يسعى الباحث والروائي المغربي عبدالإله بن عرفة، وهو خبير في منظمة الاسيسكو، وباحث في اللسانيات والتصوف والفكر الإسلامي، في مشروعه السردي العرفاني الى التأسيس لما سماه “أدب جديد” ذي مرجعية قرآنية، يتكئ على مفهوم مختلف للأدب وغاياته المعرفية التي يرى أن من أهمها إنتاج أدب معرفي يحقق تحولاً في وجدان القارئ ومعرفته وسلوكه.
عندما أكملت من قراءة "أم أبيها" السيرة الروائية لفاطمة الزهراء رضي الله عنها و أرضاها أردت أن أعيش المزيد من حياة آل بيت النبي صلى الله عليه و سلم، البيت الذي هو نبراس الحكمة و التواضع و الكلام الحسن و المعاملة الطيبة، البيت التي تحفه الملائكة و الذي نزل فيه الوحي.. فبدأت بعدها فوراً بقرأة سيرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه و أرضاه، هذه السيرة العطرة التي ترتبط ارتباطاً كاملاً بسيرة نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم .. فهو أول من أسلم بعد خديجة رضي الله عنها، و كان يتعاهد رسولنا الكريم و هو فتى.. حاز بفضل الله على العلم النبوي الوفير و المعرفة الدقيقة بالقرآن و السنة، سيرة من أجمل السير التي قرأتها على الاطلاق نتعلم منها عن حكمته و فراسته و فطنته و شجاعته في مواقف شتى من حياته .. رضي الله عنه و أرضاه و عن جميع آل بيت حبيبنا المصطفى صلى الله عليه و سلم
حكاية و ملحمة الإمام علي، مولى كل مؤمن و مؤمنة، نجل المثنى و القرآن الناطق، فارس خيبر و اخو النبي المصطفى. من جمعه و اهله الحبيب تحت كسائه. وليد الكعبة، باب مدينة العلم و صهر النبي الأمين و ربيبه.
"تلك الولاية قامت صوبها أمَمٌ ، للمؤمنين مدى دهرٍ، و قل أبدا"
الرواية الأخيرة من سلسلة الرواية العرفانية للروائي المغربي عبدالإله بن عرفة. يحكي بن عرفة سيرة الإمام علي في شكل روائي ممتع و مشوق و مثري إبتداءاً من مولده في جوف الكعبة في مشهد روائي جميل.
لا تكون سيرة علي من دون سيرة المصطفى عليه السلام فهو ربيبه و اخيه. يسرد بن عرفة معه سيرة النبي و مواقفه مع الإمام. فهو معه عندما اتاه الوحي لأول مرة و هو معه حينما بدأ النبي دين الاسلام و معه في الهجرة و دخول المدينة و فتح مكة و معه فيه جميع معارك قريش وزواجه من الطاهرة فاطمة ابنته و معه في حجته الأخيرة و وفاته. تربى علي من نهل علوم و نور و روح التبي الطاهر و اغتنم منها، يقول بن عرفة "فمن هذه المصفاة الطاهرة يؤخذ الدين الصحيح و الخُلُقُ القويم و رسالة الإسلام الخالصة في صفائها و طهارتها."
ثم يكمل بن عرفة سيرته بعد وفاة النبي في خلافة ابي بكر و عمر و عثمان حتى خلافته وسط صراعات و انشقاقات و بعدٌ الناس عن الخط القويم الذي أنشأه النبي محمد. فتكون الخلافات بينه و بين معاوية و الخوارج و المنشقين و المتخاذلين من أتباعه في الكوفة، و أخيرا مقتله. يقول بن عرفة في بيانه العرفاني : "فلما اجتمع نور التجلي الجلالي (علي) بنور الاستعداد الجمالي(فاطمة) حصل منهما نور الكوثر الكمالي (الحسن و الحسين و نسلهما الطاهر من آل البيت الكرام)"
رواية لا فتى إلا علي التاريخية مهمة و مشوقة و مثرية تاريخيا و أدبيا. فبعيدا عن الاختلافات المذهبية و الطائفية في تصنيف و شرح سيرة الإمام، إلا ان بن عرفة كان يعرض جميع الأحداث التاريخية كما وقعت و ليس كما فسرت. و هذا ما أعجبني في الرواية اذ لم يذهب الكاتب الى تفسير الأحداث و ابداء الرأي فيها. و اخيرا لا يمكن الجزم في صحة الأحداث التاريخية فهو بالمحمل رواية تاريخية. "ليست العدالة الإنسانية إلا أحد مظاهره، و هو الفُتُوّة الكبرى التي يُجْمِلها عنوان هذه الرواية حصريا و كماليا في الإمام (لا فتى إلا علي)"
استمتعت كثيرا في هذا العمل العرفاني و تشربت كثير من سيرة الإمام علي عليه السلام. القراءة الثانية في السلسلة العرفانية لعبدالاله بن عرفة بعد "أختام المدينة الفاضلة" و متشوق لقراءة باقي السلسلة.
سيرة الإمام سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه وأرضاه وعليه السلام تضع الكثير من النقاط الضائعة على الحروف، وتصل من انقطع من حكمة الإمام ثاني كتب المشروع العرفاني للدكتور عبد الإله بن عرفة التي أتعرف عليها وأنهل بها منه
"كيف لا تحيرُ في وصفهِ العقولُ ما ترى ستحكي عنه وما تقولُ" هذه لطمية اعتدت منذُ طفولتي سماعها من الرادود البحريني صالح الدرازي بعنوان (يا علي لا عذّب اللهُ فؤادًا أنتَ فيهِ) وهي أول ما طرأ لي فور شروعي بقراءة الرواية.
بدءًا، أُقر أني لا أستطيع مقاومة المقارنات.. بين ما يسرده علينا الخطباء بأسلوب أسطوري فنتازي الغرض منه التبجيل والتعظيم لهذه الشخصية المعظمة والمبجلة والتي تتخذ مكانة خاصة في وجدانهم وبين الأسلوب الأدبي الذي يدعي عبد الإله اتخاذه في جعل الوقائع أكثر إنسانية تحمل الطابع العرفاني وهو الأمر الذي يصبو اليه. أجدني هنا أتأمل حدث الولادة في جوف الكعبة وفق منظورين: - منظور جعل من الأمر معجزة إلهية انشقت له الكعبة - منظور إنساني بحت ينم عن رغبة إنسانية نشأت في فاطمة بنت أسد أن تلد فيها وإصرارها على ذلك. رغبة كسائر الرغبات التي تعترينا ونود تحقيقها بشدة دون أن نفهم ذلك .. وهذا ما نستشعره في سرد هذه الواقعة.
صاغ عبد الإله بن عرفة علاقة عاطفية لم نعتد وجودها ربطت كلًا من علي وفاطمة، علاقة مليئة بالحب، الفخر، مشاعر الإشفاق والسعادة. علاقة لا يتطرق لها الخطباء ورجال الدين، حيث يكون سردهم بدلًا من ذلك ذو بعد أسطوري مليء بالمراثي والعظات فقط، وهذا ما يجعلني متأكدة مرةً أخرى على أهمية الأدب في كل شيء، حتى في التاريخ، التراث، والحقائق وان ظن البعض أنه محض خيال ..
مع التقدم في القراءة، تصبح الفصول أشبه بدروس السيرة النبوية التي حفظناها عن ظهر قلب في المدرسة، يختفي العامل الأدبي كليًا الذي وعدني بأن "يقرّبني من الإمام علي كإنسان"، فيختفي الإمام علي تمامًا مما يجعل العمل مملًا.
ما ان تتوالى الأحداث حتى نصل الى فصول خلافة الخلفاء الراشدين، لتتدهور الأمور التاريخية وتتذبذب الحقائق فتصبح محل مفاجئة لقارئة مثلي ومن بيئتي فتجد التدليس يأخذ حيزًا لا بأس به في السرد .. حيزًا حتى البجاحة، فلا أستطيع إكمال المقاطع والقفز عليها لإكمال حكاية علي بن أبي طالب كما وعدنا بها الكاتب.
لكن … مع استمرار التدليس تصبح القراءة عبء والهدف هو الوصول الى النهاية لا أكثر مع الكثير من الخيبة، لعملٍ متَوَقع منه أن يكون أفضل.
في بيانه الأدبي آخر فصول الرواية، يوضح عبد الإله بن عرفة الآتي: "ان كتابة رواية في السيرة الغيرية عن الإمام علي ليست مهمة سهلة، لأن الحديث عن الإمام علي يتطلب اطلاعًا واسعًا وإحاطة كبيرة بتاريخ الإسلام بشكل" – انتهى كلام عبد الإله.
وأنا أتساءل، لماذا مهمة ليست سهلة؟ لم يخلق بن عرفة شيئًا من خياله أو قريحته، كل ما فعل هو نسخه فصول من السيرة النبوية والخلفاء الراشدين، أضاف عليها نصوصًا "عرفانية" وألفاظ منمقة وأطلق عليها "رواية"، مدعيًا فيها "العرفان" و"تقرب القارئ من الإمام علي كإنسان" …