حين صعد جون بول إلى السفينة في بدايات القرن التاسع عشر، ولم يكن قد تجاوز التاسعة من العمر، ليبحر من شواطئ الولايات المتحدة إلى اليمن، أوصى والدته أن تبقي باب غرفته مفتوحاً كيلا يوقظها حين عودته إن عاد ليلاً. لكنّ مصيراً آخر كان بانتظاره على شواطئ الجزيرة العربية، حيث سيعيش بقيّة حياته في مدينة مرباط، وقد غدا اسمه عبد الله، وراحت صورة أمّه تخبو في ذاكرته، بينما هو يعايش حياة بلادٍ أصبح جزءاً منها وشاهداً على تاريخها. عبد الله، الذي ورث موقع والده بالتبنّي في التجارة والسياسة والحرب، سيعلم، وقد بلغ الثلاثين من عمره، أنّ باب غرفته في الولايات المتّحدة لا يزال مفتوحاً فهل يعود إلى أمّ لا تزال بانتظاره؟ بأسلوب روايات المغامرات الشيّق يروي محمد الفارس حكايةً يمتزجفيها التاريخ والحرب والسياسة بحيوات أناسٍ فيها من الغنى ما يكفي لمحو مسافات جغرافيّة شاسعة.
لم أكن أفكر بإقتناء الرواية لولا المكتوب على ظهر الكتاب, شعرت أن فضوليّ زاد لمعرفة تفاصيل حكاية "جون/عبدالله" بعدما قرأت النبذة الموجودة على الغلاف الأخير من الكتاب, رغم أن فضوليّ وحماسي لها بدأ يتناقص بشكل تدريجي مع تقدمي في قراءتها وليس ذلك لعيب في النص أو في صياغته, لا أبداً, فالرواية متماسكة.. وذات أسلوب سلس ولطيف, ومعالجة جيدة في تناول الأحداث وإستدراجها, لكن ربما لأنني قرأتها في وقت غير مناسب مما جعلني أخذ وقتاً طويلاً حتى أنجزتها وأتممت قراءتها, وفرغت منها.
الرواية تتمتع بصبغة تاريخية وجغرافية مميزة.. وتمتد أحداثها من بداية عام 1801م إلى ما أنتهت عليه الأحداث عامها, المثير فيها هي التنقلات والثقافة العالية التي يتمتع بها كاتب الرواية, حيث أنه مسيطر على تغطية كافة أجواء الرواية الجغرافية, وتغطية تفاصيل المناخ والمنطقة وما تشتهر به كل مدينة عبر من خلالها أبطال النص, كذلك تبرز لك الرواية بطريقة غير مباشرة الحراك السياسي الذي كانت تعيشه المنطقة المعنية بالأحداث في ذلك الحين.. وتأخذك من الغرب إلى الشرق وتذهب وتعود بك بينهما, بينما يعيش "جون" معضلة تحوله إلى "عبدالله" الفتى الذي غادر مدينته "سليم" في الولايات الأمريكية المتحدة, ليعاصر على صغره أجواء الترحال بحراً طلباً للرزق والمؤنه وخبرة العمل, ليتفاجئ بما يخبئه القدر له من مفاجأت الطريق, وبأن الأيام لا تأتي على شاكلة واحدة بل هي كل يوم في شأن, وبأن الحياة بطريقتها مخيفة ومرعبة خصوصاً حينما تجتمع من حولك وجوه ونفوس غريبه تقرر مصيرك وأقدارك, وتحيل حياتك إلى شأن جديد مختلف عن سابقه بكثير.
تدور القصة في أفلاك متعددة, وتسبح في مساحات وبلدان كثيرة مختلفة لا يصلها ببعضها البعض شيئاً إلا الهيكل الجغرافي للأرض, بينما يضيع "جون/عبدالله" في طرقات الأراضي القريبة والبعيدة, وفي غمار البحار بحثاً عن مغامرة جديدة, وطرف حكاية مثيرة يضيفها إلى سجل "الإيسكس", يرافقه في ذلك والده بالتبني "ابن عقيل", الرواية مستحدثة وجميلة لأنه تلقي بمساحات ظلها في مواطن عدة, فهي مرة تقرأ في سيرة "جون/عبدالله", ومرة تقرأ في سيرة بلدان الأرض, وأخرى في الطباع الجغرافية والسياسية لكل بلد على حدة, وتلعب بذكريات "جون/عبدالله" في الذهاب والإياب, وكأنها أحجية طويلة تمتد إلى إنتهاء الوقت وغياب وجوه الشخوص الذين يدورون حول "جون/عبدالله", ويحركون غمار الحكاية بإطيافهم وتحركاتهم. الرواية بمجملها جيدة, إلا أنني لم أنسجم معها بشكل تام. وهو ما جعلني أخذ كل هذا الوقت حتى أفرغ منها.
انتهيت من قراءة هذا الكتاب في اسبوع. شدتني الرواية منذ بدايتها. استمتعت جداً بالتعرف على أعمال التجارة في بداية ال ١٨٠٠ حيث اشتهرت اليمن بأطيب أنواع البن الذي تصدّره إلى جميع أنحاء العالم. يجمع الكتاب بين التاريخ والثقافة ويأخذ قارئه في رحلة إلى مُختلف القارات. ما لم يعجبني في الرواية هو اقتباس الكاتب لمقولات أجنبية مأثورة دون الإشارة إلى قائلها الأصلي، حيث مرت علي أثناء قرائتي للرواية العديد من المقولات المشهورة بالانجليزية التي ترجمها محمد الفارس إلى اللغة العربية دون ذكر المصدر. كما أن نهاية الكتاب لم تكن مشوقة بما يكفي. إليكم بعض المقاطع المقتبسة التي نالت اعجابي:
"المتع والملذات تنهال عليك من الخارج، لكن الرضا والطمأنينة تنبع من داخلك."
"الرضا هو اختيار وليس نتيجة، هو أجمل ما تلبس وأغلى ماتملك.. تذكر ذلك جيداً."
"ما الحياة سوى الخيارات التي يصنعها أصحابها."
"ما الطير إلا ريش ورحلة وأغنية، خلقها الله وجعل لها الأشجار وأحبها الإنسان فصنع لها الأقفاص!"
"ليست القدرة على التذكر بل القدرة على النسيان، تلك التي تصنع منا ما نكون."
"تعدّدت المسارات والبحر واحد."
"أيمكن أن يندم الإنسان على أشياء لم يفعلها أكثر من ندمه على أشياء فعلها؟"
"حبه لها يمنحها الأمن والطمأنينة وحبها له يمنحه الصبر والثبات."
"كم من حر محبوس تحت سقف بين أربعة جدر، وكم من محبوس وهو طليق يسيح في أرض الله تحت سمائه."
"أحياناً، قد لا يكون الموت أكبر المصائب، بل العيش في انتظاره."
"حياة الأموات تُحفظ في ذاكرة الأحياء."
"الإنسان حين تضعف ذاكرته يتمتع بالأشياء الجميلة نفسها أكثر من مرة وكأنها تحدث لأول مرة."