يقدم هذا الكتاب بما يضمه بين دفتيه من أبحاث قيمة إطلالة مهمة على مناح متعددة للحياة في مصر خلال عقد التسعينيات في القرن التاسع عشر، فهذا العقد وتلك السنوات التي أعقبت هزيمة الحركة العرابية واحتلال بريطانيا لمصر في عام ١٨٨٢ حتي بداية القرن العشرين لم تحظ بالاهتمام الواجب من قبل الدارسين والباحثين أو المبدعين وحتى العوام الذين اعتبروها سنوات خمول وخمود و اجترار المرارة الهزيمة والدراسات التي قدمها أكاديميون متخصصون يشار لهم بالبنان تقدم قراءة جديدة لتلك السنوات وإعادة تقييم التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي.
Marilyn Booth is Khalid bin Abdallah Al Saud Professor for the Study of the Contemporary Arab World, University of Oxford. Her most recent monograph, The Career and Communities of Zaynab Fawwaz: Feminist Thinking in Fin-de-siècle Egypt (2021), is amongst numerous publications on early feminism, translation, and Arabophone women’s writing in Egypt and Ottoman Syria. Initiator of the Ottoman Translation Studies Group, she edited Migrating Texts: Circulating Translations around the Ottoman Mediterranean (Edinburgh University Press, 2019). Translator of eighteen published works of fiction and memoir from the Arabic, she was co-winner of the 2019 Man Booker International Prize for her translation of Jokha Alharthi’s Celestial Bodies.
الكتاب رائع و فريد في مجاله.. بطبيعة الحال لم اقرأ كل المقالات المحكمة الموجودة في هذا المجلد و أكتفيت بقراءة تلك التي تمت بصلة مباشرة لموضوع بحثي.. الكتاب صدر قبل أقل من ستة أشهر من تحرير الباحثة البريطانية البارعة ماريلين بوث (و التي ترجمت العديد من الروايات العربية للقراء الإنجليز) و يغظي العديد من الموضوعات الإجتماعية و الدينية و الفكرية و السياسية و الأدبية في مصر آخر القرن التاسع عشر.. الغرض من الكتاب هو تحدي الفكرة القائمة بأن العقد الأخير من القرن التاسع عشر في مصر كان يعاني إفلاساً فكرياً جعله متجاهلاً بشكل شبه تام من الباحثين العرب و المستعربين..
في نهاية القرنِّ التاسعَ عشرَ، كانت مصر تعيش فترةً غيرَ عاديةٍ، حيث بدت الأمور على السطحِ وكأنها هادئةٌ ومستقرةٌ تحت الحكمِ البريطاني، لكن في عمقِ المجتمعِ المصريِّ، كانت هناك حركةٌ خفيَّةٌ من المقاومةِ والتغيراتِ الاجتماعيةِ التي بدأت تتجلى في ملامحِ الحياةِ اليوميةِ.
في إسكندريةَ، المدينةِ الكوزموبوليتانيةِ التي تجمع بين جنسياتٍ وثقافاتٍ مختلفةٍ، لم يكن الموت مجرد حدثٍ عابرٍ، بل كان يوثَّق بعنايةٍ في التحقيقاتِ التي كانت تُجرى تحت إشرافِ البريطانيين. شين مينكين يروي كيف كانت هذه التحقيقات تعكس النظامَ البيروقراطيَّ الذي يهدف إلى السيطرةِ على حياةِ المصريين وحتى موتهم، حيث كانت كل وفاةٍ تُعتبر فرصةً لتأكيد الانتماءِ والولاءِ للنظامِ القائمِ. في هذه المدينةِ التي كانت تتنفس تنوعًا ثقافيًّا، كانت حدودُ الهويةِ تُرسم بطريقةٍ بيروقراطيةٍ باردةٍ، توضح مدى تعقيد العلاقاتِ بين الاستعمارِ والمجتمعِ المحليِّ.
في الريفِ المصريِّ، كانت الحكومةُ البريطانيةُ تسعى إلى فرضِ سيطرتِها على البنيةِ التحتيةِ عبر مشروعِ بناءِ الطرقِ الزراعيةِ. آرون جاكس يأخذنا إلى تفاصيلِ هذه العمليةِ، حيث يحكي كيف أصبحت الطرقُ وسيلةً لتحقيق "المنفعةِ العامةِ"، ولكنها أيضًا كانت ساحةً للصراعِ بين مصالحِ السكانِ المحليين وطموحاتِ الدولةِ الاستعماريةِ. في كل طريقٍ جديدٍ كان يُشقُّ، كان هناك سؤالٌ يطرح نفسَه: من تخدمُ هذه الطرقُ؟ وكيف يمكن استخدامها لتثبيتِ السلطةِ البريطانيةِ في قلبِ مصرَ الزراعيةِ؟ غاب عن دراسةِ جاكس أصواتُ الفلاحين أنفسِهم، والتي ربما إن وُجِدت في الأرشيفاتِ لأعطت هذا البحثَ ثقلًا كبيرًا.
وفي القاهرةِ، كانت الجامعاتُ والمدارسُ تُشكّل مختبرًا للأفكارِ الجديدةِ التي تعبر البحرَ من أوروبا إلى مصرَ. هيلاري كالمباخ تروي لنا قصةَ تفاعلِ المعلمين المصريين مع الأفكارِ التربويةِ الأوروبيةِ، وكيف تم تدريبُهم على طرقٍ جديدةٍ للتدريسِ. في مدرسةِ دارِ العلومِ، التي كانت تعني بتدريبِ المعلمين، لم يكن التعليمُ مجرد نقلٍ للمعرفةِ، بل كان وسيلةً لإعادةِ صياغةِ المجتمعِ المصريِّ عبر الأجيالِ الشابةِ التي ستصبح قادةَ المستقبلِ، وربما كان البحثُ بحاجةٍ إلى بيانِ المقاومةِ الواعيةِ لتلك الأفكارِ ومحاولاتِ إعادةِ صياغتِها بما يتناسب مع البيئةِ الثقافيةِ والاجتماعيةِ المصريةِ.
لكن لم يكن التعليمُ وحده هو الذي يخضع للتغييرِ. فيفيان إبراهيم تفتح لنا بابًا على التوتراتِ داخل الكنيسةِ القبطيةِ، حيث بدأت النخبُ العلمانيةُ تنازع على السلطةِ مع رجالِ الدينِ. هذا الصراعُ لم يكن مجرد صراعٍ دينيٍّ، بل كان يحمل في طياتِه بُعدًا سياسيًّا واجتماعيًّا، حيث كانت هذه النخبُ تسعى إلى تعزيزِ دورِ العلمانيةِ في الحياةِ العامةِ وتحدي السلطةِ التقليديةِ للكنيسةِ، مما يعكس التحولاتِ التي كانت تجتاح مصرَ في نهايةِ القرنِ.
في ظل كلِّ هذه التحولاتِ، كان هناك أيضًا إحصاءٌ للجريمةِ في مصرَ، حيث كان البريطانيون يستخدمون الإحصاءاتِ كأداةٍ للسيطرةِ. ماريو رويز يصف لنا كيف كانت الحكومةُ الاستعماريةُ تنظر إلى الإحصاءاتِ كوسيلةٍ لفرضِ النظامِ، خاصةً في المناطقِ الريفيةِ، وكيف ساهمت هذه الأرقامُ في تشكيلِ سياساتِ الحكومةِ تجاه ما تعتبره "العناصرَ الخطرةَ". كان النظامُ الاستعماريُّ يحاول تنظيمَ كل شيءٍ، حتى الجريمةَ، في محاولةٍ للسيطرةِ على المجتمعِ المصريِّ وضمان استمراريةِ حكمِه، لكن هل كانت تلك الأرقامُ حقًّا تعبر عن واقعِ الجريمةِ، أم أنها كانت وسيلةً لتبرير السياساتِ الاستعماريةِ القمعيةِ؟ كان من الممكن أن يوضح رويز كيف كانت هذه الإحصاءاتُ تُستخدم لتبريرِ التدخلِ الاستعماريِّ في حياةِ المصريين اليوميةِ، وكيف استجابت المجتمعاتُ المحليةُ لتلك الأرقامِ التي تُعتبر تهديدًا لهوياتِهم.
في الأطرافِ الغربيةِ لمصرَ، كانت هناك مناطقُ لم تصلها سلطةُ الدولةِ المركزيةِ بشكلٍ كاملٍ. ماثيو إيليس يأخذنا إلى تلك المناطقِ، حيث كانت الدولةُ المصريةُ تحت الحكمِ البريطانيِّ تحاول فرضَ سيادتِها على واحةِ سيوةَ وغيرها من المناطقِ الحدوديةِ. في هذه الأرضِ النائيةِ، كان النظامُ المصريُّ يواجه تحدياتٍ حقيقيةً في فرضِ السيطرةِ، مما يُظهر لنا مدى تعقيدِ مفهومِ السيادةِ في تلك الفترةِ.
في هذا السياقِ المتوترِ، كانت مسألةُ الجنسِ والبغاءِ جزءًا من الصراعِ بين الاستعمارِ البريطانيِّ والقوميين المصريين. حنان حماد تروي لنا كيف تحول البغاءُ إلى رمزٍ للصراعِ بين الاحتلالِ والنظامِ الأخلاقيِّ المصريِّ. البريطانيون سعوا إلى تنظيمِ البغاءِ، معتبرين ذلك ضرورةً صحيةً، بينما رأى القوميون في هذه السياساتِ تهديدًا للهويةِ الوطنيةِ.
وفي قلبِ هذا المشهدِ المتعددِ الثقافاتِ، كانت الحركةُ الفوضويةُ تجد موطئ قدمٍ لها بين العمالِ والمثقفين. أنتوني جورمان يسرد لنا قصةَ الفوضويين الذين كانوا يناضلون ضد النظامِ الاستعماريِّ، ليس فقط في مصرَ بل على مستوى عالميٍّ. هؤلاء الفوضويون كانوا يحملون أفكارًا ثوريةً تهدف إلى تغيير النظامِ الاجتماعيِّ والسياسيِّ بشكلٍ جذريٍّ، مما جعلهم خصومًا طبيعيين للبريطانيين وللنخب المحليةِ على حد سواءٍ. يركز جورمان على دور العمال الإيطاليين في نشر الفوضوية في مصر، ويقوم بالتركيز بشكل رئيس على الجاليات الأجنبية، خصوصًا الإيطالية، دون التعمق الكافي في تأثير هذه الأفكار على العمال المصريين أنفسهم.
كان من الممكن توسيع التحليل ليشمل كيف تفاعل المصريون مع هذه الأفكار، وكيف تأثرت الحركة العمالية المصرية بالفوضوية.
لم يكن الفوضويون وحدهم من يقاومون، الجاليةُ اليونانيةُ في مصرَ، التي كانت إحدى أكبرِ الجالياتِ الأجنبيةِ، وجدت نفسها في مواجهةٍ مباشرةٍ مع سياساتِ اللورد كرومرَ، الحاكمِ البريطانيِّ في مصرَ. ألكسندر كازاميس يعرض لنا كيف حاول كرومر تقليصَ نفوذِ الجالياتِ الأجنبيةِ، بما في ذلك اليونانيون، في إطار سعيه لترسيخِ الهيمنةِ البريطانيةِ. ومع ذلك، لم تكن الجاليةُ اليونانيةُ مستسلمةً، بل حاولت الدفاعَ عن امتيازاتِها وفي بعض الأحيانِ، تحالفت مع القوميين المصريين ضد البريطانيين.
كلُّ هذه التحولاتِ كانت تجري في ظل نقاشاتٍ أوسعَ حول الهويةِ الوطنيةِ. في مذكراتِه، يروي فتح الله باشا بركات قصتَه الشخصيةَ التي تعكس التوتراتِ بين الذاتِ الوطنيةِ والمصالحِ الاستعماريةِ. حسين عمر يفسر لنا كيف أنّ مذكراتِ بركات تكشف عن الصراعِ الداخليِّ الذي عاشه أفرادُ النخبِ المصريةِ في تلك الفترةِ، حيث كانوا يجدون أنفسَهم مضطرين للتعاملِ مع النظامِ الاستعماريِّ مع محاولةِ الحفاظِ على هويتِهم الوطنيةِ ( تبريرات للتعاون مع المحتل!)، ولكن، كما نلاحظ، كان من الممكن أن تعمّق مذكراتُ بركات أكثرَ عبر ربط تجربتهِ الفرديةِ بالتغيراتِ الكبرى التي كانت تشهدها مصرُ في تلك الفترةِ، مما يعطي الصورةَ سياقًا أوسعَ ويظهر كيف كانت النخبُ تتفاعل مع المجتمعِ الأوسعِ.
أوريت بشكين تأخذنا في رحلةٍ عبر أعمالِ فرح أنطونَ، الذي تناول قضايا اليهوديةِ والعثمانيةِ والإمبراطوريةِ في أعمالِه، محاولًا فهمَ موقع "الآخر" في سياق التعدديةِ العرقيةِ والدينيةِ في مصرَ. يتناول بشكين كيف شكلت هذه الأعمالُ السردَ التاريخيَّ الذي ساهم في تشكيلِ هويةِ المجتمعِ المصريِّ، حيث كانت الشخصياتُ التاريخيةُ تتصارع مع قضايا الانتماءِ والهويةِ. بطبيعةِ الحالِ لم يكن تأثيرُ أنطونَ كبيرًا، لكن دراستَه كنموذجٍ متغرّبٍ مفيدٍ.
أما جرجي زيدانَ، فقد كان يسعى إلى كتابةِ تاريخِ الروايةِ التاريخيةِ، حيث قدم للعالم العربيِّ أولى رواياتِه التي دمجت بين الخيالِ والتاريخِ. بول ستاركي يعرض لنا كيف ساهم زيدان في تشكيلِ نوعٍ أدبيٍّ جديدٍ ساعد في ترسيخِ الهويةِ الوطنيةِ من خلال إعادةِ سرد تاريخِ العربِ والإسلامِ. إن محاولةَ زيدان لدمجِ الأدبِ بالتاريخِ تبرز أهميةَ السردِ الروائيِّ في نقلِ الأفكارِ والنقاشاتِ التي كانت تدور حول الهويةِ والانتماءِ. لكن ستاركي قد يفوت فرصةَ تحليلِ كيف أنّ زيدان كان يعكس فقط وجهةَ نظرِ النخبِ الثقافيةِ، بينما كانت هناك أصواتٌ أخرى مغيبةٌ. والأهم مدى دقةَ ما ينقله زيدان تاريخيًا. فستاركي رأى أنّ كتاباته دقيقةٌ تاريخيًا وأنه في سبيل ذلك يُضحي بالعمقِ الأدبي، وهذه نتيجةٌ مغلوطةٌ حقيقةً.
في النهاية، كان الجدلُ حول "المرأة الجديدة" قد بدأ قبل ظهورِ قاسم أمين. مارلين بوث تشرح لنا كيف أنّ كتاباتِ الرجالِ حول النساءِ في التسعينيات كانت تسعى إلى إعادة تشكيلِ المجتمعِ المصريِّ، حيث كان الجدلُ حول حقوقِ المرأةِ والتعليمِ والزواجِ يعكس التحولاتِ العميقةَ التي كانت تمرُّ بها مصرُ في تلك الفترةِ. من خلال تناولها للأفكارِ النسويةِ، تُظهر بوث كيف كانت النساءُ يسعين للتمتعِ بالحقوقِ التعليميةِ والسياسيةِ، رغمَ التحدياتِ العديدةِ. وتستشعر مدى تعميمَ بوث لنتائجها، وربما الأمرُ لم يكن كذلك في حقيقته.
بالنهاية، هذا الكتابُ يعكس كيف كانت فترةُ التسعينيات الطويلة مليئةً بالتحدياتِ والمقاوماتِ، في وقتٍ كان النظامُ الاستعماريُّ يحاول فرضَ سيطرته على كلِّ جانبٍ من جوانبِ الحياةِ في مصرَ. هذه الفترةُ، التي بدت هادئةً على السطحِ، كانت في الواقعِ مشحونةً بالتغيراتِ الخفيةِ التي حكمت مصرَ لعقودٍ مديدةٍ. كتاب جيد صادر عن المركز القومي للترجمة ، لكن ترجمة سارة عناني لم تكن تعجبني صراحة، وخصوصًا في مسألة ترقيم الهوامش التي التزمت فيها بالترقيم اللاتيني، مما بدا معه شكل الكتاب مزعجًا .