في صباح اليوم الذي أكمل فيه ثمانية عشر عامًا وتسعة أشهر وخمسة أيام، من دون أن يعرف هو نفسه أنه في هذا اليوم يكون قد أتم كل هذا العمر، فقد نوح أباه وأمه وأشقاءه الثلاثة، وهكذا لم يتبق غيره من جماعته كلها، إذ إن وباء قد تفشى لم يجدوا له تفسيرًا غير أنه لعنة من قوة لا يعرفونها، لعنة تريد أن تنهي وجودهم وهذه القوة التي لعنتهم هي نفسها التي ترسل إليهم النور كل صباح، ولم تفرّق بين كبير وصغير أو رجل وامرأة فصاروا يستيقظون كل يوم على ميت جديد، وكانت شقيقة نوح أولى الموتى، ثم استدار الوباء، أو استدارت اللعنة إلى الآخرين من الجماعة، وظل هو وبقية أهله في مامن حتى فقدهم دفعة واحدة في ذلك اليوم».
ماجد وهيب
كاتب مصري صدرت له ثلاث روايات ومجموعة قصصية من بينها رواية آلام" يهوذا عن دار المž
ماجد وهيب.. كاتب وقاص وروائي مصري، صدرت له عدة روايات وأعمال أدبية، منها (أخبار الأيام الأولى) و(ألعاب وحشية)، بجانب مجموعته القصصية (العالم في حفلة تنكرية)، والعديد من المقالات النقدية والثقافية.
تتميز رواياته بتقديم تأويلات جديدة للموروث الديني والثقافي، وتناول الأسئلة الوجودية التي طالما شغلت الإنسان، كما تقدم إعادة تخييل لافتة لشخصيات تاريخية قصَّر التاريخ في تفسير دوافعها وتناقضاتها، كما في روايته (آلام يهوذا)، التي حظت بإشادة نقدية لافتة.
كما تنشغل كتابته أيضًا بتأمل المجتمع وتحليل العلاقات الملتبسة المتداخلة بين الدين والسلطة والهوية الفردية والذات التي تتنازعها التساؤلات والتناقضات.
خلصت الرواية الجميلة دي أخيرا، بعد أيام من القراءة المتمهلة عشان مش عايزاها تخلص. ما حسيتش الإحساس ده من وقت قراية (كتاب النحات) لأحمد عبد اللطيف، والروايتين بيتشابهوا في الذكاء والجرأة، والمعالجة الفنية لقصة من الموروث الديني الإبراهيمي، وحتى اختلافهم فيه تشابه، أحمد عبد اللطيف صاغ مستوى لغوي متأثر جدا باللغة القرآنية، وماجد وهيب سحرني باستعارته للغة توراتية بليغة ومؤثرة، رغم لغة الراوي العليم المعاصرة، والمختلفة جذريًّا. موضوع اللغة التوراتية ده كان أوضح بكتير في (آلام يهوذا)، وعظة يهوذا وسط الأسواق دي كانت قطعة فنية ممتدة لعدة صفحات قريتهم كذا مرة من حلاوتها. أنا مفتونة باللغة عموما، ولغة الكتاب المقدس من أبلغ ما قرأت، وفي الحياة اليومية كتير بلاقي نفسي بردد منه مقاطع سابت أثر فيا، زي ما بردد قصائدي المفضلة استمتاعا بحلاوتها، عشان كده باخد وقتي في تحليل اللغة قبل أي عنصر تاني، لكن اللغة قطعة صغيرة من جماليات التحفة الفنية دي. الرواية بتنطلق من تساؤل خيالي: ماذا لو عاد هابيل للحياة بمعجزة ربانية بعد جريمة أخيه؟ كيف تكون حياة القتيل بعد البعث؟ وكيف تكون حياة القاتل؟ ازاي المعجزة تبقى معجزة؟ وازاي تبقى لعنة؟ وليه الرب بيدخلنا في التجربة مع علمه بالنتيجة، وتتوالى الأسئلة.. بتحضر من جديد معضلة الشر، والتساؤل الفلسفي الأبدي عن الإرادة الحرة، وفي حضور خاص لسردية الشيطان في دفاعه عن نفسه بعد جريمة العصيان.. الجزء ده مش هتكلم عنه، لازم يتقري. في جماليات كتير كتير في الرواية، وعندي حاجات كتير تتقال محتاجة وقت أفلتر صياغتها، بما إننا عايشين في سيرك، وعلى قد ما الرواية قدمت لي سردية خيالية حلوة وممتعة، واستلهمت عدد من القصص الديني ودمجتهم / لمَّحت لهم / فندتهم في الأحداث، قدمت لي أسئلة جديدة، وكشفت لي أسئلة مهمة الكاتب مشغول بيها ورصدتها في كل اللي قرأتهوله لحد دلوقتي، وده أحد تعريفاتي للمشروع الأدبي الجيد. دلوقتي أبدأ (ألعاب وحشية)، وهي المحطة الأخيرة ليا مع الكاتب ماجد وهيب، لحد ما ألاقي رواياته القديمة اللي اختفت من المكتبات.