تميمة العاشقات بقلم لنا عبد الرحمن ... في هذا العمل الروائي، تنتقل الكاتبة بين عصور مختلفة في أسفار زمنية سريعة، من مصر مع آلارا الفرعونية إلى القاهرة المعاصرة، ومن جبل لبنان في الستينيات مع ميري، إلى حكاية جدتها آني في أذربيجان مطلع القرن العشرين، مرورًا بما حدث مع رحمة في بغداد، وشمس الصباح في أشبيلية وفاس. بين الماضي والحاضر والمستقبل تحضر الحرب، ويهيمن الحب والفن على حيوات بطلات الرواية، في صراع أزلي، تمضي كل منهن في مسارها وارتحالها من مدينة إلى أخرى، بحيث تنعكس الأقدار والمصائر على مرايا الذاكرة، فتسعى " زينة" الآتية من الغد وراء نداء مجهول لكي تستعيد ماضيًا سحيقًا تحدسه ولا تدركه. تقدم الرواية أيضًا إشارات للزمن المستقبلي بكل ما فيه من مخاوف في علاقة الإنسان مع التكنولوجيا، وما تحمله من مخاطر تقلص من حضور المشاعر الإنسانية لصالح الآلة.
من الكتب المرشحة على صفحة ديوان لشهر سبتمبر، هي مجموعة قصص رومانسية من عصور مختلفة تجتمع في بعض الخطوط العريضة، فمثلا القصص تدور دائما في خلفية من الحروب التي كانت من النكبات في تاريخ الأمة مثل غزو معتدي على مصر الفرعونية، هزيمة ٦٧ و حرب سوريا، او مذابح الأرمن وسقوط بغداد في يد المغول واخيرا سقوط الاندلس. نقطة أخرى تجتمع فيها القصص هي مبدأ 'الحب المفقود' او عدم قدرة بطلة كل قصة في العثور او الحصول على الحب الذي تبحث عنه... الفصل الأخير من الكتاب كان عليه الأمل لوضع حبكة ذات معنى لما سبق من حكايات ولكنه للأسف كان كالملح على الحلوى..
"اقرأ رواية من عالمي المفضل." هكذا راسلت صديقتي وأنا في خضم قراءة "تميمة العاشقات". هي رواية حقًا من عالمي المفضل، حيث النساء والرجال تجمعهما الصلة الألذ: الوصال، والأنس، والسمر.
في حكايات سبع يتحرك قلم لنا عبد الرحمن ليرسم عوالم واقعية يجمعها خيط من خيال. عند الماضي السحيق نبدأ، هناك في مصر القديمة آلارا، امرأة عاشقة وناسكة وفية، تصارعت نفسها بين العشق والرهبنة حتى صرعتها أفكارها. رحلت بعيدًا ودثرها الثرى لكنها تركت للعالم أجيال تشبهها. المرأة التي حملت اسمها بعد عدة ألفيات لم تشبهها في شيء سوى حبها للحرية وسعيها الدؤوب نحو اعتناق الحياة. وعند نقطة زمن ليست بعيدة تمامًا، وفي بقعة يصبو إليها البشر منذ الفينيقين إلى يومنا هذا، نلتقي ميري، التي حملت في رحمها فتاة لا تشبهها، وهي نفسها حملتها أمًا لا تشبهها. ثم تطير بنا الريشة لزمن انهيار الامبراطوريات وتشكل الشرق الجديد حيث الحرب تُنهى حياة "الرجل المريض" ومن رحمها ينفلت إلى الضياء دويلات ودول وصراعات جديدة لا تزال تُلقي ظلالها علينا. هناك في زمن الحرب آني الحبيبة، هناك تُجربها الامبراطورية العتيدة على التخلي عن كُل ما تُحب، وكل ما آمنت به يومًا. ليس صعبًا أن نطير من بيروت إلى بغداد، لكن مهوول أن تحملنا الكلمات فنطير عابرين حدود المكان والزمان إلى رحمة التي جُدلت قصتها جديلة مميزة، هي واحدة من القلائل الكاسرات للقيود والحالمات بضياء الشمس الحانية. ثم، وفي محطة أخيرة، تحملنا شمس الصباح إلى سقوط الأندلس، ثم تزول شمس بغداد حاضرة العلوم وكعبة الكتاب.
تلك الحوادث من التاريخ يمر عليها القارئ مرور الكرام، يقرأ في سطور قليلة عن سقوط كذا، وحروب كذا، وتلك المذابح، وهذه الأوبئة. لكن ماذا عن نساء عاشقات حملن في نفوسهن الحلم والحُلم، الصبر والجزع، العشق وتحمل الفراق. كيف تمر عليهن الحوادث التي تقرأها زينة القادمة من زمن بعيد عنهن قراءة عابرة، وتعبث بها عبث الجاهل الضال؟ قوة ما جعلت النسوة يواجهن الموت والفقد والوباء والحرب، قوة سيؤولها كُل قارئ كما شاء. لأن طبقات الرواية العديدة تفتح ذراعيها لمستويات مختلفة من القراء. والرواة المختلفات كُل منهن يسلب لُب قارئة بعينها، خاصة وأن كُل قصة سُردت بصوتين، روتها صاحبتها، وروتها القاصة العليمة ببداية الحكاية ومآلها.
العسير بحق لم يكن السفر المرهق عبر الزمان والمكان، بل كان أن أُقرر: أي النساء الأقرب لنفسي؟ أيهن الأكثر شبهًا بطموحي؟ أي عشقٍ أود ولو في أحلامي أن أحياه؟
تميمة العاشقات.. جديلة بديعة جدلتها "لنا" بخيوط من أرض واسعة خصبة هي التاريخ، وزينتها بقطعة حرير هي خيالها الخصب الرحب.
تقدّم لنا عبد الرحمن في «تميمة العاشقات» عملاً سرديًا يراهن على الزمن بوصفه مساحة مفتوحة للتجربة الإنسانية. الرواية لا تتحرك في خط واحد؛ بل تتنقل بين عصور وبلدان وحيوات نساء متباعدات ظاهريًا، لكنهن يجتمعن حول خيط واحد: الرغبة في النجاة من قسوة العالم من خلال الحب والمعرفة والذاكرة.
تبدأ الرواية بشخصية زينة القادمة من المستقبل، لتفتح بابًا على حكايات نساء من مصر القديمة إلى بغداد والأندلس ولبنان والقاهرة. هذا التنوّع ليس بهلوانيًا، بل جزء من رؤية تُقدّم المرأة كحاملة للمعرفة ومجربة للتاريخ عبر عاطفتها وخساراتها. «التميمة» هنا رمز يتكرر بأشكال متعددة، لا بوصفها تعويذة، بل كذاكرة مشتركة تحفظ أثراً إنسانيًا يتجاوز حدود الزمان والمكان.
لغة الرواية هادئة وواثقة، تميل إلى السرد الخفيف الذي يترك أثرًا دون صخب. تسجّل الكاتبة تفاصيل دقيقة—مخاوف، لحظات انكسار، لمحات حب قصيرة—وتعيد توزيعها داخل بناء روائي يتحرك بمرونة بين الواقعي والمتخيل. هذا التوازن يمنح النص حسًا إنسانيًا واضحًا، ويجعله أقرب إلى عمل تأملي في معنى أن تكون المرأة شاهدة على العالم ومكوّنة له في الوقت نفسه.
قوة الرواية تكمن في قدرتها على خلق ترابط دلالي بين الحكايات من دون أن تقع في المباشرة. كل فصل يبدو مستقلًا، لكنه يعود ويلتحم في الفكرة الكبرى: الذاكرة الأنثوية بوصفها تميمة ضد العطب. ورغم اتساع البنية وتعدد الأصوات، يحافظ النص على اتساقه الداخلي وعلى نبرة واحدة تجمع الرواة المختلفين.
رواية ناضجة، تعيد كتابة العلاقة بين المرأة والزمن بطريقة غير تقليدية، وتقدّم سردًا إنسانيًا مشغولًا بالحب والخسارة والمعرفة، وبقدرة الإنسان—وخاصة المرأة—على أن يحمل تاريخه كقوة لا كعبء.
منذ اللحظة الأولى في قراءة الرواية الفاتنة "تميمة العاشقات" للكاتبة اللبنانية المبدعة "لنا عبد الرحمن"، ستجد نفسك داخل عالم ساحر، يستقبلك ويجهزك ويأخذك إلى رحلة نفسية فلسفية مشوقة، ستكون سفينتك في تلك الرحلة هي الخيال، وزادك هو العشق، ستبحر بين الماضي والمستقبل، بين الحلم واليقظة، سترجع إلى منابع نهر الزمن، وستمضي مع جريانه، وستفتش عن فروعه، وستصل إلى مصباته.
ستظن أن الرواية تتحدث عن الماضي، تحكي قصص نساء عِشْنَ وعَشِقنَ في أزمنة مختلفة، جِدَّات وحفيدات، أسلاف من أسلاف، لكنك ستكتشف أنها رواية تحكي عن المستقبل، تشي بما هو آت، ربما ستبدو لك الرواية رواية أصوات أو رواية أجيال، لكنك ستكتشف أن الأمر أبعد من ذلك بكثير، فهي رواية صوتٍ وخيطٍ، مُتَواصِل ومُمْتَد على مر الزمان.
استهلت الكاتبة روايتها بكلمات مدخل قصيدة "لا تمضِ إلى الغابة" للأديب والشاعر الألماني حائز نوبل، غونتر غراس، وسلمت بعدها السرد إلى "زينة" التي حدَّثتنا عن سقوطِها وغيابِها عن الوعي، لنكتشف أنها قد أدخلتنا في سرداب زمني، أو في وادي التأمل وذاكرة الأثير، وجدنا أنفسنا محاطين بنساء الرواية الستة، رأينا لمحات من حكاياتهن المتناثرة، أردنا أن نستجمع تلك الحكايات من بين ثنايا الأزمنة والأمكنة التي عاشوا فيها، تملكنا الفضول حين رأينا نقش الربة "إيزيس"، بعدها ركبنا سفينة الخيال، وأخذتنا زينة معها في رحلتها العجيبة، وبدأنا بسحب خيوط الحكايات الستة، واحدًا تلو الآخر.
جعلت "لنا عبد الرحمن" لحظة الحاضر في الرواية هائمة ورخوة، دائمًا أقول كما تقول الفيزياء الحديثة، أن الزمن هو اللحظة الحاضرة فقط لكنها مُستَعْرِضة بعرض الكون كله وبين طياتها يوجد الماضي والمستقبل.
جاءت "زينة" من مستقبل ما حيث كانت تعيش حكايتها مع رام وآدم التي عرفناها فيما بعد، قررت زينة أن تبدأ فحص السجلات وسحب خيوط الرواية، في البداية قفزت بنا قفزة كبيرة إلى الماضي السحيق في مصر القديمة، قبل أن تعود إلى الماضي القريب، ثم تبدأ بالرجوع في الزمن بالتدريج وتتنقل إلى أماكن وبلدان عديدة وراء الحفيدات والجدات، سلف من سلف من سلف، تتابع خطوط المصائر المتقاطعة والأقدار الموصولة منذ الأزل وإلى الأزل، وجدنا كل حفيدة تحمل بصمة جدتها، وأيضًا ذاكرتها، وكانت زينة، القادمة من الغد، في كل مرة تعتمد على قدرتها على العودة، وكنا نجدها تنتظرنا في نهاية كل خيط، لتدفعنا إلى مسار جديد لخيط جديد.
رأينا آلارا، عروس النيل الأخيرة وكاهنة معبد إيزيس التي هربت من الآلهة، وعاشت على هامش الحب والرغبة، ولجأت إلى الربة إيزيس، واحتارت بين معلمتها تويا الكاهنة الكبيرة وحبيبها جيما المراكبي، وفي النهاية تجد طريقها لحمل توأمتيها بين ذراعيها، ثم تصبح جزءً من التاريخ بموميائها الباقية، وتمضي الحياة.
ورأينا آلارا الحسيني، الرسامة التي بحثت عن المعنى بين حضارات الإيقاع والعلامة والصورة، ولسانها المستحضر والمردد لتلاواته في كل موقف أو كل معنى، ووعيها المثقل بالحجارة والفارغ من الأفكار الحقيقية بنات العقل، كان سحر الهند وروحها مصدر الإلهام الذي جعلها تواجه حقائق كانت منسية، خلصتها تلك الرحلة من الوعي المصطنع ومنحتها فرصة تكوين الوعي الحقيقي، الذي سيملأ بئرها الداخلي بعد أن كان قد فرغ مبكرًا، وأفرغت هي ما تبقي منه وما تبقي من أثاث منزلها، لكي تعيد تأسيسه مرة أخرى، بوعيها الجديد، ثم تلتقي بعلاء، وتمضي الحياة.
ورأينا ميري مجيد أم آلارا، الممثلة الراقصة التي عانت كثيرًا، واحتارت بين متطلبات جسدها ومجتمعها، وبين قدرات أمها آسيا وتمرد جدتها آني، بدأت حكايتها في عالم اللذات من لبنان إلى القاهرة، ثم لقاؤها بأمجد وممارساته السادية معها، وموت آسيا في لبنان وموت أمجد في الحرب، بعدها أعادت اكتشاف الحياة واكتشاف المعاني، والتقت بحازم، وعاشت تجربة الأمومة وضريبتها الباهظة، ظلت تطاردها نزواتها وصراعاتها مع كل أسرارها الدفينة، وتمضي الحياة.
ورأينا آني داديان جدة ميري، المتمردة في زمن الحرب والاضطهاد، الأتراك والأذريون والأرمن، وسلسال الدم، مراد وأندرانيك، ومن بقي من أسرتها، ثم اللقاء الأخير مع مراد وحملها في آسيا، وقرط الياقوت الأحمر وجدتها إيلزا، والهجرة إلى بيروت، وانتحار أخيها، ووضعها لابنتها، وتمضي الحياة.
ورأينا رحمة الجدة الأكبر لآني، الخائفة المذعورة من الطاعون واللصوص في بغداد، وذهابها إلى الكنيسة في الموصل، ولقاؤها هوفان، وتداخل المسلمين والمسيحيين، ونشأة الحب مع دين الحب، والزواج والإنجاب، والسفر وقطاع الطرق، والعودة إلى الموصل، ومجيء الابنة الصغرى مريم، التي ستكمل سلالة العشق، مع رجل آخر وفي مكان آخر وعلى دين آخر، وتمضي الحياة.
ورأينا شمس الصباح سولاي، من السبي في إشبيلية، وحياة القصور، وزواجها من الطبيب أبو الوليد وحملها، وسفر الزوج إلى الحج، والإنجاب، ولقاء ألفونسو ابن العم، ثم الرحيل من الأندلس إلى فاس، ومجيء الابنة رحمة، والرحيل إلى بغداد، ثم الشام، ثم جبل لبنان، وتمضي الحياة.
رأينا أيضًا زينة ذاتها، القادمة من المستقبل، وحيرتها بين آدم البشري ورام الروبوت، أدركنا أن الذكاء الاصطناعي لن يكون هو الحل في يوم من الأيام، بل سيكون هو الحافز لكي نعيد البحث عن المعاني الحقيقية بين بني البشر، من أجل ذلك قامت زينة بتلك الرحلة المنهكة.
ورأينا حتى دارا، الجدة قديمة القديمات، أدركنا أن سلسال نساء الرواية ثمانية، عندما نضيف دارا في البداية وزينة في النهاية إلى نساء الرواية الستة، سلسال طويل من الجدات والحفيدات وحكاياتهن الملحمية، ملاحم هائلة كان يمكن ألا ندري عنها شيئًا، لولا الرحلة، ولولا وادي التأمل وذاكرة الأثير.
استخدمت "لنا عبد الرحمن" تقنيات أدبية بديعة، بدايةً من اللغة المطيعة المتبدلة والمنتقاة بعناية لكل خيط من خيوط الرواية، ومن صوت زينة المهيمن باختلاف الضمائر المستخدمة في السرد، ومن استطراد النساء مع زينة بأصواتهن، ومرورًا ببنية الرواية الجذابة، وبرسم شخصياتها وملامح نسائها النفسية بحرفية شديدة، ووصولًا إلى لمحات الميتافيكشن التي كانت تظهر من وقت لأخر، وإلى تلك الحبكة المشوقة وتحولاتها والتواءاتها التي كانت تورط القارئ في دروب هذه الرواية البديعة،
طرحت "لنا عبد الرحمن" أسئلة الحياة في الرواية، وبحثت عن إجاباتها: الوجود والمعنى، الحب والحرب، البوح والكتمان، الرغبة والاحتياج، العشق والتمائم، الحِل والتِرحال، العصر والزمان، الأديان والمصائر، الإنسان والروبوت، الوعي والوعي البديل.
إنها رواية فلسفية عن رحلة الوعي والعقل والوجدان الأنثوي في الزمن الممتد، عن رحلة المرأة النفسية والاجتماعية عبر تاريخ الإنسان، عن العلاقة الملحمية بين النساء والرجال، وعن موقف الرجال من كل ذلك، وفي نفس الوقت هي رواية ناعمة عن العشق وتميمته، وعما ينتظرنا في المستقبل القريب، إذا أضعنا تميمة العشاق، وتميمة العاشقات.
استوقفتني هذه العبارة المبهرة بداخل الرواية، ورأيتها خير توصيف لها " قيل إني سبع مرات سأحيا، وفي سبعة أجساد سأموت، وإن حكايتي ستظل محجوبة لألف عام وألف"
وبالفعل هذا باختصار قصة تميمة العاشقات التي يدور موضوعها عن سبعة نساء تبدأ برحلة زينة في عالم المستقبل بتخطي حاجز الزمن وتلتقط الأحداث عبر الأثير، لمعرفة حياة ستة نساء من أسلافها، من بيئات وعصور زمنية مختلفة: ألارا الفرعونية سنة 1542 قبل الميلاد. ألارا الحسيني في القاهرة سنة 2013م. ميري مجيد، جبال لبنان- القاهرة 1965م. آني داديان، أذربيجان-لبنان 1918م. رحمة، بغداد-الموصل 1772م. شمس الصباح، إشبيليا 1230م. هذه الحكايات تتبعها زينة إذ تتمكن من الاطلاع على تجاربهن، والتعرف إلى حكاياتهن، مصايرهن ومصير علاقاتهن مع الرجال في حياتهن ولكنها تجتمع بهن جميعاً في النهاية فكيف يكون ذلك؟
مواضيع الرواية: * تتحدث الرواية ضمنياً عن فكرة تناسخ الأرواح " أو هذا ما فهمت" *قوة الأفكار والمعرفة وعدم اندثارها. * الفكرة اللاهوتية عن سر الرقم سبعة * عن معبد إيزيس وخادمات المعبد * عن الخطيئة والتحرر منها * عن الأندلس في سقوطها، واقتحام فرديناند وإيزابيلا لها * عن طاعون بغداد سنة 1830 * عن فترة الإنتداب الفرسي على لبنان *عن الأرمن وصراعهم مع الدولة العثمانية وهروبهم للبنان وغيرها * عن ثورة يناير 2011 * عن الهند والرحلات الروحية بها * عن قوة المرأة وتمردها وقدرتها على مواجهة الصعاب * التنبؤ بالمستقبل الغامض وسيطرة الآلات
شخصيات الرواية: تتكون الرواية من سبعة شخصيات رئيسية تناثروا عبر الزمن من كاهنة معبد إيزيس إلى المستقبل البعيد * ألارا كاهنة معبد إيزيس أو بداية العقد التي ترمز للخطيئة والتوبة *آلارا الحسيني التي ترمز للفن والمعرفة والتمرد والتدين *ميري مجيد التي ترمز للشهوة والشهرة والبحث عن السعادة *أني داديان التي ترمز للحب والكبرياء *رحمة التي ترمز للعاطفة والإستقرار والخوف من الفقدان *شمس الصباح التي ترمز للشتات وضياع الهوية والأسر * زينة التي ترمز للمستقبل والرغبة في المعرفة
وجميعهم مترابطين بخيط خفي عبر الزمن، يتوارثون نفس الروخ ولكن بحيوات مختلفة كلا منهم توارثت شيئاً من الآخرى فآلارا الحسيني توارثت من آلارا الكاهنة التمرد والتدين وميري مجيد توارثت من آني داديان الجمال والجموح ورحمة توارثت من شمس الصباح الرغبة في الإستقرار وحب من ليس على دينك.
*الرواية تسير في خط الواقعية السحرية في قالب تاريخي درامي بقدرة فائقة على تحليل السبع حيوات. الراوي هنا متعدد فتارة تتقمص زينة صفة الراوي العليم. ثم ينقطع السرد باستجدائها للشخصية أن تتحدث معها وتقص لهاما خفي عنها، لينتقل السرد بعدها إلى الراوي المخاطب، في نقلة سلسة تأتي في نصف الفصل كأنها صحوة تثير حواسك من جديد لما هو قادم
مما أعجبني في الرواية *تضمنها لعدة ثنائيات طوال الوقت: كالخطيئة والتوبة، التمرد على التقاليد والتدين، الحب والحرب، وأيضاً الحب والواجب، الإستقرار والحرية، الوطن أم الزوج والأبناء، الحداثة والهوية، الإنفصال عبر الزمان والمكان ووحدة الروح، الحب والمعاناة. * كانت الحركة وليس السكون هو التيمة الواضحة بالرواية، فجميعهن ارتحلن أو هربن أو سافرن من مكان لآخر، وكأن المصير المحتوم لهؤلاء النسوة هو تتبع أقدارهن وليس انتظاره، فكان هذا عاملاً مشتركاً بينهن. *المعاناة الشخصية والمعاناة في الحب كانت التيمة الأساسية التي اشتركت فيهن جميع النسوة السبع. *هناك لمحة من الميثولوجيا القديمة وخاصة أسطورة ميدوسا القديمة. حيث تقول : أسمع صوتًا هامسًا: «أنا شمس الصباح… أنا سولاي». لا أقوى على الالتفات للوراء، أخشى أن أصير حَجرًا، أظل في مكاني، ربما تأتي هي إليَّ كي تحكي. * قوام الرواية ينبني على الإيمان اللاهوتي بالرقم سبعة وتقديسه قيل إني سبع مرات سأحيا، وفي سبعة أجساد سأموت، وإن حكايتي ستظل محجوبة لألف عام وألف.
*موتيفا الرواية كانت في القرط المتوارث عبر الأجيال والذي كانت تلبسه ألارا الكاهنة وظهر مرة آخرى مع أني. وأيضا طائر الهدهد الذي انتقل من قصة آلارا الكاهنة لشمس الصباح، النبوءات.
الرواية ثرية وقمة في الروعة تحب أن تقرأها مرة آخرى
من أهم الإقتباسات: *الزمن ينقسم، أتشظَّى، تصير ملامح وجهي في نساء أخريات؛وجوه أخرى لا أعرفها، لكنها تشبهني. أكاد لا أعرف نفسي ومن أكون، ولِمَ أنا هنا؟ وما الذي سأجده في هذه السجلات بعد؟ *يتغير العالم ويظل الحب مستمرًّا، حقيقيًّا، واضحًا.. حكاية أبدية لابد منها. *قيل إني سبع مرات سأحيا، وفي سبعة أجساد سأموت، وإن حكايتي ستظل محجوبة لألف عام وألف. *المسافات لا تعني شيئًا بالنسبة للروح، المسافات مجرد وهم. *هناك ثلاثة أشكال كبرى للحضارات: • حضارة الإيقاع:وتجسدت في الحضارة الإفريقية •حضارة العلامة: في الهند والصين وفي الحضارة العربية الإسلامية • وحضارة الصورة:وهي التي نجدها في الحضارة الأوروبية وامتداداتها في في أمريكا الشمالية والجنوبية. *مواجهة دراما الحياة بدلًا من التواري منها، قرار يحتاج إلى شجاعة كبيرة لتنفيذه. *لا تمضِ إلى الغابة؛ ففي الغابة غابة ومن يمضي إلى الغابة لا يُسأل عنه في الغابة
غلاف لوجه امرأة يجمع ما بين القديم والحديث، فقد تراه في لوحة تعود للقرون الماضية، وأيضًا في حياتنا المعاصرة فيمن حولنا.. على نصف الوجه الأيمن لها رموز وأسهم وأشكال، كما لو كان هناك من يقوم بفرضيات لهذا الوجه..
تستعين الكاتبة بكلمات عن الغابة للكاتب جونتر جراس.. ثم تبدأ المشهد الأول في الرواية بعنوان زينة.. تقول زينة وهي من قررت فتح آبار الماضي والهبوط إليها بقراءة السجلات التي بحوزتها: ❞ ستداهمك في رحلتك أرواحٌ جريحة شاردة، وقد تنزلق إلى حفرة تلو أخرى، ولن يساعدك إلا إيمانك بقدرتك على الرجوع، ثم عليك الرضا بكل ما يمكن أن يحدث لك لو كان مقدرًا لك العودة. ❝
تقع زينة وتسقط في هوة زمنية عميقة فاقدة لوعيها، لتستيقظ على ست نساء يحطن بها تضعهن الكاتبة على شكل ستة خيوط بالرواية: الخيط الأول كانت "آلارا" آخر عروس للنيل في مصر الفرعونية عام ١٥٤٢ ق. م. والتي فرت إلى معبد إيزيس لتصبح ربيبة الكاهنة تايا.. والخيط الثاني "آلارا الحسيني" القاهرة ٢٠١٣ م الفنانة التي تذهب من مصر إلى (كيرلا) لتعلم الخط كما نصحتها أستاذتها..لتعود إلى القاهرة وقد امتلئت بالألوان.. والخيط الثالث "ميري مجيد" جبال لبنان القاهرة ١٩٦٥ الشابة اللبنانية المنطلقة التي تذهب إلى مصر لتصبح ممثلة وتتزوج من عاشق للتاريخ القديم لتنجب آلارا، الإسم الذي اختاره الزوج حبًا في آلارا الأولى.. جاء الخيط الرابع لجدة ميري الأرمنية "آني داديان" سبتمبر ١٩٢٨ أذربيجان- لبنان وشرارة الحرب التي جعلتها وأسرتها يرحلون إلى لبنان، ومعها تذكار من مراد حب حياتها المسلم.. ثم نذهب إلى العراق ومع خيطنا الخامس ورحمة، بغداد، الموصل ١٧٧٢، التي تعيش حياة الفقد لأسرتها وزوج بعد آخر.. وأخيرًا الخيط السادس وهي شمس الصباح إشبيلية ١٢٣٠ المسيحية التي خطفت وارتحلت من بيتها إلى عدة بيوت حتى استقرت لتبدأ رحلات جديدة..
تحدث هذه الشخصيات زينة، التي حلمت بهن وذهبت إلى وادي التأمل لتعرف وتكتب لنا حكاياتهن، وتتنقل بنا بين العصور والبلدان بكل يسر وتناغم.. ستة خيوط أو عاشقات بينهن رابط، عشن الحب والحرب والرحيل، نسجت الكاتبة تميمتهن بخيوط رحلاتهن، نساء أتين من مختلف الأزمنة فظهرت لنا حياتهن كسجاجيد مختلفة الألوان والصور معلقة على حوائط الحياة، بهن سيدات يقف على أكتافهن طائر ما، أو ترتدين أقراط ياقوتية، تقول عنهم زينة آخر خيط بالنسيج: ❞ أفكر فيهنَّ جميعًا، في سِحر أعينهن المضيئة، ماذا كان لونها؟ ما الذي شاهدته تلك العيون؟ أي رعب، أي جمال، أي نعمة، أي ألم، أي موت؟ أي غرام؟ وأي أرض وبحر وسماء؟ ❝
زينة شخصية من المستقبل اتخذت من رام الروبوت رفيقًا لها يساعدها في كل أمورها حتى في كتابة روايتها عن هؤلاء النسوة، يتدخل في كل أمور حياتها فيبعد خطيبها السابق آدم عنها بشتى الطرق وكيف لا وهي من برمجته منذ البداية وكأن عدوهما الأول هو آدم..
الحديث عن رام وأفعاله وكأن الكاتبة تطلق نواقيس إنذار عن خطر عالم الميتا الذي أصبح يسيطر علينا ليلًا نهارًا..
جاءت لغة الكاتبة فصحى بسيطة..
شكرًا لنا عبد الرحمن على هذه الرواية التي استمتعت كثيرًا بقراءتها..