رافقتُكَ على امتدادِ الشهر الفائت، ورافقتَني مذ أبصرتكَ وحيدًا على رف المكتبة، لا أدري من منا اختار الآخر، ولكنّي على ثقةٍ من أنّ الله قد اختارَني لأقرأك، وخصّني بضيافةٍ علويّةٍ سرمديّةٍ لا تنتهي وآخر صفحات الكتاب، بل تستمر حتى آخر صفحات حياتي..
شدّني العنوان ما إن لمحته، أخذت أقلّب في الكتاب للحظات ثم تركته، فبقي يتقلّب في داخلي، أأتركه وأعود؟ لكنّها النسخة الأخيرة لكتابٍ لم أسمع باسمه قط، وربّما هي المرة الأولى والأخيرة.. كأنّ في وجوده نداءً خاصًّا لي، فما كان علي سوى أن أجيبه.
بدأته بحماسةِ من لطالما سمع عن علي، لكنّه اليوم يسمع من علي! باشتياقِ سلمان إلى عليّ الذي يراه غدوًّا وعشيّا، بعطش الأشتر وعمّار إلى كلمةٍ يلقيها عليّ، وإلى تردد صوت عليّ على مسامعهما..
وحين اقترب مني صوته، كانت الدموع أقرب، ففي كل جملةٍ وصفحة يتراءى لي طيفه، تارةً يحدّث ويناقش، أخرى ينصح ويعاتب، وما أصعب أن تراه في لحظاتِ فقدٍ كفقدِه الأشتر وعمّار، والأصعب أن تسمعه يدعو فلا يُلبّى، حينها تنطق حواسّكَ لا إراديًا بِـ"يا ليتني كنتُ معكم"؛ لألبّي وأجيب، ولكن.. هل كنتُ سأكون ملبِّيًا لعليّ؟ وكيف هو العيش في زمن عليّ؟ إن كانت مجرّد القراءة بلسان عليّ مؤثرة إلى هذا الحد.. فكيف هو الاستماع إلى صوت عليٍّ الحقيقي؟
تتضارب مشاعري مع كلّ صفحة أنتهي منها، فرحًا بصوتِ عليّ الذي يملؤني، وحزنًا لقرب انتهاء هذا المقطع الصوتي؛ لذا تركت الصفحات الأربعين الأخيرة إلى أجلٍ غير معلوم، رغم أنّي لا أحبّذ إبقاء أيّ كتابٍ معلّقًا، لا سيّما وإن كنت قد قطعت فيه شوطًا ليس باليسير..
لكنّه عليٌّ واستثناءاته، وخوفي من أن أفقده مرّتين عند آخر صفحة، مرةً لأنّها عن شهادته، والأخرى لانقطاع صوته عني، و"أنا يا سيدي قلبٌ ليس يقوى على الهجرِ.."
٢٤ فبراير ٢٠٢٣م