إن ما يميّز إصابات الحرب عن أي نوع آخر من الأمراض، أنّ جرح الحرب يختزن كل سرديتها التي يحملها الجريح طوال عمره: في لحظة تلقي الإصابة، يزرع السلاح في الجسد رواية تلازم جرحى الحرب طوال حياتهم، فتحمل رواية الجرح بداخلها رواية الحرب نفسها. أين تعرّضت للإصابة ومع مَن؟ في صف مَن كنت وضدّ مَن؟ ماذا كان نوع المشروع السياسي، ومَن الجماعة السياسية التي كانت معك أو ضدّك؟ كل هذه الأسئلة والصور، تُشغل المريض فتعطي جرح الحرب قيمة معنوية، بل يمكن القول إنها القيمة السياسية الفائضة التي تتغير مع تحوّل المشاريع السياسية للنُّخب الحاكمة أو تبدّل هذه النُّخب.
يقدم كتاب الدكتور غسان أبو ستة للقارئ نافذة إلى تجربة الجرحى الفلسطينيين وتأثير الاحتلال الإسرائيلي على هويتهم وحياتهم. يعتمد الكتاب على مزيج من النظريات واللغة الأقرب للأكاديمية، بالإضافة إلى سرديات وقصص وتجارب عملية كأسلوب لفهم وتوثيق التغيرات التي يمر بها الفلسطينيون (سواء في الشتات أو في الداخل والضفة الغربية وغزة)، حتى أن هناك بعض الإضاءات على السياق العربي الأوسع كالعراق وسوريا.
. بجوانبه العميقة والمعقدة، يناقش الكتاب بفلسفية جميلة مؤلمة "الجرح" ورمزيته ودوره السياسي حسب الأجندة في كل مرحلة زمنية وتأثيره النفسي والاجتماعي على صاحبه بطريقة مؤثرة.