تستطيع كاميليا أن تقسم أنها لم تفعل شيئًا تستحق عليه ما حدث، فهي لم يسبق لها الكذب، اللهم إلا في المواقف التي تستدعي تجنب الشجار، كذبة بيضاء تحيكها على والدتها أو زوجها تطليها بقسم برحمة أبيها لتدعيم موقفها، وهي جميعها بيضاء، ولا تزيد عن ادعاء وجود خصومات مقدمة لها من مطاعم مختلفة كلما راودتها شهيتها لوجبة جاهزة، أو هدايا مجانية نتيجة قسيمة مشتريات من محلات الملابس كلما راودتها نفسها إلى شراء قطعة من الثياب وتجد نفسها عاجزة عن مقاومة باقي الألوان المتاحة من القطعة ذاتها، أو حتى أخرى على وشك النفاد، ولا تبوح بسعرها الحقيقي إلا بعد خصم النصف تقريبًا، بالإضافة لعشقها اقتناء الساعات والحقائب والإكسسوارات المطلية بالذهب أو غيره، وهي دائمًا ما تجد أزمة في الاختيار بين البدائل، فلا تجد بدًا من شرائها جميعًا والبحث داخل جعبتها عن مبرر جديد؛ لكن - ومهما كان المبرر قويًا - دائمًا هناك احتمال خلق شجار معها يصل إلى عنان السماء، ما جعلها فوق جميع تلك الكذبات التي تثقل ظهرها تضطر إلى إخفاء مشترياتها الجديدة عن الأعين في أعماق الخزانة التي باتت وحدها تحمل لها المفاجئات السارة كلما علا صوت الصراخ عليها، لكنها جميعًا أمور لا تجعل منها مجرمة أو مذنبة ليتم اِبتلائها، ومهما كان الأمر فهي عاجزة عن إدراك ماهيته.
رواية مشوقة للغاية في إطارها النفسي والاجتماعي، استمتعت جدا بقراءتها والغوص في الحالة النفسية المصاحبة للرواية، فالكثير من نساء مجتمعاتنا الشرقية يقعن في هذا الفخ ولا يدركن حقيقة ما يعيشون.
للوهلة الأولي ولولا معرفتي بالكاتبة وأنها روايتها الأولي لظننت أنها إحدى روايات ساراماجو أو موراكامي استخدام الفنتازيا في الرواية ليست بالحل السهل للكاتب كما يصعب علي معظم القراء قبولها ولكن نورهان استطاعت كأديبة متمرسة توظيف الفنتازيا دون الإخلال بالبنية الواقعية للرواية وموضوعها.
أعجبتني لغة السرد التي تمزج بين الفصحي والعامية وأن كنت أتمني مساحة أكبر للعامية ليسهل وصولها الي فئات اكثر من القراء. لا اريد تصنيفها ك رواية نسوية ..علي الرغم من أن جل شخصياتها من النساء ...إلا اننا نعلم كيف تعاني النساء في بلادنا .. وكيف تؤثر معاناتهم هذه علي أولادهم من الذكور والإناث علي حد سواء .. فالكاتبة هنا تنقل معاناة متوارثة وسوف تتوارث عبر جيلين من أم لإبنة ل حفيدة .
لامست روحي بعض المواقف والمشاعر في الرواية مما يدل علي إحساس عالي وكتابة صادقة نابعة من القلب والراوية جيدة في رسالتها وذكرتني بما قاله ساراماجو: "" لا ينضج المرء بالنصائح، لا ينضج بالمواعظ، لا ينضج بتجارب الأخرين ..
ينضج المرء حين يقطع الفقدان جزءًا من قلبه .. وينحني ظهره من خذلان أحبائه .. وتتسيد التجاعيد ملامحه من قسوة التفكير .. وتتهاوى طاقته ويصبح هش بـ جسد هزيل من الركض في الطرق الخاطئة .. ينضج المرء حين تقتطفه الحياة من جذوره .."
رواية واقعية تناقش الكثير من قضايا المجتمع و المفاهيم النفسية العميقة و مشاكل التربية من جيل لآخر ، و أثر ما يمر به الإنسان على مدار حياته على شخصيته الحالية و تسلط الضوء على أهمية الغوص داخل المشاكل لحلها من جذورها العميقة لبداية رحلة التعافي تركز الكاتبة أيضًا على الحوار الداخلي بشكل منطقي و ثري . .
Quotes
. الأزمة يا كاميليا أن البشر يحبون كل ما هو عادي ، و يكرهون كل ما هو استثنائي ، لأنه يتطلب جهدًا أكبر في الفهم و التحليل ، فكيف تتوقعين منهم أن يتقبلوا الاستثنائيين بينهم
. .
لحظة ، مهما خبرها المرء لا يجوز استقبالها إلا بارتباك و حرج يليقان بوقوفك على أعتاب ركام حطام إنسان، تعرض للأذى طويلا حتى اعتاد عليه ، ثم ألفه و بعدها بات يبرر لنفسه استحقاقه للأذى ، و يبحث عن العطب داخله
ماحدث لكاميليا او بالآحرى ما يحدث لها... ماهو إلا نتاج فجوة داخليّة لم تستطع ملئها منذ صغرها وظلت تكبر معها دون ادراك منها انها بذلك تظلم نفسها.. وهذا يحدث لمعظمنا فمنا من يتخطى ويصلح ما بداخله ليكمل حياته ويحبها وآخر يستسلم لهذه الفجوة فتزداد ويستسلم لآلامه خلال قرائتي للرواية شعرت ان لكل منا كاميليا بداخله ولم أشعر بالملل فطريقة ربط الاحداث ووصف كل شعور كان عميقا ويجعل من يقرأ أن يسرح بخياله ويتصور مايحدث داخل كاميليا كانها صورة مرسومة لا تتوقفي أبدا عن الكتابة🤍