ظل اهتمام الباحثين العرب لفترة طويلة موجها بشكل مكثف الى دراسة تاريخ الأندلسيين خلال قيام دولة الإسلام بالأندلس نتيجة توفرهم على عدد من المصادر الأندلسية المتعلقةبتلك الفترة، في حين اتجه عدد كبير من الباحثين الأوربين الى دراسة تاريخ المورسكيين باسبانيا بعد سقوط غرناطة، فدرسوا تاريخهم من خلال وثائق محاكم التفتيش، ومن خلال ارشيفات المناطق التي اقروا فيها باسبانيا. وفي الجانب القابل نجد ان الباحث العربي في أغلب الحالات لا تسمو المواضيع التي يتطرق اليها عن الإثارة العاطفية على اعتبار أنها مأساة لحقت بالتاريخ العربي دون دراسة أبعاد هذة المأساة حضارياً وسياسياً، على صعيد المجتمع الاسباني نفسة أو على صعيد المناطق التي استقر بها المورسكيون، خاصة منطقة المغرب العربي.وهذه الدراسة التي تقوم بها اليوم مساهمة متواضعة للإبراز الحياة التي عاشها الأندلسيون في بلادهم بعد نهاية دولة الاسلام بها.
كان هذا الكتاب رحلة ممتعة في جزء مهم من تاريخ المغرب، و كيف تشكلت الحضارة المغربية الأندلسية، و قد كان لي الحظ أن عرفت المزيد عن هذه الفترة المميزة من تاريخنا و التي كان لها ما لها و عليها ما عليها، و هكذا يسعدني أن أشارككم بنقاط بسيطة سجلتها من الكتاب و التي رأيت أنه من المهم تذكرها
النقطة الأولى تفاوت العقلية الأندلسية و المغربية رغم الاختلاط بينهما، فمثلا بنيت فاس على نظام العدوتين، عدوة أندلسية وأخرى مغربية، حيث تم استجلاب ثمانية ألاف أسرة من قرطبة لتسكن فاس في عهد إدريس الثاني، رغم هذا فقد كان لكل طرف رؤيته عن الأخر و أحكام مسبقة مما أدى كثيرا لحزازات و سوء فهم بين الطرفين من الناحية الشعبية، فبينما تزدهر المدن الأندلسية و تتألق فيها أضواء الحضارة بفعل الاختلاط الشديد بين الأعراق و الأديان و المفاهيم، كان المغرب منغلقا على ذاته، لم يتغير فيه الكثير منذ اعتناقه للاسلام، حتى أعداد العرب فيه كانت ضئيلة، فكانت العدوة الأندلسية مدنية بكل ما يتصل بذلك من زهو، و العدوة المغربية قروية محافظة، بكل ما يتصل بذلك من تعصب و رفض للتغير.
النقطة الثانية التلاعب الشديد للخلفاء الأمويين في الشؤون الداخلية المغربية إلى حد تقسيم البلد إلى دولتين و خلق نزاع دائم بينهما حتى يستقر فيها الحكم الأموي و العامري من بعده، و كان لهذا الأثر الشديد في تردي أحوال المدن و السكان في المغرب و انسياق أمور دنياهم في خلافات لا طائل منها و انفراط عقد حكمهم السابق الادريسي من فاس ليبت في أمورهم من قرطبة و الزاهرة.
النقطة الثالثة ذكر أن المرابطين و الموحدين وما تلاهم من حكام، قد شكلوا جيشاً من القوط الغربيين لوأد الثورات المحلية، ليتم اكتشاف تحالف هذا الجيش مع الممالك القشتالية، لكنهم لا يعدمون أو يصرفون، بل يستمرون في عملهم إلى أن تتكرر خيانتهم لأكثر من مرة، فماذا يكون جزاء هؤلاء؟ عزلهم عن مناصبهم و إسكانهم ضواحي فاس. محتفظين بدينهم و ناشرين للغتهم و ثقافتهم - مع توافد المزيد من المورسكيين- في أنحاء المغرب، حتى أن الزائر لبلدنا في ذلك الوقت قد يجده يتكلم القشتالية في بعض المناطق أكثر من العربية أو الأمازيغية.
النقطة الرابعة نصرت الأندلس لخمسة قرون في مواجهة التغول القشتالي دفع ثمنه المغاربة و حكامهم، فلم تدم دول ذاك الوقت سوى قرنين على الأكثر لتسقط بعد أن يتم استنزافها في حروبهم مع القشتاليين، و هكذا استمر استنزاف الجهد و التركيز في العدوة الأندلسية حتى سقط المغرب في مشاكل سياسية اقتصادية و اجتماعية و معها سقوط مدن كثيرة في يد الاسبان و البرتغاليين، و نذكر منها طنجة و سبتة و مليلية و أصيلة و الصويرة و حتى الرباط (العاصمة الحالية) و سلا و الجديدة.
النقطة الخامسة مع توالي سقوط المدن الأندلسية تسربت للعدوة المغربية الكثير من العادات الأندلسية من الملبس و المأكل والمشرب و حتى الموسيقى و الذي كان ابن باجة أحد روادها و أكبر موطديها في المغرب الأقصى لتبقى كما هي إلى يومنا هذا. كانت هناك بعض المقاومة من طرف الحكام أو الناس نظرا لاختلاف ثقافة الطرفين لكن مع توافد أعداد غفيرة أصبحت مدن كثيرة و حتى الكثير من القرى مزدحمة بالأندلسيين، و نذكر هنا مثلا مدينتي سلا و الرباط، حيث استوطنها سكان مدينة هورناتشوس و وصل بهم الأمر لتكوين إمارة هناك حاولوا مقايضتها مع ملك اسبانيا في ذلك الوقت في مقابل قبوله لعودتهم لمدينتهم من جديد في قطاع اكستريمادورا.
النقطة السادسةقبيل طرد الأندلسيين من طرف الملك فليب الثالث، كانت هجراتهم متواصلة إلى بلدان شمال إفريقيا، لكنها كانت رحلات شاقة و مليئة بالبؤس، فتم نهبهم من طرف السفن الفرنسية و الاسبانية من جهة، و الأعراب و اللصوص في بلدان شمال إفريقيا من جهة.
النقطة السابعة لم تكن كل أبواب المدن المغربية و الامارات التركية مفتوحة، في تطوان مثلا حاولت القبائل المجاورة طرد الأندلسيين (المنحدر جلهم من غرناطة) من المكان متحججين بأن الأراضي التي احتلوها تتبع لهم و أنهم متضضرين من ذلك الوضع، وقد وصل الأمر بهم للتعاون مع الاسبان في بعض الأحيان لطردهم، في وهران مثلا تم طرد الكثير من الأندلسيين بسبب اكتظاظ المدينة، فنزحوا نحو تلمسان حيث تم التعرض لهم من اللصوص ليتم نهبهم و قتلهم، قد يكون الاستثناء الوحيد هو الحالة التونسية حيث كان أغلب المهاجرين لها من أراجون و قد كانوا أهل علم و ثروة فأسهموا في الحياة الثقافية لاحقا.
النقطة الثامنة لم يكن استقرار الأندلسيين في المغرب و شمال إفريقيا هادئاً، بل تخلله الكثير من التدخلات و الخيانات، فبعكس الأندلسيون القاطنون بتونس، كان أندلسيوا المغرب متدخلين في أمور السياسة، بل أن سقوط مليلية (لازلت محتلة إلى يومنا هذا) كان من تدبير أندلسي موتريل و الذين كما أندلسيوا الهورناشوس قايضوا المدينة بالعودة لأرضهم، دون ذكر موالتهم لطرف ضدد أخر ابان الفوضى الوطاسية السعدية، و تشكيلهم لعصبة تتحين الفرصة لتنقض على الحكم، أو تتخابر مع الأتراك أو الإنجليز أو حتى الإسبان.
النقطة التاسعة كان من أهم المعوقات التي واجهة السعديين في سبيل دعم موريسكيوا إسبانيا هو الضغط التركي من الشرق و الذي كان مصمما على ضم المغرب، و جهاد الأخير للحفاظ على استقلاله، فكان يتحالف مع الاسبان و القوى الغربية أحيانا و يظهر تحالفه مع الأتراك أحيانا أخرى ليحض الاسبان على التوغل في الأراضي المغربية.
النقطة العاشرة مشروع الاسبان في الجزيرة الايبيرية لم يكن مكتملاً فنصوص كثيرة كانت تبين عن نوايا القشتاليين في نشر المسيحية الكاثوليكية في المغرب إما بالبعثات التبشيرية، و التي كانت غالبا ما تفشل، و إما بالتوغل و احتلال المزيد من الأراضي المغربية سعيا لتحقيق حلم توحيد الضفتين تحت ظل الصليب الكاثوليكي.
النقطة الحادية عشر في القرن 17 أهل سلا و الرباط أو العدوتين، و صراع أهلها الأندلسيين فيما بينهم، و هو ما يذكرني بصراعهم القديم في مملكة غرناطة، و الذي أدى لسقوطها في يد الاسبان و كأن الأندلسيين لا يتعلمون أبداً، فكان الصراع بين الهورناشوس من سلا و أندلسيوا الرباط دامياً و مليئاً بالشد و الجدب.
النقطة الثانية عشر الأمر ذاته حصل في تطوان صراع و تنافس على السلطة، كان هذه المرة بين السكان الأصليين (جبالة) و أندلسيي غرناطة
النقطة الثالثة عشر صراع مشابه حصل بفاس، حيث كان دائما ما يطعن في دين هؤلاء لتشبههم بالاسبان و الأوروبيين في بعض عاداتهم و أساليب المعيشة.
النقطة الرابعة عشر اللهجة المغربية التي أصبحت مؤخرا محببة لدى جميع الناطقين باللغة العربية، هي في الحقيقة أندلسية حد بعيد، ربما يعود ذلك إلى أن اللسان العربي لم يكن ذو شأن كبير في المغرب حيث لازال إلى اليوم الوجه الأمازيغي بارزا حتى في بعض العادات الأندلسية و من أوجه التأثير الأندلسي نجد الملبس، حيث نجد اللمسات الأندلسية في كل ما نعرفه اليوم في المغرب، بل إن الشاشية و البلغة الفاسية أو الرباطية أو غيرها هي من أصل أندلسي خالص، كما أن هناك رموز كثيرة نستخدمها لها أصل ليس فقط أندلسي بل و مسيحي أيضاً كخميسة (يد خماسية) و التي ترمز ليد السيدة العذراء، و لا زال يستخدمها المغاربة كنوع الحماية الماورائية أو شيء من هذا القبيل
النقطة الخامسة عشر و طبعا فالمعمار المغربي هو أندلسي بشكل تام و هو أمر واضح للعيان ما يثير الاستغراب حقا هو انتساب الأندلسيين للعرب، بل و للنسب الشريف، و هم إسبان أقحاح (و بدرجة أقل أمازيغ و بدرجة أقل بكثير عرب) هو أمر واضح من ملامحهم الايبيرية و هو أمر يمكن إثبااته اليوم من خلال تحليل الحمض النووي
النقطة السادسة عشر انتشر الأندلسيين في كل ربوع المملكة المغربية فلم يتركوا أي مدينة أو قرية إلا و نزلوا فيها، و هو ما أدى إلى ولادة الحضارة المغربية الأندلسية التي لازالت مستمرة إلى يومنا هذا المفاجئة هي أنني وجدت أن الكثير من المشاهير عندنا في المغرب هم من أصل اندلسي، كالطباخ المرحوم بركاش، و الغالي جدا على قلبي الحاج باجدوب صاحب الحنجرة الذهبية،و أخرين...
الصورة لشعر يرثي مدينة أصيلا المغربية بعد سقوطها في يد البرتغاليين، و طرد كثيرين منها
تبدأ الدراسة بتأكيد العلاقات القوية بين الأندلس والمغرب العربي بشكل عام منذ بداية الفتح الإسلامي حيث كان مضيق جبل طارق هو بوابة العبور لقوات المسلمين للدخول لتلك المنطقة، وانتهاء بالمراحل الحرجة للأندلسيين ومحاولات ملوك المغرب مد يد العون لنصرتهم في عهد المرابطين والموحدين رغم فشل تلك الجهود لأسباب عدة.
📚
تتبعت الدراسة مراحل هجرات الأندلسيين إلى المغرب الكبير وتقسيمها إلى ثلاث مراحل أساسية: الهجرة الأولى كانت قبل سقوط الأندلس لأسباب التجارة وطلب العلم والحج والشعور بالتضييق والخناق من قبل النصارى وكثرة الصراعات الداخلية،المرحلة الثانية:بعد سقوط غرناطة آخر معاقل الأندلسيين فورا حيث كان خيار الهجرة متاحا من قبل ملوك قشتالة فهاجر عدد كبير فرارا بدينهم وأهلهم وأموالهم، أما الهجرة الثالثة:كانت بعد إصدار قرار التهجير مع بداية القرن السابع عشر حيث فرض التهجير القسري من قبل محاكم التفتيش بعدما باءت كل محاولاتهم لدمج الأندلسيين في المجتمع النصراني وزادت مقاومتهم وثوراتهم الحربية حيث قدر عدد المهجرين قسرا على أقل تقدير في هذه المرحلة بثلاثمائة ألف أندلسي.
📚
استقر الأندلسي في الجزائر وتونس والمغرب مع اختلاف في ظروف استقرار كل مجموعة فبينما استقبل البعض استقبالا حارا طيبا تم محاربة البعض الآخر ونهبه وسرقته من قبل بعض الأعراب وإن كانت تلك حالات معدودة إلا أنها أبرزت تحديات إجتماعية مستقبلية نظرا للخوف من تفوق الأندلسي ومنافسته في المعاش مع السكان الأصليين. كان الأندلسيون يستقرون في مجتمعات خاصة ولا يختلطون بالآخرين إلا نادرا، وكانت لهم مناطقهم على مصب نهر أبي رقراق في القصبة والرباط وسلا كما سكنوا أماكن أخرى من المغرب.
📚
كان مورسكيو الهورناتشوش هم أقوى المورسيكيين الذي هاجروا إلى المغرب كوحدة متماسكة حيث لم يغادرو الوطن السليب إلى بعد قرار الطرد واشتغلوا بالفلاحة والتجارة،وكان لهم تأثير قوي بجانب باقي الأندلسيين الذين قدموا من غرناطة في الثأر من الأسبان عن طريق الجهاد البحري الذي فتح لهم أبوابا دبلوماسية كبيرة أدت في النهاية إلى استقلالهم لفترة معينة من التاريخ بمناطقهم عن السلطان المغربي دليل قوتهم ومنعتهم. حيث أصبحت لهم علاقات سياسية واقتصادية مع أوروبا مباشرة.
📚
كان للوجود الأندلسي تأثيرا كبيرا على الحياة في المغرب على مدى قرون تتبعها المؤلف واستطاع إبراز نواحي مختلفة من ذلك: السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والعلوم والزراعة والعمران والعادات والتقاليد والترجمة واللغة وغيرها.
📚
مهما كان من قول فإن الأندلسي كان عليه أن يواجه تحديات حضارية في وطنه وفي الغربة حيث تعرض للظلم واليأس في مراحل مختلفة فخسر وطنه العزيز وبقي في وطن مؤقت على أمل العودة إلا أنه فقد كل أمل في تحقيق حلمه وركن إلى الواقع ليعيش في المغرب ويقرر أن يندمج اجتماعيا في الحياة العامة وينصهر مع مرور الأجيال في تلك الأرض.