هل ينبغي لنا أن نقول كل شيء، ونتكلم بلا حدود، ونتجرأ إلى حد التجديف، مع المجازفة بتدمير ما يؤسس المجتمع، هذا الإجماع الضمني حول القيم المشتركة؟ بعد مرور عام على تشارلي ابدو، يخاطر ميشيل مافيزولي، بما نعرفه عنه من علم وسعة الاطلاع، بهذا السؤال. إنه يعمل على فهم عودة "المقدس": هذه الحاجة الجماعية في مجتمعاتنا للتواصل العاطفي، للتواصل، للانفجار في الآخر، آخر المجتمع، آخر الكون، آخر الإله. لتنفيذ هذا التفكير الدقيق والحدسي والروحي، يتصرف ميشيل مافيزولي مثل لاهوتيي العصور الوسطى الذين يحب استشارتهم: عن الله، عن الإلهي، نحن نتحدث فقط من خلال التجنب. اللاهوت السلبي الذي يطبقه على ما يسميه بالتناوب الإلهي الاجتماعي، والتدين المحيط، والسبب والنتيجة لـ "المقدس". وفي نهاية المطاف، فإن "سر الجماعة" هو الذي يجب الحفاظ عليه، أي ما يحفز المبتدئين فيما بينهم ويسمح بالمشاركة والعيش معًا بكل كثافته الروحية.
الكتاب جميل ، ولكن فذلكات المترجم وخبث اقحاماته في الهامش كانت كما الثقب الأسود ، قادرة على ابتلاع الكتاب ونفي مضمونه . الكتاب يتحدث عن بلاغة الصمت في التصوف والزهد المسيحي ، وافراد مساحة للغامض والسري والباطني ، وهي المساحات اللتي قلصتها الحداثة بفعل عقلانيتها المفرطة ومحاولتها الوصمية للاستحواذ على كافة نطاقات المعرفة . وعندما تحاول عنوةً أن تجعل من هوامش الكتاب مجالاً للعقد المقارناتي بين التصوف المسيحي ونظيرته في الإسلام (معتقداً أن ذلك يسهل على القارئ الذي يجهل تفاصيل التصوف المسيحي)وأن تترجم بعد خصوصيات المصطلح اللاهوتي المسيحي بالمعجم الصوفي الإسلامي فأنت هنا تحاول بطريقة مواربة أن تكبت التصوف المسيحي بما هي تجربة الآخر في التماسه واحتكاكه مع المقدس ، وأن تحشره في زاوية ضيقة تحجبه بظلال التصوف الإسلامي وتمنعه أن يعبر عن نفسه بتعابيره الخاصة . وعلى سبيل المثال ؛ هو ذلك الخطأ الفادح الذي يرتكبه المترجم هو إغفاله للدقائق-naunces التي تميّز خصائص التصوف المسيحي عن نظيرها التصوف الإسلامي ، تحديداً فكرة التجسد في اللاهوت المسيحي وفكرة التجلي في الفكر الصوفي الإسلامي .
الكتاب في نظري واقع بين حدين ، فالمؤلف معروف في كتبه الأخرى ومنهجه السوسيولوجي على العموم ، هو موقف ناقد للحداثة وتحديداً لعقلانيتها السراطية ، التي تختزل العقل البشري والوجود في العقل الأداتي الحسابي وفي قابلية الوجود للانضباط داخل المنطق القياسي وماعدا ذلك يعد مروقاً عن استقامة العقل والسوية البشرية ، كتبه تحمل تشابكاً جدلياً مع أطروحات كونت الوضعية ، واطروحات دوركايم ، فهو يحاول فتح آفاق أخرى للنظر والتأمل في وجودنا الإنساني بطريقة يمكن أن نطلق عليها ذات نزوع حسي مباشر ، يرجح كفة المباشرة والالتصاق والحميمية ، أي تجربة بشرية تتسم بالعفوية والتلقائية بعيدة عن التأطيرات المفهومية والأحكام المسبقة . وعلى هذا الأساس يمكن النظر لما يبحث عنه مافيزولي في الكشف الصوفي وفاعلية وجود السري والغامض والغير مكشوف ، بمحاولته لإعادة الاعتبار لسحر العالم المنزوع . الحد الآخر لهذا الكتاب ، هو في نظري وقوعه في نمط من الرجعية الأوروبية ، متمظره في شكلها الكاثوليكي ، وهي نزعات محتدمة في جمهورية ماريان الفرنسية مع تشريعات العلمانية الصلبة في فرنسا ، مع مانعرفه عن محاولات الكاثوليكية لإعادة تموضعها ونفوذها داخل الجمهورية . وهذه النزعة الرجعية هي ماتدغدغ مشاعر بني جلدتنا الذين ، ينظرون لهذه الملامح الرجعية بعين الرضا، ولا يمكن إطلاق أي صفة أخرى عنها بدون لف ودوران غير هذه الصفة وتسمية الأشياء بسمياتها . حيث تدأب بعض دور النشر الظلامية العربية على استيراد (بعض) الميول والتيارات ذات المنحى الرجعي من أوروبا وتحديداً التيارات الكاثوليكية في فرنسا ، والتيارات الإنجيلية المحافظة في الولايات المتحدة ، للتعكز عليها وإضفاء الشرعية على أفكارها بالاستعانة بهذه التيارات عن طريق الترجمة .
"إنّ »الصَّمُوت» (taiseux) ، أو ما أسماه صديقي الرّاحل جون بودريار (Jean Baudrillard) من باب المجاز »البطن النّاعم للاجتماعي»، يشكّل بالفعل »الأغلبيّة الصّامتة» من النّاس الذين يجدون في الامتناع عن الكلام وسيلة لمقاومة التّأثير الجارح لكلمات السّلطة".
ميشال مافيزولي، حديث الصّمت، ترجمة: محمّد الحاج سالم، صفحة سبعة للنّشر والتّوزيع، الجبيل، 2024، ص 50.