيق. وفي ختام بحثه، يوجه الباحث الأنظار إلى الصورة "المستعادة" من ابن تيمية في مخيال الحركات والتنظيمات السلفية المختلفة، وكيف أنها استعادته اقتباساً واجتزاءً ليشكّل لها دليلها، ويسوّغ لها بصورته "المختلقة" صورتها. الكتاب بحثٌ جادّ في بابه، محيط في مادته، وأنيق في ترتيبه وتبيوبه.
هذا كتاب فذ، لم أجده يسعى لتبرئة مؤدلجة لابن تيمية من تهم منسوبة إليه، ولا للهجوم عليه؛ بل لا يسعى إلا لفهم الشيخ في سياقه التاريخي، والتفرقة بين فكره الحقيقي الذي لا يمكن فهمه إلا بتحليل عميق للأحداث التاريخية التي عاصرها ابن تيمية، وبين إعادة تمثلات فكر الشيخ في المتخيل الديني السلفي بأنواعه، بل وغير السلفي أيضا. وفكرة المتخيل والاستعادة التي يدرسها الكتاب حول ابن تيمية تنقسم إلى 1- متخيل في فكر الشيخ نفسه حول فهمه للسلف الصالح، حيث أحال ابن تيمية كثيرا على السلف وإجماعهم، وهو ما وضح المؤلف بالدليل أن كثيرا مما يتصوره ابن تيمية رأي وإجماع السلف إنما هو سلف متخيل. 2- استعادة ابن تيمية اللاحقة على عصره، سواء من قبل أتباعه أو خصومه، والتي بين الكتاب أيضا أن هذه الاستعادة غرقت في المتخيل، وأنتجت ابن تيمية غير ابن تيمية التاريخي. قرأت الكتاب بتمعن وببطء، وحاولت أن أكون خصما ناقدا لما أقرأ، فكان كلما راودتني فكرة نقدية، وجدت الدكتور رائد واعيا بها كأنه يرد عليها، من ذلك عدم إغفاله الطبيعة النفسانية للشيخ في ثنايا الكتاب، على الرغم من أن تركيز الكتاب على الجانب الاجتماعي السياسي التاريخي، ومن ذلك أيضا أنني تساءلت عن موقف ابن تيمية من التصوف المذموم في رأيه، كيف يمكن فهمه في سياق سوسيو-سياسي؟ فنبهني الكتاب إلى أن التصوف الفلسفي وأنواعه من وحدة الوجود والحلول والاتحاد، وثيق الصلة بالفلسفة الباطنية التي كانت أيديولوجيا لخصوم سياسيين للدولة السنية مثل الإسماعيلية والنصيرية والدروز وغيرهم. انتهت رحلتي الأولى مع الكتاب وأنا أعمق فهما لمقولات ابن تيمية، وكيف تشكلت في عصر مضطرب سياسيا واجتماعيا وفكريا، وكيف تمت استعادتها في عصور مختلفة، ربما لو عاصرها الشيخ لكان له آراء أخرى مغايرة لما قال به في عصره، وأصبحت أكثر حذرا ووعيا بالتفرقة بين المنهج الكلي لابن تيمية مع المختلف القريب والبعيد والفكر النظري، والتطبيقات العملية للشيخ في الواقع، وفهمت درجات اللين والتغليظ في خطابه مع الآخر، ودور المصلحة كما يراها في ذلك، وفطنت إلى الفرق بين تكفير المطلقات في خطابه وتكفير المعين الذي كان الشيخ على حذر منه، وعرفت كيف كان يميل إلى توسعة باب الإعذار، على خلاف أتباعه الذين أعادوا إنتاجه في هذا الباب وفي غيره بفهم غير تاريخي وغير دقيق له.
كتاب قيم يقدم فيه الباحث دراسة تاريخية تحليلية في موقف ابن تيمية من المختلف الديني القريب والبعيد يسلط الضوء فيها على عصر ابن تيمية المضطرب وظروفه التي عاش فيها وكيف أثرت تأثيراً كبيراً على فتواها ومنهجه بين المماليك والتتار والصليبين والاسماعيلية والنصيرية وكل الأحداث المتشابكة التي حدثت وكان ابن تيمية في قلبها ومحيطها
يربد الكاتب التأكيد ان ابن تيمية بدون فهم عصره واحداثه لن يفهم بالشكل الصحيح
وان اجتزاء فتاواه ومقولاته من تسلسلها التاريخي واسبابها لن يعكس ما يريده ابن تيمية بل سيأتي بنتيجة عكسية في الغالب
دراسة موفقة في تفنيد صورة ابن تيمية المتخيل والمستعاد من ضمن مشروع رائد السمهوري الشامل عن السلف المتخيل
استفدت الكثير واخذ مني الكتاب فترة طويلة حيث اني مهتم لكن غير متخصص
يحتاج نفس طويل واطلاع مسبق على مواضيع السلف وعلم الكلام ولو قليلاً
كتابات الدكتور رائد السمهوري في التنقيب داخل التراث الإسلامي وأعلام المذاهب الفقهية، خصوصًا المذهب الحنبلي والمدارس والآراء المتفرعة منه، تعد من أفضل ما يكون. يتناول الدكتور السمهوري الأحداث السياسية والاجتماعية التي شكلت ملامح منظومتهم الفقهية، وتعاملهم مع السلطة الحاكمة وأهل المذاهب المختلفة والديانات الأخرى. تمتاز كتاباته بالإحاطة بمصادر وقراءات ممتدة على سنوات عديدة، مما يجعلها غنية بالمعلومات لمن قرأ أكثر من كتاب له. أتمنى في المستقبل أن يتم تسليط الضوء أكثر على مؤلفاته وفتح المجال لنقاش ما ورد فيها.