فقد أراد الذهبي – رحمه الله- أن يجلي في رسالته ماهو دخيل على العلم .. والزغل هو : الشئ المغشوش.. تقول هذا خال من الزغل.. أي : خال من العيب. استعرض الذهبي في رسالته جمعا من العلوم و بين مادخلها من الزغل والدخن.. وكذا استعرض بعض النقص الحاصل لبعض من تخصص في بعض هذه العلوم. ابتدأ بالقراء وبين أن في بعضهم تنطع زائد وغفل عن تدبر القرآن والاستعاضة عنه بتحرير مخارج الحروف، ثم ثنى بالمحدثين ثم بالفقهاء.. وهكذا إلى آخر الرسالة.
هو أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبدالله التركماني الأصل الفارقي ثم الدمشقي شمس الدين الذهبي .
نشأته : ولد الإمام الذهبي في اليوم الثالث عشر من شهر ربيع الآخر سنة (673)هـ- بدمشق وسمع بعد التسعين وستمائة وأكثر عن ابن غدير وابن عساكر ويوسف الغسولي وغيرهم ثم رحل إلى القاهرة وأخذ عن الأبرقوهي والدمياطي وابن الصواف والقرافي وغيرهم وشيوخه في السماع والإجازة في معجمه الكبير أزيد من ألف ومائتي نفس .
ثناء العلماء عليه : الإمام الذهبي يعتبر مؤرخ الإسلام وقد لقب بذلك كما أنه أحد أعلام الحفاظ الذين برزوا في علم الحديث رواية ودراية فلا عجب أن يكون محل ثناء الخاص والعام ولا غرو أن تنطلق الألسنة بذكره بالجميل وقد أتى بالجميل الجليل .. وقد قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: "الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام وشيخ المحدثين وقال: وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه" .. وقال ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات : الشيخ الإمام العلامة الحافظ حافظ لا يجارى ولافظ لا يبارى أتقن الحديث ورجاه ونظر علله وأحواله وعرف تراجم الناس وأبان الإبهام في تواريخهم والإلباس .
جمع الكثير ونفع الجم الغفير وأكثر من التصنيف ووفر بالاختصار مؤنة التطويل في التأليف، وقال أبو المحاسن الحسيني في ذيل تذكرة الحفاظ: "الشيخ الإمام العلامة شيخ المحدثين وقدوة الحفاظ والقراء محدث الشام ومؤرخه ومفيده" . وقال: "وخرج لجماعة من شيوخه وجرح وعدل وفرع وصحح وعلل واستدرك وأفاد وانتقى واختصر كثيراً من تأليف المتقدمين والمتأخرين وكتب علماً كثيراً وصنف الكتب المفيدة " . وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية: "شيخنا وأستاذنا الإمام الحافظ محدث العصر" ، وقال الشوكاني في البدر الطالع: "الحافظ الكبير المؤرخ صاحب التصانيف السائرة في الأقطار" .
وقال ابن حجر في الدرر الكامنة: "ومهر في الحديث وجمع فيه المجاميع المفيدة الكثيرة حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفً وجمع تاريخ الإسلام فأربى فيه على من تقدم بتحرير أخبار المحدثين خصوصاً". وقال البدر النابلسي: "كان علامة زمانه بالرجال وأحوالهم حديد الفهم ثاقب الذهن وشهرته تغني عن الإطناب فيه". وقال السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ: "الإمام الحافظ محدث العصر خاتمة الحفاظ ومؤرخ الإسلام وفرد الدهر والقائم بأعباء هذه الصناعة" وقال: "والذي أقوله: إن المحدثين عيال الآن على أربعة: المزي والذهبي والعراقي وابن حجر.." قال أبو المحاسن الحسيني: "وكان أحد الأذكياء المعدودين والحفاظ المبرزين".
آثاره : وقد خلف الحافظ الذهبي للأمة الإسلامية ثروة هائلة من المصنفات القيمة النفيسة التي هي المرجع في بابها وعظمت الفائدة بهذه المؤلفات ونالت حظاً كبيراً من الثناء وكان لها القبول التام لدى الخاص والعام. قال الشوكاني في وصفها: وجميع مصنفاته مقبولة مرغوب فيها رحل الناس لأجلها وأخذوها عنه وتداولوها وقرأوها وكتبوها في حياته.. وطارت وقرأوها في جميع بقاع الأرض وله فيها تعبيرات رائعة وألفاظ رشيقة غالباً لم يسلك مسلكه فيها أهل عصره ولا من قبله ولا قبلهم ولا أحد بعدهم .. وبالجملة فالناس في التاريخ من أهل عصره فمن بعدهم عيال عليه ولم يجمع أحد في هذا الفن كجمعه ولا حرره كتحريره، قال الحافظ ابن حجر: ورغب الناس في تواليفه ورحلوا إليه بسببها وتداولوها قراءة ونسخاً وسماعاً. وقال أبو المحاسن الحسيني: وصنف الكتب المفيدة فمن أطولها تاريخ الإسلام ومن أحسنها ميزان الاعتدال في نقد الرجال .. وقال: مصنفاته ومختصراته وتخريجاته تقارب المائة وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان انتهى.
ومن أشهر مؤلفاته المطبوعة : كتاب (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) وكتاب (المشتبه في الأسماء والأنساب) وكتاب (العبر في خبر من غبر) وكتاب (تذكرة الحفاظ) وكتاب (طبقات القراء).
وفاته : توفي الحافظ الذهبي ليلة الاثنين ثالث شهر ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة .. وصلّي عليه يوم الاثنين صلاة الظهر في جامع دمشق ودفن بباب الصغير أرخ وفاته بهذا ابن كثير في البداية والنهاية وابن السبكي في طبقات الشافعية.
[الزَّغَلُ : الغِشُّ (المعجم الوسيط) وهو : الشئ المغشوش.. تقول: هذا خال من الزَّغَلُ، أي : خال من الغش والعيب]
استعرض الذهبي في رسالته جمعاً من العلوم، وبيَّن رأيه فيها، وأحوال المهتمين بها في زمانه، كعلم القراءات، التجويد، علم الحديث، اللغة، علم الحساب، الفرائض، علم المنطق، وعلم الشعر، وتكلم عن فقهاء المذاهب الأربعة، وعن النحو إلى غير ذلك من العلوم، وبين أحوال العلماء ومخالفتهم لسلوك الصحابة والتابعين والأئمة الأوائل رحمهم الله، وشدد النكير على المقلدة والجهلة وعلماء السوء.
"فإذا كان هذا الإمام يشكو من علماء عصره، ويتأوه من حالهم، فما نقول نحن عن زماننا هذا وعلمائه؟! "
الأسلوبُ الماتعُ وهذه اللغةُ التراثيةُ السيالةُ التي يكتبُ بها الذهبيُّ لهوَ مما يشدني ويعجبُني للغايةِ. صنيعُ الإمامِ الذهبي في كتابِه هذا أنْ ينبه لصنفٍ في كلِّ فن، فمن القراءِ ينقدُ المجودين المبالغين في إخراجِ الحروفِ من مخارجِها والالتفاتِ لكل حركةٍ في الكلماتِ متغافلينَ عن الإلتفاتِ لمقصودِ ما يقرأونَ وفهمِه وتمثله، ومن المحدثينَ يذمُّ منْ كان همه السماعُ والروايةُ ولا يلقي بالًا لمعاني كلامِ المصطفى، وهكذا دواليكَ ينحو في كتابِه ويسلكُ، فأغلبُ الفنونِ لها حظٌّ من تنبيهاتِ الذهبي ونقدِه
كُتيِّبٌ قليل الصفحات، حافِلُ المسائل! جعلهُ المحقق ثلاثةَ أقسام:
١- تحقيق الرسالة: وفيه إستهلَّ المحقق بمُقدّمة عَرَّفَ فيها بكلمة "الزغل" لُغةً فانتَهى إلى أنَّها تشتملُ على دلالتين؛ "الصّب دفعا" و "الغِش والخديعة". ثم عَقَّبَ بعدها بترجمةٍ للمؤلف فيها ذَكرَ أهم أخباره وشيوخه ومصنفاته، ثم انتقَلَ إلى ذِكر بعض الحقائق المتعلقة بالرسالة من حيث نسبتها للمؤلف وتاريخ تأليفها والطبعات السابقة منها والنسخ الخطية منها ثم خَتَم بتِبيان منهج التحقيق
٢- دِراسة الكلمات العاثرة التي وُصِفَ بها ابن تيمية في الرسالة: وهُنا .. حاولَ المحقق حَلَّ سوء الذي حدثَ للذهبي عندما نعتَ شيخ الإسلام ابن تيمية بما يأتي: ".. يقولُ ( أي ابن تيمية) الحقَّ المُر، تعتريه حِدة قوية وغضب وشظفٌ للخضمِ، كأنه ليثٌ حَرِبٌ، لا يُلاطف الخصوم، ولايرفُق بهم .."
وفسّرَ ذلك بأن هذا طبعٌ جِبِلي في ابن تيمية، وآثَرَ أن لايُسمّيه غَضبا أو حِدةً، بل عِزة نفسٍ ومهابةٍ امتزجتْ بِحِدة مِزاج على وجهها المَحمود. وعَلَّلَ بِدعوى نعتِه برفع الصوت في المناظرات؛ أنَّ صوته جَهوري بطبعِه، وأنه ردٌ على رفع خصمِهِ صوتَهُ ..
٣- نص الرسالة: وهذا هو مُحتوى الكتاب الأصلي، وفيه عَرجَ الذهبي على عددٍ مِن العلوم جاوزتِ العَشرَ؛ شرعية وغيرها.. وبعد تعريف بسيطٍ للعِلم يورِدُ زُغلَهُ ومايعيبُه مِن سلوكات المنتسبين إلى هذا العِلم مِن المتأخرين، ومن العلوم ماقرَّرَ عدم جدواه بِالأصل كالفلسفة والمَنطِق ..
هذا وأسألُ الله أن لايوقِعني في زَغل كل عِلم أطلُبُه بُغية مرضاته ورِفعة الدرجاتِ لديه
رسالة مختصرة وكتيب صغير الحجم للإمام الذهبي رحمه الله تعالى يمكنك اختصاره في السطر الذي بدأ به كتابه " اعلم وفقك الله تعالى أن في كل طائفة من علماء الأمة ما يُذمّ ويُعاب ، فينبغي أن يتجنب " ثم بدأ بتفصيل ذلك .. ما يعاب على القراء المجودة - الذين يجودون القرآن - القراءة على الجنائز والسمعة والرياء عند بعضهم .. وما يعاب على بعض المحدثين عدم الاهتمام بصحة الأحاديث بل همهم الرواية.. وأما بعض فقهاء المالكية فيُعاب عليهم تساهلهم في الدماء والحنفية استعمالهم للحيل الفقهية .. أما الشافعية مع كون الإمام امتدحهم - وهو منهم - لكن نصح بأن لا يكون قصد الواحد منهم المناصب وبعدم الجدال فيما لا يعتقدونه وهكذا ليتحدث عن النحويين واللغويين والأصوليين والمناطقة والأدباء والوعاظ ونحو ذلك .. بأسلوب يظهر منه تألمه لما يحصل في عصره وهو ناصح مشفق وفي الكتاب حديث عن الشيخ ابن تيمية وانتقاد له مع بيان علمه .. المحقق أبو الفضل القونوي وكعادته .. تحقيقاته جميلة .. بل رائعة .. اعتمد في كتابه على ٦ أو سبع مخطوطات من بينها مخطوطة برلين والذي يعتقد أنها النسخة الثانية من الكتاب وفيها حذف وإضافة وتعديل .. ومع ذلك أثبت في الحاشية ما وُجد في النسخة الأولى - وهي نفسها التي حققها الشيخ العجمي - لكن مع الأسف سقط من المقطع الذي يتحدث عن الفقهاء الحنفية سطر - أو قل بضع كلمات - سهوًا وهي موجودة في نسخة العجمي .. ونقصه يجعل المقطع غير مفهوم .. لكن تعليقاته كعادتها فيها ما لا ينفع مع كونه يحاول أن ينتصر لشيخ الإسلام ونحو ذلك من المسائل .. وقد قدم للكتاب بمقدمة - أتت في نصف حجم الكتاب تقريبا بل أكثر من النصف - عرف فيها بالمؤلف وبالنسخ .. ثم حديث مطول عن الذهبي وكلامه في ابن تيمية .. وفيه شيء من الفائدة لولا أنه طال ..
الكتاب مفيد وجميل وأنصح به ومن الجدير بالذكر أني ما قرأت الكتاب إلا بعد أن قرأت اقتباسا جميلا لأحد الإخوة نقل فيه كلام الإمام الذهبي عن الشافعية
صغير الحجم، فيه واصايا نافعة للعلماء والمتعلمين، وفيه نقد لبعض العلوم، ونقد لصفات تلازم بعض المتعلمين لعلوم معينة، أو المتذهبين بمذاهب معينة.
لا أوافق على بعض ما ذكر فيه من ذم لبعض العلوم، وليس هذا من مزايا الكتاب، إنما ميزته تحريض القارئ على النقد والإبداع وذم التقليد، مع التوصية بالتواضع والعمل بالعلم، وعدم إغفال ترقيق القلب والذكر إلى جانب التعلم.
استمعت للكتاب صوتيًا مع تعليق وشرح الشيخ عبدالعزيز الريّس الشرح مهم لأنه يفكّ بعض الملابسات الخاصة بالكتاب وما حواه
يبيّن الذهبي في هذا الكتاب مشاكل بعض مجالات العلوم الشرعية، فكلمة زغل تعني (غشّ) أو (خداع). فينبّه على بعض الأخطاء التي يقع بيها المحدثون، أو بعض فقهاء المالكية كتسرعهم في الدماء، أو القراء المجودون الذين يتنطعون في قراءاتهم، وما إلى ذلك.
يأتي كل هذا مغلّفًا في لغة جميلة وبديعة يتميز بها الإمام الذهبي رحمه الله. الكتاب قصير جدًا، ولكنه مهم. وشرح الشيخ الريّس جميل ومفيد.
رسالة قصيرة غريبة الموضوع في الكتب، فالذهبي -رحمه الله- يعظُ ويتكلّم عن ما يدخل نفوس طلبة العلوم من الأوهام والأدواء، من كِبر وعُجب وظلم وكذب، وابتغاء الدنيا، كلٌّ بحسب ما يطلبه، وكل علم من أين يدخل داء النفس منه على طالبه. فبدأ بقراء القرآن وكيف ينشغلون عن التدبر والتفهم بالأنغام والتمطيط، ومضى على جميع العلوم، والمذاهب الفقهية، وختمها بمن سلك في الفلسفة والمنطق والشعر والوعظ.
إظن أن الكتب الضغيرة التي يكتبها العلماء، لا تظهر فوائدها إلا بعد تأمل وجمع المتناثر من آراء ذلك العالم ومن ذلك هذه الرسالة، ففي القراءة الثانية تلمحت عدد من الفوائد زاغ البصر عنها في المرة الأولى ..... مقدمة المحقق: ممتازة جدا
رسالة نافعة حوت نصائح ومعالم في طريق طلب العلم وغ، كانت فيها فقرات وكلام أكاد أجزم أنه ليس من كلام الذهبي رحمه الله المعروف بحفظ اللسان والإنصاف والموضوعية ، ولاسيما كلامه في شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى رحمة واسعة ، فهو كلام لا يمكن أن يصدر من تلميذ مع شيخه وإن كان مبتدعا ناهيك عن إمام من أئمة الأثر والسنة..