سيبقى السؤال يتكرر بشكل دائم عند التفكير بأي رأي نسقطه على شيء ما, هل يجب النظر له من خارجه أم من داخله؟ وهل يتكوّن معيار القيمة بالمقارنة مع أقرانه في نفس المجال أو ما اختاره الشيء لنفسه؟. ولعلّ الأفضل دائماً – على الأقل في النصوص – هو ما يقوله النص عن نفسه وما يحدّده له من دور. يقول مصطفى في المقدمة "لا أميل كثيراً إلى الأسلوب الأكاديمي ولا إلى الكتب كبيرة الحجم ولا أحبّ التوغل كثيراً في التفاصيل". محاولاً جعل كتابه " مجموعة من الأفكار المنظمة تبحث عن بناء نسق لطبيعة هذا النص", ولأن "موضوع النص الديني خطر ويجب الدخول فيه بحذر, بسبب صعوبة الموضوع من ناحية, وبسبب ردّة الفعل التي قد تكون غير متوقعّة ومبالغ فيها من ناحية ثانية, لذلك يجب البحث دائماً عن ما يمكن أن يقال وسط أزمة حريّة الرأي في عالمنا العربي" تجعل الكثير مما يمكن أن يقال في طيّ المسكوت عنه. هنا يضع الكتاب خارطته التي سيتحرك بها والمجال الذي سيدور فيه وهو إيجاد طبيعة للنص القرآني
في الكتاب خمس فصول, يأخذ كل واحد منها القرآن من زواية مختلفة للنظر في طبيعته, لغوياً وتاريخياً وعقدياً ومسألة الأحرف السبعة وفي النهاية القرآن في عهد النبوة والقرآن حاضراً. الكتاب حاول طرح الأمثلة لتبسيط الأفكار والتي كانت غير متوافقة مع المفهوم الأصلي ولذلك كانت تُنقص الفهم أو تشتته عن الفكرة المراد توضيحها. في فصل التاريخيّة بعد أن يفرّة بين مستويين منها,و بين المفهوم والتوظيف, يأخذ المؤلف حالتين وهي نصر حامد والجابري, في الحالة الأولى ينتقد مفهوم نصر للعلاقة بين الإنسان والنص ويقول "أعتقد أن خطأ نصر أبو زيد هو حين عدّ الأنساق متغيرة والإنسان ثابتاً في مكان وزمان ما, وبالتالي أصبحت المعادلة مستحيلة في رأيه, ونحن نقول أن الأنساق متغيرة والنصوص تجري في داخلها والإنسان يتكون في داخلها كذلك" وهذا نقد – أتفق معه تماماً - في عمق رؤية نصر أبو زيد
الحالة الثانية مع الجابري, انتقده من جانبين (نظري وتطبيقي) الجانب التطبيقي فيه آراء كثيرة وجدلٌ كبير وهي مسألة ترتيب سور القرآن. لكن أريد أن أتكلم عن انتقاده من الناحية النظرية, يقول مصطفى الحسن "أعتقد أن هذه النظرية مستلهمة أو مأخوذة من نظرية شلايرماخر وهو فيلسوف ألماني (...) ولذلك فالتأويل السيكولوجي يعرفنا على فرادة المؤلف وعبقريته الخاصة, وهذا التعرف يتم من خلال مشاركة المؤول الوجدانية للمؤلف (...) شلايرماخر من الشخصيات المؤثرة في نظرية التأويل وفي تراكمها المعرفي وتطورها, ولكن نظريته تم تجاوزها إلى نظريات أكثر نضجاً (...)" مكملاً شرح نظرية شلايرماخر, وينتهي بعدها إلى ملاحظة أنّ "النقد موجه في حال التطبيق على النصوص البشريّة, وليس حين يكون النص ذا مصدر إلهي, فهي نظرية ترتبط بكون النص صادراً عن بشر (...) ونحن نعلم أنه لا يمكن التعامل مع الإله بوصفه بشراً ولا يمكن العثور على نفسيته" وهنا خطأ منطقي منهجي في النقد, فالانتقاد كان لشلايرماخر على نظريته ولم ينتقد المطلوب هنا وهو الجابري, وبعدها تم إسقاط أخطاء شلايرماخر على عمل الجابري
الكتاب قيّم, فيه البحث والربط بين علوم كثيرة, سأختم بخاتمة الكتاب "النص حالة موضوعية, أي أنه ليس مجرد علامات تثير المعنى وتحيل إلى معنى آخر إلى ما لا نهاية, إنه ليس كذلك ابداً, بل هو يحمل معنى وحقيقة, لكنها شديدة الإتساع بحيث يبدو النموذج القرآني نوذجاً ذا نماذج, وكأنه الصراط المستقيم يحمل في داخله صراطات مستقيمة متعدّدة, وهذا لا يمكن أن يكون إلا بإعادة الاعتبار للتجربة الفردية, والسماح لها بالظهور, وهذا ما لا يمكن إلا بإتاحة حرية الرأي الديني