What do you think?
Rate this book


212 pages, Kindle Edition
First published January 1, 1944
”------------------------
ما شبَّهتُ بعضَ دارسي أبي العلاء إلا بالجرذان التي في قبو الخمر عندي. يقرطون الفلّين والشمع الأحمر، ومتى هُرقت الخمرةُ المعتّقة هربوا مولين الأدبار.
“
—مارون عبود (١٩٤٤)
”
شَققْتُ الأرض بطنها وظهرها من أقصى دياري إلى مصر، وشاهدت الناس بين رجلين: إما منتحلاً لشريعةٍ صبا إليها، ولهج بها إلى الحد الذي إن قيل له من أخبار شرعه أنَّ فيلاً طار أو جملاً باض، لما قابله إلا بالقبول والتصديق، ولكان يُكفّر من يرى غير رأيه فيه، ويُسفِّهُه ويلعنه. فالعقل عند من هذه سبيلُه في مهواةٍ ومضيعة. أو منتحلاً للعقل مبطلاً لجميع ما الناس فيه، مُستخفَّاً بأوضاع الشرائع...
“
—أبو العلاء المعري
والوحش في الفلوات أجملُ عشرةً ... للمرء من أهليه في الأمصارِ
لو قال سِيدُ غَضَا بُعِثتُ بملَّةٍ ... من عند ربي، قال بعضهم نعم
قد ترامت إلى الفساد البرايا ... واستوت في الضلالة الأديانُ
أنا أعمى فكيف أُهدى إلى ... المنهج والناس كلهم عميانُ
أيا دَارَها بالخَيفِ إنَّ مَزارَها ... قريبٌ ولكن دون ذلك أهوالُ
أيا جارة البيت الممنَّعُ جارُه ... غَدَوتُ ومن لي عندكم بمَقيلِ
لغيري زكاةٌ من جمالٍ فإن تكن ... زكاةَ جمالٍ فاذكري ابنَ سبيلِ
في كل أمرك تقليداً رضيتَ به ... حتى مقالُكَ: ربي واحدٌ أحدُ
قد أُمرنا بفكرٍ في بدائعه ... وإن تفكَّرَ فيها معشرٌ لحدوا
إذا كان لا يحظى برزقك عاقلٌ ... وترزق مجنوناً وترزق أحمقا
فلا ذنب يا ربَّ السماء على امرئٍ ... رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا
وينشأ ناشئ الفتيان منّا ... على ما كان عوَّده أبوهُ
وما دان الفتى بحِجًى ولكن ... يعلّمه التّديّنُ أقربوهُ
وجاءتنا شرائعُ كل قومٍ ... على آثار شيءٍ رتَّبوهُ
وغيَّرَ بعضُهم أقوالَ بعضٍ ... وأبطَلَتِ النُّهى ما أَوجَبوهُ
وإذا ما سألتَ أصحابَ دينٍ ... غيَّروا بالقياس ما رتَّبوهُ
لا يدينون بالعقول ولكن ... بأباطيلِ زُخرُفٍ كذَّبوهُ
دينٌ وكفرٌ وأنباءٌ تُقصُّ، ... وقرآنٌ يُنصُّ وتوراةٌ وإنجيلُ
في كل جيلٍ أباطيلٌ يُدانُ بها ... فهل تفرَّدَ يوماً بالهدى جيلُ؟
ما الخيرُ صومٌ يذوب الصائمون به ... ولا صلاةٌ ولا صُوفٌ على الجسدِ
وإنما هو ترك الشر مُطَّرِحاً ... ونَفضُكَ الصّدرَ من غِلٍّ ومن حَسَدِ
سأفعل خيراً ما استطعتُ فلا تُقِمْ ... عليَّ صلاةً يومَ أصبحُ هالِكا
وينفِر عقلي مُغضَباً إن تركته ... سُدًى واتَّبعتُ الشافعيَّ ومالِكا
اثنان أهلُ الأرض: ذو عقلٍ بلا ... دينٍ، وآخرُ دَيّنٌ لا عقلَ له
والعقل يعجب والشرائعُ كلها ... خبرٌ يُقلَّدُ لم يَقِسْهُ قائسُ
متمجّسون ومسلمون ومعشرٌ ... متنصّرون وهائدون رسائسُ
وبيوت نيرانٍ تُزارُ تعبُّداً ... ومساجدٌ معمورةٌ وكنائسُ
والصابئون ينظمون كواكباً ... وطباعُ كلٍّ في الشرور حبائسُ
أنَّى ينالُ أخو الديانة سُؤدداً ... ومآربُ الرجل الشريف خسائسُ
وإذا الرئاسة لم تُصَن بسياسةٍ ... عقليةٍ خَطِئ الصواب السائسُ
إنَّ الشرائعَ ألقت بيننا إِحَناً ... وأورثتنا أفانينَ العداواتِ
وهل أُبيحت نساءُ الروم عن عَرَضٍ ... للعُربِ إلّا بأحكام النبوَّاتِ
تستَّروا بأمورٍ في ديانتهم ... وإنّما دينهم دينُ الزناديقِ
نكذّبُ العقلَ في تصديق كاذبهم ... والعقلُ أَوْلى بإكرامٍ وتصديقِ
إذا أَمِنْتَ على مالٍ أخا ثقةٍ ... فاحذر أخاكَ ولا تأمن على الحُرَمِ
فالطَّبعُ في كلّ جيلٍ طبعُ مَلأمَةٍ ... وليس في الطَّبعِ مجبولٌ على الكَرَمِ
والناسُ يطغونَ في دنياهُمُ أَشَراً ... لولا المخافة ما زكَّوا وما سجدوا
إذا سألوا عن مذهبي فهو بيّنٌ ... فهل أنا إلّا مثلُ غيري أبلهُ
خُلقتُ من الدنيا وعشت كأهلها ... أَجِدُّ كما جَدُّوا وألهو كما لَهُوا
لقد أسمَعْتَ لو ناديتَ حيَّاً ... ولكن لا حياة لمن تنادي