هناك أسئلة لا إجابة لها سوى الصمت؛ تلك الأسئلة الكامنة في نقطة تقاطع الدوائر الفلسفية الثلاث: حدود الوجود، وحدود العقل، وحدود القيمة. فالصمت هو الاسم الذي يقاوم الفناء لأنه يشير إلى المحتجب لأن حروفه مولودة من تزاوج ضرورة الوجود واستحالة الإدراك والتعبير عما هو ذو الغيرية التامة، كأنه جدار مصنوع من الفراغ.
ولما كان الشكل الأنطولوجي للمحتجب هو وجوب الوجود، والشكل الماهوي له هو الغيرية التامة، والشكل اللغوي له هو الصمت، والشكل الجمالي له هو الجلال، والشكل الأخلاقي هو القيم المطلقة، والشكل المعرفي له هو الجهل، والشكل المنطقي له هو التناقض، فقد لزم عرض التطور التاريخي للصياغات الفكرية واللغوية والجمالية لهذه الأشكال المختلفة، وبيان كيفية تشابك هذا النسيج في بنية الميتافيزيقيا بواسطة التحليل المنطقي والإبستيمولوجي للنصوص الفلسفية واللاهوتية كما كتبها أصحابها، حتى نعرض بشكل دقيق الشذرات الأصلية المتأرجحة بين اللغة والصمت، ونكشف حدود مساحات اللاهوتين الإثباتي والسلبي فيها.
يستعرض هذا الكتاب تاريخ محاولات هروب الإنسان من قيود اللغة حتى يتسنى له التعبير عن ذلك الذي يفتننا ويدعونا لسبر أغواره، رغم أنه يردنا دومًا على أعقابنا خائبين بحكم أن الصمت هو صدى العدم الذي يقتل الكلمات، لتوجد من جديد في طوافها الأبدي حول المحتجب. لكن في النهاية، "ما ضرر نظرة واحدة أخيرة؟".
"إني أحدثك لترى" في رحلة فلسفية عميقة وممتعة من الكلمات والحروف المكتوبة من النور يحدثنا علي رضا عبر صفحات كتابه "تجليات المحتجب" عن كيف يتجلى الله للفلاسفة، والمتصوفة، وعموم الناس. كيف يرى الإنسان الله؟ أبعين العقل، أم عين القلب، أم كلاهما؟ فيأخذنا في رحلة حيث تلتقي الفلسفة بالتصوف، ويتقاطع العقل مع القلب.
الكتاب أشبه بسفر روحي وفلسفي، يبدأ من السؤال وينتهي عند الصمت، من البحث وينتهي إلى التجلي. يخاطب الكاتب القارئ بلغة تنبع من النور، لا لتجيب عن الأسئلة فقط، بل لتوقظ السؤال ذاته فيك، وتدعوك لتعيد النظر فيما ظننته يقينًا، فيتجلى لنا الله سبحانه عند منتهى العقل واللغة والحس، عند صمت الجهل العليم.
يُلامس هذا الكتاب روح القارئ المتأمل، ويُغري كل محب لفلسفة الدين أن يغوص بين الكلمات التي لا تنتهي عند حدود العقل، بل تمتد حتى تلمس الروح وتأخذها إلى مكان غير الأمكنة.
"فيدرك المرء في نهاية رحلته أن السبيل الوحيد لإدراك المحتجب هو نفي إمكانية إدراكه."
الكتاب لا يمنحك إجابات جاهزة، لكنه يوقظ فيك أسئلة، ويفرض عليك طقوسًا خاصة: طقوس من الصمت والتأمل والهدوء العقلي، كي تتذوق المعنى كما يُتذوق الشعر. "سبحان من احتجب عن العقول بشدة ظهوره، واختفى عنها بكمال نوره."
"تجليات المحتجب" ليس كتابًا يُقرأ مرة واحدة، بل يُرافقك كخير جليس، كلما أعدت قراءته تجلى لك معنى جديد.
أطلس حدود العالم الذي يمكن معرفته وأقصى ما يمكن قوله!
"لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟"
يبدأ الإنسان بالسؤال الأكثر جذرية وبديهية، ومنه يحاول أن يجيب على كثير من الأسئلة الأخرى، لكن دون أن يصل إلى إجابة نهائية على السؤال الأول.
تبدو لي محاولات الإنسان للإجابة على هذا السؤال كالانفجار العظيم، ولكن على المستوى المعرفي والجمالي والإيماني.
في هذا الكتاب يرسم لنا علي رضا أطلسًا لطرق عديدة سلكها البشر نحو حدود عالمهم الداخلي والخارجي للإجابة على هذا السؤال.
ولأن الكتاب يتناول الأسئلة التي صاغها الإنسان عن أصل ومنتهى وجوده الملغز، فهو كتاب في فلسفة الدين.
ولعجزنا عن وصف ما لا يمكن وصفه، فلا نميّزه في تفكيرنا إلا بضده وبما يعبّر عن جهلنا؛ بأوصافٌ أساسها النفي والتنزيه، لذلك هو كتاب عن اللاهوت السلبي.
ولتنزيه ما لا تدركه عمّا عداه، عليك أن تستعد لخوض رحلة طويلة مع الكتاب تمثّل روح الحضارات الإنسانية، تتلمّس خلالها قيود اللغة التي تقع في التناقض، وأغلال العقل الذي يحار، وصولًا إلى حدودك، حدود عالمك.
لهذا كان طريق معرفة الله هو نفسه طريق معرفة النفس. واتجاهك نحو «المحتجب فوق هذا العالم» لن يكتمل إلا بتحديد دقيق لحجابه، أي عالمك وكل ما تعتقد أنك تعرفه بشكل ثبوتي إيجابي!
**أوجه الاحتجاب السبعة:**
- «الوجه الأنطولوجي/البنية النظرية الشاملة للوجود»: ارتباط المحتجب بالسبب الأول لكونه «واجب الوجود». - «الوجه الماهوي/طبيعته الجوهرية»: استحالة الإحاطة بجوهره لكونه «ذا الغيرية التامة». - «الوجه اللغوي»: عجزُنا عن التعبير عنه يؤدّي بنا إلى «الصمت». - «الوجه الجمالي»: لِما يثيره من رهبة وانبهار لكونه «الجليل». - «الوجه الأخلاقي»: حدود «القيم المطلقة» للسلوك الإنساني. - «الوجه المعرفي»: لكونه حدّ قدراتنا العقلية على الإدراك. - «الوجه المنطقي»: وقوعُه على حدود معرفتنا وجهلنا يوقعنا في «التناقض».
الكتاب طواف من سبعة فصول تتبع أوجه المحتجب السبعة، في نصفه الأول المكوَّن من ثلاثة فصول لثلاثة أسئلة كبرى عن المعرفة والجمال والدين، ثم في نصفه الثاني أربعة فصول عن تسع ديانات وفلسفات مختارة، وهي: (الهندوسية، والبوذية، والطاوية، والزن، والدين المصري القديم، واليهودية، والفلسفة الإغريقية، والمسيحية، والإسلام).
يرصد الكتاب خلال فصوله اصطدام البشر، نظريًا وتاريخيًا، في كل عصر وكل ثقافة، بالجدار الشفاف المُغوي لحدودنا البشرية في الفهم والوصف.
يطوف بين حضارات وشعوب متفرّقة في المكان والزمان، ولكن يمرّ كلٌّ منهم على نقطة ثابتة كأنها اختبار يشهده، فيقول كلمته ويرحل. إنها نظرة الإنسان الشجاعة إلى الهاوية، والتحديق فيها، والتأمل الطويل في فراغها الساحق للعقل؛ شجاعةٌ سيكون البديل عنها انسحاقًا أمام حياة يومية مؤلمة بنشواتها الزائلة، يحيطها الموت؛ ليس فقط ذاك الذي نتذكّره عند فراق الأحباب، بل حتى بانقضاء اللحظات نفسها وهلاك الأشياء. من دون الإيمان بالواحد الذي لا يمكن الإحاطة به تنهار الكرامة البشرية تحت وطأة اللامعنى، وتنتكس إلى حيوانية انفعالية للألم واللذة، تتلهّى بالسُّكر.
خبطات وشطحات واصطدامات البشر بحدودهم تركت آثارها جراحًا؛ محاولة علاجها أنتجت الحكمة، وتأوّهاتٍ تحوّلت إلى موسيقى سماوية وآداب وفنون تطبع على شعور المتلقي ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه: ثقب أسود واحد معكوس، في اتجاه العالم وليس إلى خارجه، سالب الأوصاف ومنشئها في آن واحد!
ولأن الجدار الشفاف لحدود العالم والعقل يعكس صورة من يقف أمامه، فلا ينطبع على شعور الناظر إلا «الفراغ»، ولا يمكنه التعامل مع حسرته إلا بتواضع التفويض الصامت.
صمتُ الجاهلِ العليمِ بعجزه في حضرة الهيبة. غير أنّ الإيمان يحوّل تلك الحسرة إلى سكينة!
الكتاب متناغم في تصميمه مع محتواه بشكل لافت. يبدأ بالصمت وينتهي به، راسمًا حلقة مفرغة. فبين دفتي الصمت (حوالي 540 صفحة) تَعرض محاولة شجاعة وفريدة تتضفّر فيها مئات الاقتباسات الفلسفية والأدبية والأشعار مع شرح وتعليق الكاتب في نسيج واحد غزله «علي رضا» بصبرٍ لنحو عشر سنوات، ليستعرض أطلس قصتنا مع المقدّس المحتجب.
يبدأ الكتاب بالصمت، لكنه ليس في الفصل الأول بل في المقدمة. كأن الصمت/المقدمة هما الصفر الذي يبدأ منه الكتاب، والذي يعني حرفيًا «الفراغ» في السنسكريتية، حيث اخترع الهنود الصفر. الفراغ في ثقافتهم يمثّل دائرة الحياة أو «ثعبان الخلود» (أوروبوروس)، الذي يرمز إلى الدورة الأبدية بين الوجود والعدم.
في حين كانت نقطة الصفر في المقدمة هي الصمت، جاء الفصل الأول بترتيب منطقي مفهوم؛ إذ يبدأ بأول عتبة بعد الصمت، وهي الموسيقى: الدرجة التي تلي الصمت وتسبق الكلام وتخاطب الشعور.
رغم محدودية قدرة الإنسان على التعبير، فإنه لا يكفّ عن الكلام وإصدار الأصوات مهما كان الأمر!
بعد الصمت والموسيقى يأتي الحديث عن السؤال الجمالي للجليل والشعور العارم بالغموض والرهبة، والذي يحيلنا إلى السؤال الديني والإيمان!
يخيَّل للوهلة الأولى أن الكتاب كبير الحجم، لكن بعد القراءة ستدرك أنه تلخيص مكثّف لموضوعه. فالكتاب الطموح بتعدّد مواضيعه وتشعّب نقاطه كان بمقدوره -في تقديري- أن يتحوّل بسهولة، وربما بمجهود أقل، إلى سلسلة من عدة كتب:
- كتاب يؤسّس نظريًا من خلال السؤال المعرفي والجمالي والديني. - وكتاب آخر يستعرض تجلّيات المقدّس المحتجب في أربع تصنيفات كبرى للأديان. - وكتيّب آخر نقدي بالأساس يظهر في صدر الصفحات أحيانًا وينشط في الهوامش أحيانًا أخرى، أسمّيه: «تخفيات السافر»: نقدٌ للفلسفات المادية والرؤية الميكانيكية للوجود الناتجة عن التجريبية العلموية.
مقدمة الكتاب مهمة جدًا؛ فهي جذرُه الذي يوضح أصله وخريطته وسبب تأليفه. بدونها قد يتوه القارئ في متن الكتاب وموضوعاته المتشعّبة ونقاطه الكثيرة بين مئات الاقتباسات والتعليقات والهوامش التي كادت تحوله إلى موسوعة. أنا شخصيًا قرأتُ المقدمة عدّة مرات.
الكتاب -في رأيي- لا يمكن اختزاله في مراجعة واحدة لكل نقاطه؛ لأنه كما ذكرتُ سابقًا ملخّص شديد الكثافة وأطلس. كما أن الكتاب ليس لقراءة واحدة كما كنت أظن في البداية، حتى لو كانت قراءة متعمّقة متأنّية.
لذلك سأكتفي بعرض أهم النقاط من وجهة نظري وما استخلصتُه من الكتاب:
في كل دين تتفرّع مدارس ومذاهب اللاهوت الإثباتي من شجرة اللاهوت السلبي.
يرسم الكتاب خرائط هذا التفرّع وتقسيماته كشجرة لها جذع عقلاني موضوعي واحد ومشترك، وشبهُ متّفقٍ عليه لأنها سلبية (موضوع اللاهوت السلبي)، بينما الأفرع عقلانيات ذاتية متعدّدة بتعدّد الذوات وتجاربها ومسلماتها الخاصة. وبسبب ذلك ينشأ الصراع -كعادة البشر- بين مساحات الظاهر/الإيجابي والباطن/السلبي.
أشار الكاتب في المقدمة إلى «أننا نحتاج في عالمنا العربي إلى تفهّم تعدّد العقلانيات الذاتية كي نصل إلى نقطة توازن تستوعب الصراع الناتج عن هذا التعدّد والاختلاف»؛ وأنا أظن أن هذا احتياج عالمي وليس في العالم العربي فقط.
في رأيي، من أهم ما يمكن استخلاصه من الكتاب أن المشترك بيننا كمؤمنين من شتّى أشكال الحضارات والثقافات كبير، وربما التركيز على تلك النقطة يصلح كنقطة بداية لتحييد الجانب الإيماني المشترك في الأديان بوصفه سببًا أساسيًا للصراع. وربما يكون السبب الأساسي للصراع هو فشلنا في إدارة اختلاف مسلّماتنا الذاتية الناشئة عن تجاربنا وأحمالنا التاريخية والبيئية.
وهو ما يذكّرني بكتاب «أبناء إبراهيم» لـ كيلي كلارك -الذي شارك في ترجمته الكاتب علي رضا- لأنه يتمحور حول نقطة مشابهة ولكن فيما يخص الرسالات السماوية الثلاث.
من النقاط المهمة الأخرى التي يظهر بعضها في النص الأساسي للكتاب ويحتجب بعضها في هوامشه -والتي أسمّيها «تخفيات السافر» عكس «تجليات المحتجب»- ما ينبغي أن يكون الصراع الحقيقي بدلًا من صراعات الأديان مع بعضها البعض؛ وهو الصراع القيمي والأخلاقي مع الإلحاد المادي.
يقول علي رضا في المقدمة إنه كتب الكتاب حتى لا يشعر أنه وحده المحمَّل بتلك الأفكار، وأن هناك الكثيرين حوله يشاركونه إياها. أظن أنه سيُحتفى بالكتاب مع مرور الوقت، خصوصًا إذا تُرجِم لاحقًا، لأن رؤى العالم المتصارعة ليست مقصورة على العالم العربي فقط كما أشار في المقدمة.
أصعب الأجزاء في القراءة -بالنسبة لي- هي الأجزاء النظرية الثلاثة الأولى: السؤال المعرفي، والسؤال الجمالي، والسؤال الديني، لكنها -في رأيي- كانت الأساس في ترتيب عرض الكتاب.
مما قرأتُ في الكتاب، وأظن أني سأكرّر قراءتها كثيرًا: الأجزاء الخاصة بفلسفة «الزنّ والتاو»، و«من الكتاب إلى الصفحة البيضاء»، والجزء الأخير الخاص بالتصوف في الإسلام، خصوصًا النفّري، الذي يُعدّ تطبيقًا للجزء النظري المذكور في مقدمة الكتاب، مما يجعل الكتاب يشبه الحلقة.
الكتاب يمثّل تحدّيًا للقارئ غير المتخصص أو غير العليم بالمصطلحات الفلسفية، لكنه لا يخلو من الفائدة لمحبي الاطلاع والتعمّق أكثر في فلسفة الدين وتتبع انعكاسات وتدفّقات المقدّس عبر التاريخ البشري، والفائدة أكبر للمتديّن حيث يضيف الكتاب بُعدًا خاصًا لتجربته الدينية.
أشبه تجربتي لقراءة هذا الكتاب بتجربة مشاهدة ألبوم صور خلّابة مباشرة من نيجاتيف فيلم كاميرا قديمة!
لكن في كل مرة كنت أتوقف فيها عن قراءة الكتاب كنت أقول لنفسي -على رأي الكاتب-: «ما ضرّ نظرةً واحدةً أخرى؟»