معني أنا اكثر منك بهذا الصباح .. أيها الأفق الأبيض معني بهذه الشموس التي تنطفئ على رملك كل مساء معني اكثر منك بقطيع السحب هذا.
بإوزك وشياهك ورعاتك بالمرأة الحليبية على الشرفة تكور شعرها الخلف أو تمسح عن وجنتيها القبل .
معني أنا اكثر منك بالنارنج الأصفر أيها الفلاح الذي غرسته ذات يوم اكثر من محياك الكالح معني أنا ..
بالفرامل تغرغر باردة على الإسفلت بالمركبات المسرعات بالجالس النحيل قرب النافذة وهو يومئ ثانية دون أن تراه حبيبته معني أنا بكفه التي عادت خالية . بهذا الظلام .
معني أنا أكثر منك أيها الحوذي بخيولك البيض التي ملت الجري في الظهيرة وقريبة إلى نفسي نجواها.
معني أنا .. أيها الصياد بشباكك وصبرك وسنّاراتك وتفرحني اكثر منك الصباحات وكما سلالك ملأى بالأسماك مليئة روحي بالحب .
معني أنا .. بالسفن الراسية بالخشب المنخور على الشطآن بالأشرعة المحطمة بالكواسج الجائعة بالنوارس الميتة على ألواحها .
معني أنا أيها البّحار الشيخ وترجف السواحل في جسدي وتفزعني القوارب الطافية وتلويحة الغرقى .
معني أنا.. بالبحارة الهنود اكثر من ذويهم ، وأخشى على أفئدتهم من الغرق .
معني أنا بالخناجر أكثر منك أيها القتيل وكما جالت في خاصرتك جالت في خاصرتي معني أنا أيها القاتل بيدك الصماء هذه ، بالدم الأبيض على ثوبك بخنجرك الذي ألقيته في النهر وكما تطاردك الأشباح يطاردني خيالك الأحمر .
معني أنا أيها السجّان الذاهب إلى القلعة بمفاتيحك الألف وغرفاتك المظلمة معني أنا ..
اكثر منك أيها الجندي بزوجتك التي تركتها في السرير بشعرها الذي سقط الثلج عليه مبكرا بخطواتها آخر الليل وقد تأخرت كثيرا .. معني أنا ببكائها المرّ على الأريكة .
معني أنا أيها الشمعدان بنورك الذابل على الرخام بتاجك الأصيل .. بالعصا المركونة تحت المنضدة بالعبد الساهر على محضياتك أيها الأمير .. معني أنا ، معني أنا بأكمامك المطرزة بالنصر .
أكثر منك أيها الماء معني أنا ..بأسمائك الملونة بوعائك الزجاجي أللاصف بذبالة النور على شعرك أيها الصبي بصليبك أيها القديس .
معني أنا .. بالغائب أكثر منك أيها الحاضر أيتها الطبيعة الخرساء بحفنة العشب على قبور قتلاك المجهولين
طالب عبد العزيز ، شاعر عراقي ولد في ابي الخصيب بالبصرة عام 1953 ويعد من اهم الشعراء العراقيين من جيل ثمانينات القرن العشرين إذ برز في كتابة قصيدة النثر ويعد أحد العلامات الفارقة في تجربة الشعر العراقي فيما يخص هذا النوع من الكتابة.
تقول الناقدة الدكتورة بشرى البساني عن الشاعر: "إن خيال الشاعر طالب عبد العزيز ، وخيال الشعر الأصيل عموما لا يحضر أثناء الكتابة حسب ، لأنه يعيش التجربة طويلا قبل إنجازها ، يتفاعل معها ، يشتغل بتفاصيلها في طبقات الوعي العميقة أو ما كانت تسمى باللاوعي ، ثم ينتجها بحرية كاملة ، حرية تمارس وعيها في فضاءات حرة ترفض كل أنواع التبعية سواء أكانت التبعية للتدين ام للسياسة أم الايدولوجيا ؛ لأنها حرية نابعة من الداخل وليس من المصطلحات والمفاهيم ، وهو بهذه الحرية يسبر غور الوجود وغور الموجود ويسبر غور ذاته معا ، وهو في مسيرة السبر هذه يكتشف كل يوم جديدا في هذه الاقانيم ليشكل شعره من خلال رؤية تتسم بالقوة والتوازن في بناء القصيدة ، قوة زمنية يستمدها من براءة الخلق الأول الذي أدركه معرفيا حيث النعيم مطلق والحرية شمولية ، والتواصل أثيري دون أعباء تكبله ، وتوازن متأتٍ من التوجه بهذه القوة العارفة نحو البرهة الحاضرة لإعادة تشكيلها فنيا برؤية جديدة بعيدا عن تشنجات الوعي الشقي الذي يعاني منه كثير من الشعراء والفنانين" .[1] ويقول الشاعر كاظم الحجاج عن شعر طالب عبد العزيز: "منذ قصيدته (العشاء الأخير) حجز طالب عبد العزيز لنفسه كرسياً في حديقة الشعرية العراقية الرائدة دوماً بمنجزها. وكان كرسيه في الواجهة مباشرة. فكيف فعل ذلك؟ مع أن القصيدة تلك، لم تكن معي الآن ولا في أثناء تخطيط هذا التقديم، غير إني الآن أستطيع تلمس فرادتها في قصائده اللاحقة التي أملك الآن وحتى مجموعته الرائدة كذلك (تاريخ الأسى) بغداد 1994"[2]
: للشاعر اربع مجاميع شعرية وكتاب واحد في النثر تاريخ الأسى، عام 1994 عن دار الشؤون الثقافية بغداد - ما لا يفضحه السراج، عام 1999 عن دار ألواح في إسبانيا - تاسوعاء عن دار عبادي للدراسات والنشر في صنعاء - الخصيبي عن دار الشؤون الثقافية بغداد 2012 - قبل خراب البصرة دار آراس اربيل 2012 ،الطبعة الأولى / وعن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، الطبعة الثانية ، 2015 -
: من أشعاره
احدهم كانت يده مضيئة غطَّته ُالسَّحابةُ الكبيرةُ ، لم يعدْ في القمرِ نورٌ يكفي فاتخذتُ يدي هادياً، أتلمسُ الطريقَ إلى البيتِ ، قدمي أيضاً،كانت تُعينني على سَمْتِ الأرضِ وأمْتها، لكني كثيراً ما أخطأتُ موضع َ الحجارةِ، تلك َ التي كنتُ أتخطاها في النَّـهار. أغصانُ غَرَبٍ وخيالُ من سدّرةٍ هنا سعفٌ وزوائدُ قصبٍ كانت تجمعها يدي فأمرُّ ،غيرَ واثق ٍ ، مستعيناً بالسِّياجِ الطينِ ،صِرتُ لِصقهُ حتى أني شممتُ رائحةََ العَفن ِ في التُّرابِ على قميصيَ الليلي . قناطرَ من ظلالٍ تخطيتُها ،قافزاً خِلتها تِرعاً ،سواقيَ تُروى في النَّهار لمْ يُفزعْني طائرٌ الظلمةِ التي كانت ترين فتجاوزتُ الشجرَ والجداولَ والظلال َ إلى البابِ، كانتِ الأبقارُ سوداءَ بما يكفي في الظلام ،كذلكَ الإوز ُ وزوجا الأرانبِ البيضاوانِ . ظلَّ النور ُ هامدا ً هناكَ..في الأعالي لا أعلمُ كمْ سحابةٍ غطّتِ القمرَ الليلةَ تلك قبل أنْ يصْحَبني أحدُهم، كانَت يدهُ مضيئة ً بما يكفي لأتبيَّنَ طريقيَ إلى السرير .
بالطفولة تذرعنا حين مضت بين دفاترنا عصا المعلمين وتذرعنا بعصر مذهل خلف السياج حين أصغينا لهم رسمنا العيون والأذان على لوح معتم فأخفينا حلما في الثياب وآخر على بعضنا وتذرعنا بحبيبة في القلب حين أرادونا عشاقا على المسرح ولما إحمر في وجناتنا الخوخ تذرعنا بريح الصباح وبصفعة الأخ الأكبر وتذرعنا بالطرقات حين توزعت القبل وبالثياب حين تعرى الغيم وبالبيت حين ضاقت الشوارع وبالجيوب المثقبة تذرعنا حين شحت النقود وطردنا الأهل ولما صرنا نكبر وأصبح لكل منا قامته الخاصة وقمصانه الخاصة وحبيبته الخاصة وحلمه الخاص جاءت الحرب وقد أهملت كل الذرائع .
الديوان التاريخي للشاعر طالب عبد العزيز، هنا بصم بقوة، شعراء البصرة عادة يمتلكون قدرة عالية على تحقيق عوالم سحرية خاصة بهم ، عالم منسوج ببطء ومصقول بعناية، هم زهاد بعيدون عن الاعلام مخلصون لنسيج الكتابة وعالمها الحقيقي طالب وعلي محمود خضير وعبد الكريم كاصد أحب شعراءالمدينة الحالمة الى قلبي