الفلسفة يعاد اليوم ابتكارها وتشكيلها؛ شأنها في ذلك شأن كل فن ومضمار. انها تمارس على نحو جديد يحررها من نموذجيتها الأصولية ومن عقلانيتها الشكلية او من يقينيتها الدغمائية. ولا يتحقق هذا الفعل التحريري أو التنويري، في الفراغ أو في قوقعة الأنا، وإنما هو فعالية نقدية مستمدة كما يمكن فهمها وممارستها. وإلى هذا فإن الفلسفة لا تفهم أو تمارس بوصفها مجرد مذهب أو نسق أو مدرسة أو نظرية، حتى وإن كانت هذه الموسوعة ستلقى بعض الأضواء على المدارس او المذاهب الفلسفية لأغراض اكاديمية تفهم مقاصدها… فالمذهب يضيق، لأنه وحيد الاتجاه أحادي الجانب. والمدرسة تُجمَّد أو تتحجَّر؛ لأن العقل المدرسي يهتم بالتلقين والتعليم أو التقليد. والنسق يعمل دوماً على نفي الواقع، بقدر ما يبحث عن الاتساق والاحكام والوثوق… وأما النظرية فمآلها العجز والقصور، لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار الظواهر المستجدة والوقائع المتغيرة. وهذا ما يفسر كيف أن المذاهب والمدارس هي التي تستهلك أو تتداعى وتسقط في الأعمال الفلسفية. وحدها الكيانات الفلسفية هي الباقية كما تتمثل في الأسئلة والإشكاليات أو في المفاهيم وأصعدة الفهم، كالواحد، والمثال، والصورة، والقوة، والواجب، والمتعالي، والشرط، والاختلاف… وهكذا فالكائن الفلسفي هو المفهوم أو الصعيد الذي يشتغل عليه المفهوم أو الفضاء الذي يتحرك فيه.
وعلى هذا فنحن ازاء تغير تشهده ساحة الفلسفة منذ عقود، وما حدث ليس مجرد ابتكار نموذج فلسفي جديد؛ بل ممارسة للفلسفة بطريقة غير نموذجية، وغير مؤسساتية، وبالطبع غير مدرسية، وربما غير منهجية… ويمكن تسميتها بفلسفة ما بعد الحداثة، والأحرى تسميتها اختصاراً "البعدية بالمعنيين الزمني والمكاني لكلمة "بعدي" بالمعنى الزمني لأنها تنتمي فكرياً الى فضاء ما بعد الحداثة… وبالمعنى المكاني، لأن هذه الفلسفة لا تبحث عن معان مفارقة أو عن كليات متعالية على أرض الحدث، بقدر ما هي تعبير عن تجارب محايثة ومعايشات وجودية كثيفة، من خلال تشكيلات مفهومية تتجسد في خطابات ونصوص، هي حقول نقرأ فيها، دوماً، المساحات الخفية وغير المقروءة. وهكذا، وفي هذه الموسوعة للفلسفة الفردية المعاصرة فإننا لا نقرأ العمل الفلسفي لكي نستخلص منه المذهب أو النسق أو المدرسة، بل لكي نتعرف الى أدوات الفهم وأصعدته، ولا تقرؤه لكي تعثر على حلول للمشاكل المطروحة، بل تقرؤه لكي نعرف أين وصل الاشكال أي كيفية نقل الإشكالية من مطرح الى آخر… وأخيراً فإننا لا نقرؤ العمل الفلسفي لكي نقيسه على أصل متقدم عليه، بل نقرؤه لكي ننتزعه من تاريخه، بفتحه على ما استبعده الفلاسفة من تفكيرهم، أو على ما ليس بفلسفة أصلاً لتصييره فلسفة عبر صناعة المفاهيم.
من هنا يمكن القول بأن هذا المجلد من موسوعة الأبحاث الفلسفية بجزئيه والذي يتناول بالبحث الفلسفة الغربية المعاصرة انما يمثل اسهاماً مهماً في حقل التخصص، وفي سبيل رفد المكتبة العربية بمرجع أساس لتلافي الثغرات ومناطق الفراغ في مصفوفة بياناتها عن الفلسفة المعاصرة، فيقدم للقارئ العربي أكثر من خمسين فيلسوفاً غربياً معاصراً، وبأقلام أكثر من أربعين مفكراً وباحثاً عربياً من مختلف البلدان العربية، فذلك يمثل انجازاً بحد ذاته. ومن ناحية ثانية فقد تم في هذا العمل الموسوعي الفلسفي، تجنب التصنيف المذهبي، والتعليب الايديولوجي، والجمع لشخصيات مختلفة تحت عنوانات موحدة، وإن كانت في الحقيقة تلتقي في بعض شؤون التصنيف تلك، الا انه تم تقديم الفلاسفة بنوع من الامتياز والفردية دون اغفال بعض الاشارات الى صنف مشاربهم وعلائق أفكارهم والعنوان الثانوي للموسوعة "صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة الى التشفير المزدوج" كاشفاً عن ابراز منعطفات وتحولات التفكير الفلسفي الغربي، ومقلباً لصفحات نقده لذاته وإعادة تنظيمه ومراجعاته المتتالية.
بدلاً من تناول الموضوعات الفلسفية -كما هي الحال عادةً-، تناولت الموسوعة كل فيلسوف بشكل منفصل، أي أن كل فيلسوف له فصل بحياله. الزمن المحدد للفلسفة المعاصرة في هذا الكتاب يمتد من آواخر القرن التاسع عشر حتى يومنا، من ويليام جيمس حتى سيلا بن حبيب، مروراً براسل وبرغسون وهايدغر وسارتر وفوكو وإيكو وغيرهم. رغم أنني أُعجبت بفكرة تناول كل فيلسوف على حِدة عوضاً عن وضع تصنيفات عامة تدمج فلسفات معينة مع بعضها البعض، إلا أن المشكلة هي أنه لايوجد نمط معين يسير عليه الكتّاب في كتابتهم عن فيلسوف محدد، فمرةً تجد كاتباً يركز على سير حياته وأهم محطاته الفكرية دون التعرض لفلسفته، وأخرى يتم العكس، أي التركيز على فكره دون تعرض كبير لسيرة حياته، والبعض يمزج بين الاثنين، وهكذا؛ وبسبب هذا فإن مستوى ومضمون كل فصل يتفاوت عن الآخر. أيضاً، تمنيت أن تتضمن الموسوعة حديثاً عن فلاسفة معاصرين استغربت عدم وجودهم، مثل آلان باديو (رغم وجود صديقه الذي تأثر كثيراً بفلسفته: سلافوي جيجك) وتشومسكي. على كل حال، جهد مميز ويسد ثغرة في المكتبة العربية ولاشك.