خجلتُ من نفسي، زاد من حُزني أنني وحيد هذه السيدة المسكينة التي كانت فرحة بي لدرجة أنها اشترت لي اللعبة منذ قليل، ، على الرغم من احتياجها لثمنها؛ لكنها تراني رجلها الوحيد بعد موت أبي الذي رحل ذات ليلة، صرخة أُمي أعلنت وفاته، وما لبثت ساعة الحائط في بيتنا أن دقت دقاتها المعتادة، فيما يبدو أنها الأُخري أخذت تصرخ عليه مثل أُمي؛ تلك الساعة التي أصرت أُمي على الاحتفاظ بها على الرغم من تخليها عن أشياء كثيرة من منزلنا لمواصلة الحياة، نظرت فرأيت بندولها يتحرك مع كُل دقة، ومُنذ هذه اللحظة وأنا أتذكر موته كُلما نظرت إلى ذلك البندول.
استعار الكاتب إسم المجموعة القصصية من الأساطير اليونانية القديمة، وحسنًا فعل؛ فمعظم قصص المجموعة " مُلهمة بالفعل. تتألف اهذه المجموعة القصصية من ثلاثة عشر قصة ، وككل المجموعات القصصية يتفاوت المستوى ، لكنني أستطيع أن أقول بضمير مستريح أن أقل قصص هذه المجموعة مستوى يمكن أن توصف بأنها " جيدة" ، وإن كانت معظم قصص المجموعة جيدة جدًا وبعضها رائع بل ومدهش، وفي قراءتي المتواضعة أرى أن درة تاج هذه المجموعة تتمثل في قصة " الراهبة" وتزاحمها عند القمة كلًا من قصتي" التركة" و" نفر العزبة- نيويورك" . أدوات الكاتب مميزة، وله قدرة كبيرة على التركيز حول فكرة محددة في كل قصة والنسج والتنويع حولها بعناية دون أن تفلت منه على مدار القصة ، نلمح ذلك في التنويعات حول " بقعة الدم" في قصة" السرير" حيث يلخص رحلة الحياة كاملة عبر ثلاث بقع دم مختلفة الأسباب والنتائج، وكذا في قصة " التركة" حول احتمالات سبب " التلغراف" الذي يطالب بطل القصة بالحضور فورًا، وبمناسبة هذه القصة أرى أن من جوانب الجمال فيها إيقاعها الموسيقي والتكرار المنتقاة مواضعه بعناية لعبارة" " يا أحمد احضر فورًا" التي تبدأ بها القصة وتتكرر على مدار الحكي بإيقاع جميل أشبه بالمذهب في أغنية جميلة، كذلك تمتعنا نفس لعبة التنويع والغزل حول الحدث الأساسي في قصة " نفر العزبة- نيويورك وهو اكتشاف المدرس الخصوصي لخلو أول مقعدين حول مائدة الدرس عن يمينه ويساره من الطالبات والتنويع حول احتمالات سبب ذلك. الحوار الداخلي للشخصيات عبر قصص المجموعة جميل وإنساني وينم عن عمق حس الكاتب بالإنسان عمومًا وشخصياته التي كتب؛ تحديدًا وبأزمة كل منهم. في قصة قط أبيض - وهي أيضًا قصة جميلة ورقيقة- أرى - كقارئ متواضع- أن هذه القصة كان يمكن أن تكون أكثر جمالًا لو خفف الكاتب من حشد كل تلك الدلائل على التشابه بين القط والأب الراحل، وكان يكفي ، ربما، نصفها ليصل المعنى، وهذه النقطة تحديدًا تكررت على نحو مختلف في مواضع أخرى- قليلة- من المجموعة، وأقصد نقطة الشرح والتأكيد بأكثر مما ينبغي- أحيانًا- وكأن الكاتب لا يثق تمامًا في سرعة فهم القارئ للفكرة. أتحفظ على تسمية إحدى القصص تسمية إنجليزية مكتوبة بحروف لاتينية بالفعل، وكان يمكن أن تكتب " أوفر دوز" " وكفى أعجبني تشريح الكاتب لبعض أمراض المجتمع الثقافي المصري في بعض القصص مثل" الكاتب" و" ميوزيس" و" أوفر دوز" بشكل لاذع ودون خطابة، وإن كان الكاتب في بعض مواضع من بعض القصص كان يشرد قليلًا في اتجاه المقال والرأي، وإن كان ذلك لم يفسد جمال تلك القصص، لكن كان ممكنًا أن تحتفظ بجمال أكبر لو لم يشبها ذلك الشرود نحو " المقال" أيضًا مارس الكاتب لعبة " كسر الإيهام" بالخروج من سياق القصة وصنع حوار بينه ككاتب وبين " الراوي" فجاء ذلك جميلًا لكنه جرعة هذه الحيلة جاءت زائدة قليلًا في قصة " أوفر دوز" ( للمفارقة) بعض المفردات - وإن كانت قليلة- كانت تحتاج إلى ظبط لغوي ، لكن ذلك لم يؤثر كثيرًا في كون المجموعة جميلة وجديرة بالقراءة، وأظنني سأعيد قراءتها مجددًا .