الحارث بن أسد بن عبد الله المحاسبي البصري كنيته أبو عبد الله، سمي المحاسبي لأنه كان يحاسب نفسه. أحد أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري، يقول عنه أبو عبد الرحمن السلمي أنه «أستاُذ أكثرِ البغداديين»؛ وهو من أَهل البصرة ولد سنة 170 هـ.
هو مختصر فيه من التوجيهات والفوائد ما يكتب بماء الذهب.
- وتفهّم تفهُّمَ من يرى بقلبه سقماً يطلب شفاءه من الله عزّ وجلّ، يفهم ما يتلو لاجئاً بسرّه إليه في نيل قوة الخشية ومزيد الفهم وعلوّ المعرفة.
- وليكن الأصل الذي تطالب من نفسك من الفهم: إعظام الله سبحانه في قلبك وإجلاله.
- يعظّم قدر النعمة عليه إذ أذن له ربّه في مناجاته بل لم يرض بالإذن حتى جعله فرضاً لازماً وحتى حرّك إلى ذلك قلبه وحببه إليه، ولو شاء لم يأذن لعاصٍ في مناجاته إلا بعد التوبة ولا لمطيع إلا بعد أن يقدّم بين يدي نجواه صدقة شكراً فيما أنعم عليه به من ذلك، ولكنه كريم رحيم بخلقه. وإن بعض ملوك الدنيا لم يأذن لمن له القدر عنده في مناجاته فما يناجيه إلا بالتواضع، فكيف إذاً أذن لمن تقدّم له ذنب وجنابة وإساءة؟ كيف يكون من المسكنة والوجل من العقوبة؟ فلا ينظر إلى زلته ومسكنته لما تقدّم من عصيانه. فكيف بالملك العظيم؟ وكلنا مناجٍ له على تضييع لحقوقه ومخالفة أمره، فنحن أحقّ بالخوف والوجل من الملك الجبّار المتكبر شديد العقاب. فليعقل العبد قدر ما حركه الله عزّ وجلّ إليه من مناجاته وليخف من ذنوبه وليحذر فيتذلل ويقبل عليه بقلبه وخضوع جوارحه لعله أن يعفو عن طول إعراضه عنه وعن نشاطه في معاصيه فيما خلا من عمره وقديم غفلته عنه وعن حقوقه.
- ويعينه على الفهم والإقبال على صلاته أن يتيقّظ لذلك ويتأهب له قبل حضورها وقبل دخوله فيها ولو بطرفة عين، يعتقد فيها أن يذكر الله تعالى وأمر الآخرة بقلبه، فإن القلب يشتغل في الصلاة بما كان مشغولاً به قبلها، وبذلك أمرت العلماء. قال الأوزاعي: "وكانوا يستحبون ذكر المعاد وشبهه عند حضور الصلاة، فإنه قلما قام رجل وقلبه مشغول بشيء إلا غلب عليه في صلاته".