الأيدولوجيا المذهبية المقصودة هنا هي الرؤية أو الاعتقاد التي يعتنقها مذهب من المذاهب لنقد وتفسير الآخر وهذه الرؤية أو الاعتقاد لا تستند على أساس معرفي صحيح فهي في أحوال مختلقة أو محرفة. وهذا البحث الرائع يقدم نموذجا لسردية مشهورة استخدمها كثير من أهل الأثر والحديث وهي سردية الجعد بن درهم. تقوم هذه السردية على أن الجعد بن درهم أعدم لأنه كذّب أن الله سبحانه كلم موسى أو جعل إبراهيم خليلا. والسياق الذي تستخدم هذه السردية هي لمهاجمة خصومهم بنسبتهم إليه وجعله المرجع الذي ترجع إليه الفرق في القول بنفي الصفات والقول بخلق القرآن من باب التشنيع. فهذا الكتاب بحث في مراجعة هذه السردية والكشف عن حقيقتها بالرجوع إلى المصادر الأولى التي ذكرت الجعد وتمييز الكاذب من الصحيح.
هذا الكتاب دراسة متقنة غاية الإتقان بذل عليها المؤلف جهدا تراه واضحا في الدقة في تتبع الأخبار وفي الاستعانة بمراجع كثيرة بلغت الأربعمائة مرجع بين قديم وحديث، ثم تخرج بعد أن تقرأ هذا الكتاب بحسّ نقديّ يرافقك دائما لا يغادرك فيما تقرأ وفيما تصدقّ مسبقا من غير مراجعة أو محاسبة.
يحاكم هذا الكتاب سردية الجعد، وجعله أصلا لنفي المتكلمين لصفات الباري تقدس اسمه، فترى فيه تدقيقًا وتمحيصًا لا مزيد عليه، لكنه لا يسائل سردية الأصالة، ولا يقدم طرحًا بديلا إلا إيماء في آخر البحث، ولم يكن هذا غرض البحث بالأساس، وإنما غرضه الحفر والتنقيب خلف رواية تستخدمها الأيديولوجيا المذهبية كثيرا ولا تحاكمها، فحاكمها، وجعلها نموذجًا لما تردده الأيديولوجيات المذهبية دون محاكمة ولا تمحيص.
ومع ذلك فلا يمكن نفي كل رافد غير أصيل في الأفكار الكلامية، يوناني أو سرياني، وثني أو مسيحي، لكن الذي أعتقده وأقول به أن صيرورة انتقال الأفكار وتطورها أكثر تعقيدا من أن تنحصر في عامل واحد، بل تتنازعها عوامل عدة، اجتماعية وسياسية وثقافية، حتى ليؤدي ذلك في تاريخ الأفكار أحيانًا إلى انبلاج فكرة واحدة في وقت واحد من أكثر من شخص، وهذا ظاهر حتى على مستوى الاختراعات والأفكار العلمية، مثل ظهور حساب التفاضل والتكامل على يد لايبنتز ونيوتن في القرن السابع عشر، ونظرية التطور بين والاس وداروين، وغير ذلك. إن انتقال الأفكار من بلد إلى بلد، ومن أمة إلى أمة، ومن مدرسة فكرية إلى أخرى، لا يكون نتاج مؤامرة شيطانية خبيثة، وإنما كانتشار النار في الهشيم والكورونا في العالم، والربيع العربي في الشرق الأوسط، يكون نتاج اشتراك في المقدمات والنتائج، وفي الأسئلة والإجابات. ثم تفتعل العوامل الذاتية لكل أمة لتنتج نسختها الخاصة من هذه الأفكار، وتلبسها لبوسها، وتضفي عليها من روحها، فتخلقها خلقا آخر. نظرية الجعد، ونظريات المؤامرة، والأيديولوجيات المذهبية، تلقى رواجا مع تهلهل بيانها المنطقي، وضعف مستندها التاريخي؛ لأن الإجابات السهلة، تدفع عن الناس قلق الأسئلة المُرْبِكة المركَّبة. فشرح آليات انتشار الفيروسات وتعقيدها، وآليات البحث عن لقاح، والعمل على ذلك، والاصطراع مع ركام السنين من البنى التقليدية والمعرفة الساذجة؛ ذلك أمر يطول، أما نظرية المؤامرة وحكايات البروتوكولات التي تحكم العالم والماسونية التي تحيط بالكون، فذلك حل سهل يريح الإنسان من عناء الأسئلة، بل ومن العمل والتفاعل مع الواقع لنقده وإصلاحه.