إنه قراءة جديدة لقضية شغلت و لا تزال تشغل الباحثين و المهتمين بالأدب العربي، هي قضية الشك بالأدب الجاهلي. و قد طرح فيها التساؤل عن بعض المسلّمات : هل وجود معان أو عبارات قرآنية في نص جاهلي يعني بالضرورة أنه منحول؟ و هل مقولة عمرو بن العلاء في الفرق بين لغتي الشمال و الجنوب مسلّمة؟ و هل صحيح أن تخلّف الموسيقى الجاهلية يفترض تخلّفا في الشعر و موسيقاه و تاريخه؟
و قد حاولت هذه القراءة أن تمتاز فوق ذلك باعتماد مصادر جديدة و طريقة دراسة مختلفة، و التوسع في تناول النثر الجاهلي، و منح دراسات المستشرقين ما تستحقه من عناية لم تنلها، من غير التحيز لهم أو عليهم مع الإشارة إلى أن مبدأ الشكّ المؤدي إلى اليقين جاحظي.
و قد شملت الدراسة قسمين و نتاجا : القسم الأول يتناول أسباب الشكّ بالآداب القديمة عامة و العربية خاصة، و القسم الثاني يتناول أنواع و مظاهر ما سماه المؤلف الزيف، كما تناول أسباب التزييف المهنية و الدينية و العصبية و النفسية و الإجتماعية و العلمية و الفنّية. أما النتاج فقد أجمل كل ما بلغته الدراسة من نتائج.
و سيلي هذا الكتاب، كتاب آخر للمؤلّف يتناول عنترة خاصة و يكون تطبيقا حصريا لنظرية الشك.
دراسة جادّة و دقيقة و موضوعية للدكتور مصطفى جودو، يمكن لدارس الشعر القديم الرجوع إليها و الاستفادة منها. و هي في الواقع إعادة قراءة و حوصلة لأبحاث القدامى و افتراضاتهم و إعادة تصنيف كل ذلك و تبويبه تبويبا محكما يسهّل على المطلّع أن يحصل على رؤية متكاملة لقضية الشكّ في الشعر الجاهلي. ما أعيبه على الكتاب، أمران، أولهما قوله "ان حصول التزييف و التعديل على الشعر الجاهليّ لا يعني عدم وجوده" لكنّه تقريبا لم يقدّم الأدلة الكافية على وجوده. فمثلا ردّ حجة أن امرئ القيس لا يمكن أن يقول شعرا بعربية فصيحا كتلك التي نعرفها و الحال أنه من كندة اليمن ذات اللغة الحميرية، و ردّه قول بعضهم أن كندة أفصح اليمن. أي أنهم يتحدثون الفصحى العربية. لكنّ ذلك لا يثبت وجود امرئ القيس بالفعل. خصوصا أنه أنكر أغلب قصته كتلك التي مع السموأل أو قيصر الروم. فهو لم يخض في الرؤية التاريخية و لم يقدم لنا تاريخية بدايات ظهور اسم امرئ القيس مثلا في الآثار العربية. و يمكن تعميم ذلك بقول إن الكتاب و إن دقق في الكثير من المسائل التاريخية، إلا أنه لم يتناول القضية من وجهة نظر تاريخية، و اكتفى بالرؤية الأدبية المدققة التي يشكر عليها. ربما لأن التاريخ ليس من اختصاص الدكتور، لكن قضية الشك تبقى أيضا مسألة تاريخية بامتياز. القراءة متوازنة و راجحة عكس تلك التي قدّمها طه حسين منذ مائة سنة أثار بها الخاصّة و العامة. لكنّها تبقى على قدر من الترويع. و لعلني الآن ما إن أسمعَ بيتا لطَرفة أو بن امرئ القيس و أستحسنه، سأتساءل من قال هذا الشعر؟