هذا كتابٌ عن المقريزي (766-845هـ)، أكبر مؤرِّخي مصر الإسلامية في عصرها الوسيط غيرَ مدافع، يتناول سيرته بالدرس الوافي والتحليل المستفيض؛ فيتناوله مؤرخًا عمرانيًّا، وكاتبًا ناقدًا، ووطنيًّا غيورًا، تقطر نفسُهُ ألمـًا وحزنًا على ما آل إليه حالُ بلده الذي نشأ فيه وحالُ أهلها الذين عاش بينهم، في زمن لم يكن قد تبلور فيه بعدُ مفهومُ الوطنيةِ بمعناها الحديث. وقد حاول مؤلِّفُ هذا الكتاب ما وسعته المحاولةُ أن يستوعب هذا الموضوع من أطرافه المختلفة، فبسط القول في سيرة حياة المقريزي على اختلاف شعابها وتنوع مناحيها، وأطال النَّفَس في تحليل علاقته بالسلطة المملوكية إقبالًا عليها وتعلقًا بها تارة، وعزوفًا عنها وانتقادًا لها تارة أخرى، وتوقَّف مليًّا أمام مؤلَّفاته ولا سيما كتابه الفذ «الخطط»، وألمَّ بالأثر الضخم الذي تركه المقريزي في الوجدان المصري المعاصر عند كُتَّاب الخطط، وعلماء الآثار، ومبدعي الأدب شعرًا وقصة ورواية.
هو مؤرخ معماري ومهندس معماري من مواليد دمشق، يشغل وظيفة أستاذ الآغا خان للعمارة الإسلامية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، كامبردج، بولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية. يشتمل اهتمامه العلمي على البحث في تاريخ وثقافة العمارة والفن الإسلاميين، وبشكل خاص الفترات الأموية، والأيوبية والمملوكية، وحداثة القرن التاسع عشر، وتاريخ العمران الكلاسيكي والعربي والإسلامي، وعلى دراسة آليات البحث التاريخي نظرياً ونقدياً، خاصة من منظور الدراسات مابعد-الاستعمارية والاستشراق، وتطبيقاتها في تحليل العمارة التاريخية والمعاصرة في العالمين العربي والإسلامي. له بحوث عديدة في الدوريات والموسوعات المتخصصة والكتب المجموعة وبعض المجلات والصحف العربية وعدد من مواقع الانترنت، عن العمارة الإسلامية وتاريخ القاهرة والتاريخ البيئي والاستشراق.
هذا كتابٌ من نوعية الكتب التي تقرأها على مهلٍ، لا لصعوبتها، ولكن لأنك تتمنى ألا ينتهي! وعندما تنهيه، تتمنى أن يُتاح لك الوقت لكي تقرأه مرة أخرى، لتهضم ما حفل به من معلوماتٍ ومناهجٍ للبحث التاريخي. والكتاب وإن سار بقارئه بشكلٍ سلس ليناقش قضاياه المختلفة، فهو في الوقت ذاته مليء بالإحالات إلى مصادرٍ ومراجعٍ مختلفة، الكثير منها دراسات أجنبية تتجاوز دراسة المقريزي وعصره ومعاصريه، إلى النقاش حول المؤرخين وحول فلسفة التاريخ وماهيته، مما يوضح المجهود الجبار المبذول في جمع مادته، ونسج خيوطه وفكرته. يتتبع هذا الكتاب حياة المقريزي الشخصية والمهنية والفكرية، ليس فقط من خلال تراجم المؤرخين المعاصرين له عنه، والدراسات التاريخية المختلفة عن المقريزي وعصره ومعاصريه، وإنما أيضاً من خلال استقراء شخصية المقريزي وروحه من خلال نصوص كتبه ذاتها، وبالأخص كتابه " درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة"، وهو كتابٌ في التراجم يتميز عن غيره من كتب التراجم بأنه مختصٌ في غالبه بمن عرفهم المقريزي بشكلٍ شخصي، وكان لهم أثرٌ في حياته، فدون ذكرياته عنهم، وعبر عن ذلك بشكلٍ عاطفي في مقدمة الكتاب فقال: "وبعدُ، فإني ما ناهزت من سنّي الخمسين حتى فقدتُ معظم الأصحاب والأقربين، فاشتدّ حزني لفقدهم، وتنغص عيشي من بعدهم، فعزّيت النفس عن لقائهم بتذكارهم، وعوّضتها عن مشاهدتهم باستماع أخبارهم، وأمليتُ ما حضرني من أنبائهم في هذا الكتاب ومن ذكرهم، فطاب، وسميّته: (درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة)، وهو في الحقيقة ذكري معاهد الأحباب وتذكّر عهد الشيخة والأصحاب."، فهو كتابٌ يسرد الذكريات الشخصية بما يسمح بالتعرف على شخصية المقريزي وسبر أغواره. من جانبٍ آخر، فهذه الدراسة توضح لم كان المقريزي متميزاً كمؤرخ عن أقرانه ومعاصريه، أخذاً في الاعتبار أن عصره كان امتدادًا لظاهرة العلماء الموسوعيين، أي العالم الفقيه الحافظ المفسر والمؤرخ، وإن كان المقريزي من ضمن من جعلوا صفة المؤرخ تغلب على بقية أعمالهم. فالتاريخ بالنسبة للمقريزي ليس مجرد سرد بارد محايد للأحداث، بل لابد للمؤرخ من نقد الرواية بمعايير أشبه بمعايير علماء الحديث - وهذا موضوعٌ قد استفاض فيه أسد رستم في كتابه العظيم مصطلح التاريخ – ولابد للمؤرخ من التعليق على الحدث وذكر رأيه، وخصوصاً إن كان ناقلاً حدثاً يتقاطع مع أحاسيسه الدينية والوطنية. وقد عرض الكاتب نماذج من مناقشة المقريزي لعدد من القضايا، وتفنيده بالأدلة والبرهان لها – كقضية نسب الخلفاء الفاطميين – مع تسامحه في عرض الرؤى المختلفة ولو كان مختلفاً معها، أو كانت متصادمة مع قناعاته. ويكاد يكون مفتاح منظور المقريزي لوظيفة المؤرخ، هو هذه العبارة التي نقلها السخاوي عن المقريزي، والتي يقول فيها: "من أرخ فقد حاسب الأيام على عمره، ومن كتب حوادث دهره فقد أشهد عصره من لم يكن من أهل عصره، فهو يهدي إلى الفضلاء أعماراً، ويبويء أسماعهم وأبصارهم دياراً ما كانت ديارا. وقال الشريف الرضي: فاتني أن أرى الديار بعيني.....فلعلي أرى الديار بسمعي" وننقل شرح د.ناصر الرباط لهذه العبارة كما هو، فيقول: "هذه العبارة الموجزة تضع المؤرخ في خضم التاريخ الذي يدونه وينقله، وتجعله مقرراً لما يثبته عن عصره، وفي هذا شيء من الحساسية الشخصانية أو الذاتية ما بعد الحداثية وما بعد البنيوية، وإن كنا سنحاول تجنب الوقوع في فخ المغالطة التاريخية في تحليلنا لهذه العبارة – المفتاح، بألا ننعتها بأي شيء يقربها من مفاهيمنا للتاريخ اليوم، ولكننا مع ذلك يجب علينا ملاحظة أن المقريزي في هذه العبارة المحكمة والمقتضبة يرفض أن يضع المؤرخ خارج التاريخ الذي يدونه، أو أن يضفي عليه صفة الحيادية والموضوعية المتجردة والمتعالية كما يرغب كثيرٌ من المنظرين الوضعيين في عصره وبعده، بل إن مؤرخ المقريزي منفعلٌ وفاعلٌ في الآن نفسه، فهو "يحاسب الأيام على عمره"، أي أنه يعتبر حياته هو جزءاً من عرضه لماجريات زمانه. وأنا لا أعتقد أن المقريزي يقصد هنا فعل المحاسبة بمعناه المباشر والبسيط، أي التعداد والإحصاء، بل يقصد منها معنى وجودي على الغالب نابع من المحاسبة بمعنى مراقبة الذات، فهو على ما نظن يقترح هنا ان المؤرخ يتماهى مع تدوينه لأخبار عصره بحكم انتمائه إلى ذلك العصر وتفاعله مع أحداثه وأفكاره ومعتقداته، وهو يتدبر ويعتبر من تدوينه هذا ويفحص الأمور ويقدرها ويزنها من منطلق شخصه أو فرديته في سياقها التاريخي أو عصرها." ثم يذكر الفائدة المرجوة من قراءة التاريخ من وجهة نظر المقريزي، فيقول: "وهناك بعد ذلك فائدة التاريخ، وهي ليست خارجة عن كيان القاريء نفسه، وفق تعريف المقريزي هذا، إذ أن المؤرخ يُهدي الفاضل، أي المتنبه والعالم، من قرائه "أعماراً"، أي يضيف إلى تجاربهم الشخصية وإلى وعيهم بهذه التجارب تجارب أخرى سابقة ينقلها هو إليهم في تاريخه، ويسمح لهم بضم هذه التجارب إلى زادهم من التجارب الشخصية، وبتعبيرٍ آخر، فهو يضيف إلى أعمارهم عمرهُ هو، بمعنى أنه يضيف إلى وعيهم وعياً، وإلى تجربتهم تجربة." وقد سعدت بهذا الوصف بشكلٍ شخصي، لأني كنت أستخدم نفس المفردات في مقالاتٍ سابقة للتعبير عن تأثير قراءة التاريخ والإطلاع على السير الذاتية، بكل ما تحويه من تجارب وخبرات إنسانية متجاوزة للعصر. وسيجد القاريء فرصة خلال رحلته مع هذا الكتاب لمزيدٍ من الدربة والألفة مع علوم المخطوطات، وبشكلٍ شخصي، فقد أجابني الكتاب عن سؤالٍ طالما سألت به نفسي، فمن يعلم أحجام كتب التاريخ الموسوعية المطبوعة (كتاريخ الطبري، أو الكامل لابن الأثير، أو البداية والنهاية لابن كثير ..وغيرها) يستطيع أن يتخيل حجم هذه الكتب وهي منسوخة بالبيد، ومقدار الوقت الذي يستغرقه إعداد النسخة الواحدة، وتكلفة ذلك، لدرجة أن النسخة كانت تُعد في الأساس لتوضع في خزانة سلطانٍ أو أميرٍ أو وزيرٍ أو أيٍ من المقتدرين، فكيف كان للعلماء القدرة على اقتناء هذه الكتب في دورهم، وكيف وجدوا المساحة والمجال لتخزينها، وعلى أي كيفية كانت مكتباتهم الشخصية؟ فتبين لي من خلال القراءة أن العالم إن لم يكن يمتلك النسخة، فإنه كان يستعيرها أو يطلع عليها عند صاحبها، وعندما كان ينتهي من إطلاعه عليها، فإنه كان يترك توقيعه على غلاف النسخة، محدداً في الأغلب تاريخ فراغه من القراءة، وداعياً لصاحب النسخة والمؤلف، وأحياناً كان يضع بعض تعليقاته على هوامش الكتاب. وفي الوقت ذاته، فإن العالم كان يدون ملحوظاته فيما هو أشبه بالكشكول يسميه (المجموع)، يضمنه ملخص أهم ما اطلع عليه، أو نقولاتٍ كاملة لما يرى أنه يحتاجه كمادة يضمنها كتبه، وقد بقيت لنا نماذج من هذه المجاميع لتنقل لنا ليس فقط كيفية جمع المادة العلمية، بل ليتضح من تواريخ النقول التاريخ التقديري لإعداد العالم لكتابه، ومن السابق ومن اللاحق، ومن أخذ عن من، ومن انتحل عمل غيره...إلخ. ويخصص الكاتب الفصل الأخير للحديث عن درة إنتاج المقريزي وأشهر أعماله (الخطط)، وبعد الحديث عن فن الكتابة عن الخطط فيمن سبقه، تحدث عن خصوصية هذا العمل ما بين التأريخ للأحداث والتأريخ للعمران، وتتبدى أهمية العمل في توثيقه لمعالم القاهرة التي تتغير باستمرار تبعاً لما يشيده السلاطين والأمراء على أنقاض من سبقوهم، وفي الوقت ذاته الحفاظ على صورة القاهرة التي نشأ فيها، والتي بدأ الخراب يسارع إليها نتيجة سوء السياسة المملوكية وانحدارها، فهذا العمل يُعد (موئلاً للذاكرة)، وقد تأثر المقريزي بأستاذه ابن خلدون في نظرته للعمران من خلال مقارنة وضع المدينة المعماري والاقتصادي والسكاني بوصفه "انعكاساً لوضع السلطة في الحقب المتوالية للسلالات المختلفة التي حكمت مصر، ليصل إلى إدانة كاملة لتدهور الأوضاع تدهوراً لا أمل في إصلاحه في عصره على يد المماليك البرجية." ويحلل المقريزي رأيه في أسباب تدهور السلطة المملوكية من خلال استعراض النظام المملوكي الصارم والدقيق الذي وضع قواعده الآباء المؤسسون مثل بيبرس وقلاوون، "هذا النظام الذي أفرز تراتبية محكمة لا تسمح للفرد المملوك بالترقي إلى رتبة الإمارة إلا بعد مروره بمراحل تدريبية عسكرية ودينية وأدبية متعددة وصارمة بحيث تكون أخلاقه قد تهذبت، وكثرت آدابه، وامتزج بتعاليم الإسلام وأهله بقلبه، واشتد ساعده في رماية النشاب وحسن لعبه بالرمح، ومرن على ركوب الخيل..."، ثم يقارن ذلك بتغير الأحوال بدءاً من أيام الظاهر برقوق الذي "رخص للمماليك في سكنى القاهرة وفي التزوج، فنزلوا من القلعة ونكحوا نساء أهل المدينة وأخلدوا إلى البطالة ونسوا تلك العوائد، ثم تلاشت الأحوال في أيام الناصر فرج بن برقوق...وبقى الجلب من المماليك إنما هم من الرجال الذين كانوا في بلادهم ما بين ملاح سفينة ووقاد في تنور ونحو ذلك، واستقر رأي فرج بن برقوق على أن تسليم المماليك للفقيه يُتلفهم، فتركهم وشأنهم، فُبدلت الأض غير الأرض، وصارت المماليك السلطانية من أرذل الناس وأدناهم وأخسهم قدراً وأشحهم نفساً وأجهلهم بأمر الدنيا وأكثرهم إعراضاً عن الدين، ما فيهم إلا من هو أزنى من قردٍ وألص من فأرة وأفسد من ذئب..فلا جرم أن خربت أرض مصر والشام بسوء إيالة الحكام وعبث الولاة وسوء تصرف أولي الأمر". ولا ريب أن هذا النقد اللاذع الذي كتبه في ظل سطوة المماليك دون أن يبالي بما قد يتعرض له من أذى منهم، ينم عن شجاعة، كما ينم عن شدة أساه وحزنه لما آل إليه حال مدينته ووطنه. والحقيقة أن قراءة الفقرات الماضية تثير الشجون، وخصوصاً عند المقارنة مع الواقع الحالي، فما أحوجنا إلى خطط مصرية معاصرة توثق معالم القاهرة والاسكندرية وغيرها، التي تغيرها عمليات (التطوير). وما أجدرنا ونحن نتأمل مسار صعود وانكسار النخب الحاكمة على مدار التاريخ، والسنن التي تتبعها، أن نأخذ العبرة من كون أحد أهم عوامل الخراب هو انحراف النخبة الحاكمة، وانشغال النخبة العسكرية بالاقتصاد على حساب وظيفتهم الأساسية، وقد رأينا نتاج ذلك في التاريخ القديم، والحديث. وهذه الدراسة في استعراضها لحياة المقريزي ووزنه كمؤرخٍ مصري، تعرض في الوقت ذاته صورة للحياة السياسية والفكرية لمصر في القرن التاسع الهجري، وتحديداً في النصف الأول من دولة المماليك البرجية، وتعطي صورة للقاريء عن جوانب شخصية لأسماء هي من أعلام الفقه والحديث والتاريخ، لكن مسيرة حياتها الحافلة بالانتاج العلمي والفكري الذي عاش حتى أيامنا هذه، لم يخلُ في الوقت نفسه من أدرانٍ كان عمادها السعي إلى المناصب والوظائف في سلك الدولة، والصراع عليها، فكان هذا يقتضي أن يبحث العالم لنفسه عن راعٍ، وأن يتزلف لبعض الأمراء – وربما السلطان إن استطاع إليه سبيلا – لكي يحظى بوظيفة في أحد الدواوين، أو أن يلي القضاء أو التدريس بإحدى المدارس، مع ما يصاحب هذا من تنافسٍ قد يُلجيء إلى استعداء بعضهم للسلطة على البعض الآخر، ووجود مشاعر الغيرة والحسد بينهم، إلا من رحم ربي. وقد دار المقريزي في دوامة التنافس على المناصب في مطلع حياته، بل إن الكاتب يفسر تحوله لمذهب الشافعية مخالفاً لأبيه الحنبلي وجده الحنفي بأنه وسيلة للإندماج في الوسط العلمي السائد في مصر حينئذِ والصعود فيه، بالرغم من ميوله الظاهرية. ثم انعزل المقريزي عن الحياة العامة وتفرغ للكتابة والدرس والتأليف، وترك لنا مشروعه التاريخي الذي كان تاريخ مصر هو قلبه وعماده، والذي أفرغ في كتابته كل عاطفته ووجدانه، وظهر فيه أسفه على أحوال مصر، وعلى ما وصلت إليه أحوال أهلها من جراء فساد النخبة العسكرية المملوكية الحاكمة. وأختم كلامي بالإشارة لكتابٍ آخر، هو (صلاح الدين وإعادة إحياء المذهب السني)، فبالرغم من محاولة كاتبه د.عبد الرحمن عزام التزام الموضوعية والمنهج العلمي في تناوله لشخص صلاح الدين، فإنه على حد تعبير المترجم د.قاسم عبد قاسم قد وقع في غرام صلاح الدين، وهو أمرٌ غير مستنكر على شخصيةٍ فذة كهذه، والذي أراه أن د. ناصر الرباط من طول معايشته للمقريزي، ومن كثر ما وجد في ثنايا عبارات المؤرخ الكبير من عاطفة متقدة تجاه وطنه وأمته، قد وقع بدوره في غرامه كذلك، ربما ليس فقط لشخصيته المتميزة، ولكن أيضاً كفرعٍ من غرامه بمصر الإسلامية.