بائع الحكايات تروي قصة فيزيائي شاب يسافر إلى المشرق العربيّ مع شركة تبحث عن الغاز، فينسحر بالناس والثقافة، ويقرر البقاء هناك، ويبدأ بالغوص في هذا العالم الغريب الفتَّان. يصبح «يان» بطل القصة “حكواتيًا” فيَحُوك قصة حب خصبة الخيال ويدوّن ذكريات رحلته، ويتحول أحيانًا إلى صحفي معاصر يكتب ريبورتاجات، ولا تعرف كيف ومتى تتجاوز حكاياته حدود الواقعية: فبائع الحكايات يديرُ لعبةً مشذبة...
الرواية عن مهندس بولندي يأتي لسوريا و الأردن ليعمل و يتعلم العربية فيعيش تجربة ثقافية شرقية، ثم يقرر كتابة مذكراته، فنرى كيف يشعر الأوربي العادي حين يختلط بأقوام مصابة بعقدة الرجل الأبيض الغربي فينفخونه حتى يرى نفسه أميرا أبيضا وسيما، في وسط الدهماء من السمر التي تمتد أيديها علّها تنال لمسة من هذا البياض "المبهر" أو تحتال على قرش مما في جيب هذا الأوربي "الثري" أو حتى تتحصل على فيزا منه لبلاده "الفردوس"! ترافقت المذكرات مع حمى هذيانية تسبب بها بخار حمامات جيروم* المكدسة بأجساد الشرقيات، فخرج هذيانه على شكل شعر كما يسميها، أو لغو و شخابيط كما يمكن أن أسميها: خليط من مجموعة من الآيات و الأحاديث و بعض الأشعار الفصيحة و الأمثال العربية و النساء السمراوات و الحمص و التبولة و الحجاب و الرقص الشرقي و الفتوش و السجاجيد الملونة و الفواكه الطازجة و أصوات المؤذنين و التحف الأثرية و رشات من التوابل المتنوعة و المزيد من النساء ذوات الجسد الأرابسكي و المكروباصات المكتظة و كمية أخرى من الاقتباسات و البازارت العتيقة المغطاة و حرارة الجو الخانقة و الاستعراضات في الملاهي و الطعام الدسم و حفنة أخرى من الاقتباسات و الأجساد اللدنة الراقصة و هالة مخدرة من دخان الأراكيل تعبق في الجو... من دون رابط يربط كل هذا سوى حرف الواو... و أن الأمير الأبيض كما يسمي نفسه هو من يرويها لنا... و قد ذكرني وصفه المستفز لنفسه بما كتبه فارتيما الإيطالي من القرن السادس عشر في رحلاته تحت باب "شغف نساء بلاد العرب السعيدة بالرجال البيض"، لكن الشغف عند بائع الحكايات هذا قد وصل إلى الرجال و النساء العرب بالرجال البيض! ثم إن رحلات فارتيما كانت على الأقل ممتعة... 0 و كيف لا تتضخم "أنا" الغربي و كثير من قومنا مصاب بالهوس بالبياض و عقدة الخواجة، التي تجعل من أي غربي يعاشرهم متورما! و لا حول و لا قوة إلا بالله... 0
رواية مملة و مستهلكة... و مع أني حريصة على تجنب الروايات التي يغلب على ظني أنها لن تعجبني، سيما بعد ازدياد إحساسي بأن الرغبة بقراءة الروايات تتفلت مني _و لا أدري لماذا_، فقد كنت أعول أن أعيش حكايا غرائبية كالتي أحبها و مغامرة مثيرة فيما يسمونه "شرقا"، و كثيرا ما استمتعت بشرق الحكايات... كما يعدنا العنوان و النبذة عن الكتاب و الغلاف البديع، و مكثت ردحا من الزمن و أنا أحلم بما فيها قبل قراءتها... ليتبين لي أن بائع الحكايات هذا لا يملك حكايا حقيقية ليرويها... و ما هي إلا مزق من اقتباسات و نتف من أفكار و أضغاث أحلام ذكورية غربية نمطية و متضخمة و يوميات عادية... و يا للخيبة حين توعد بحكاية حلوة فلا تحصل إلا على نسخة رديئة! 0 و لن أتحدث عن كمية امتعاضي من الابتذال الإستشراقي و الأجواء السياحية الرخيصة، فقد أُتهم بأني محدودة غضوبة، لا أملك حس الاستمتاع بلذاعة الأجواء الفجة و بالهذر المموه بالشعر و الرمز، و أني مصابة بحساسية إدوارد سعيد الإستشراقية... لذلك سأنهي بأبيات شعر من قصيدة لـ رفيف زيادة Shades of Anger
أنا امرأة عربية اللون، و لدينا جميع درجات الغضب... 0 ... عفوا، أيفترض بي ألا أصرخ؟! 0 قد نسيت أن أكون كل حلم إستشراقي لك: 0 الجنية في الزجاجة، و الراقصة الشرقية، و المحظية في الحريم، و المرأة العربية المتحدثة بضعف: 0 نعم يا مولاي... لا يا مولاي... 0 ... أنا امرأة عربية اللون، و لدينا جميع درجات الغضب... 0 ... فاحذر! احذر غضبي! 0
--- (*جان ليون جيروم: رسام مستشرق فرنسي من القرن التاسع عشر له لوحات شهيرة عن الشرقيات العرايا في الحمامات)