هذا الكتاب بمثابة دفاع فلسفي عن الفن، في نوبة تراجع فني ألمت بنا ومناخ جديد مناوئ للفن أطبق علينا. وسبيله في ذلك أن يذكرنا بمعنى الفن الحقيقي وغايته، فيكون بهذا الفعل ذاته قد برر الشئ الوحيد الذي لا يحتاج إلى تبرير، بل الشئ الوحيد الذي يمكنه أن يبرر أي شئ آخر!
الدكتور عادل مصطفى طبيب نفسى مصرى معاصر تخرج في كلية الطب، جامعة القاهرة، وحصل على بكالوريوس الطب والجراحة في يونيو 1975. تخرج في كلية الآداب، جامعة القاهرة، قسم الفلسفة، وحصل على درجة الليسانس بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وكان الأول على دفعته طوال سنوات الدراسة. حصل على ماجستير الامراض العصبية والنفسية من كلية الطب، جامعة القاهرة عام 1986. شارك في ثمانينات القرن الماضي في تحرير مجلة (الانسان والتطور) التي كانت تصدرها دار المقطم للصحة النفسية. حائز على جائزة أندريه لالاند في الفلسفة، وجائزة الدولة التشجيعية في الفلسفة عام 2005. قدم للمكتبة العربية ثلاثين كتابا في الفلسفة والأدب وعلم النفس والطب النفسي
أن يحرك الفن الخيال والوجدان وأن يوصل المشاهد إلى تجربة جمالية خالصة متأثرة بالشكل الدال في العمل الفني هي أطروحة كلايف بِل الاستطيقية باختصار في كتاب الفن وهي ما يشرحها عادل مصطفى في هذه الدراسة، والتي توجب على الفن أن يظل غارقا في المثالية والرومانتيكية؛ فالتكرار الدقيق والأمين للواقع والطبيعة لا يعتبره كلايف بِل عملا فنيا، بل نقلا علميا للطبيعة لا إبداع فيه، وهو دفاع عن المدارس التي لا تهتم بالموضوع أكثر من اهتمامها بالأشكال والألوان والوجدان كالمدرسة الانطباعية وما بعدها وهذا ما يقوله كلايف بل صراحة ويؤكده عادل مصطفى في دراسته.
الكتاب عبارة عن "دفاع فلسفي" عن الفن، كما يصف الكاتب. كما أنه يعتمد بشكل كبير، إن لم يكن كاملًا، على كتاب "الفن"، والذي كتبه كلايف بل، وترجمه عادل مصطفى، كاتب هذا الكتاب. الكتاب جميل، ويجب على من يقرؤه أن يرجع للكتاب الذي ذكرته سابقًا. أنصح به.
لماذا أقرأ عن "الاستطيقا" التي هي علم الجمال؟ لأنّ كاتبه "عادل مصطفى". فهذا رجل يجيد انتقاء ما يتحدّث عنه. وهو كاتبٌ يبدع في تقريب الموضوع الذي يُعالجه. وهو إلى ذلك كله يُطرب قارئه بجمال لغته وجزالة لفظه. لذلك قررت أن أقرأ هذا الكتاب. وقد وجدتُ ذلك كله والحمد لله. ما هو الفنّ؟ وكيف نحكم على عملٍ فني؟ ما هي خلطة الفنّ لصانعه؟ وما هو سحر الفنّ الأصيل عند متلقيه؟ هي مقاربة تستند إلى رؤية "كلايف بل" ونظريته في "الشكل الدالّ". الكتاب قصير جميل أنيق الترتيب. وقرأته في طبعته الأحدث والتي صار عنوانها (دفاع عن الفن). وقد أحسن المؤلف بتغيير العنوان.
يقول العقاد الجمال هو الحرية وان حب الامم للحريه يقاس بحبها الى الفنون الجميلة . هل الفن غاية نهائية او وسيلة لغاية ما . يدافع الكاتب عن الفن ( الاستطيقيا او علم الجمال ) ويعرفه و يوضح مرماه، و كيف يتلقى، ومن هو الفنان . يجيب عن تساؤل فلسفي ان كان الفن خيرا بحد ذاته ،و هل هو عمل اخلاقي، يناقش وظيفة الفن واسباب حاجتنا اليه ، ويوضح الانفعال الاستطيقي ويميزه عن انفعالات الحياة الاخرى . يذكر السمات العامة التي تجمع الاعمال الفنية و الصفة التي تشترك بها جميع الاشياء التي تثير انفعالاتنا الاستطيقية ، و على ماذا يعتمد انتباهنا لاشياء معينة وتجاهل اخرى ؟ سيتضح لنا من خلال الكتاب لزوم الفن لكل انسان و أمّة ، كما انه يستعين بقراءة كتاب الفن لكلايف بل .
تذوق الفن يستلزم تربية عادات ادراكيه جديدة حيث أن الفن لا علاقة له بالنفع العملي ، فلا يكون تقدير الفن كغاية في ذاته ، كما أن معنى الفن مرتبط في الشكل الدال ( الاستطيقيا الشكلية ) والتي ترمي الى الانفعال العميق ( الانفعال الاستطيقي المنزه عن الغرض العملي ) أزاء اشياء نطلق عليها الاعمال الفنية ، والانفعال هذا يعد خبرة شخصية . أما الفنان هو ذلك الشخص الذي يفكر ويحس من خلال وسيط فني ، و اللذة الاستطيقية تنطلق بنا الى الاشباع .
غاية الفن ليست المحاكاة فالمحاكاة الدقيقة للاشياء لا تعد عملا فنيا عظيما . يجب ان تكون الاعمال الفنية تحوي على دلالات استطيقية ، فالعمل الذي لا يحوز على شكل دال ولا يؤدي الى انفعال استطيقي بل يثير انفعالات الحياة هو ليس عمل فني .
من اهم خصائص الانتباه الذي يجعلنا ندرك ونحس بالفن هو الانتقائية ، التي ترتبط بقدرتنا الذهنية على التربية الفنية التي فحواها القدرة على التأويل والتصنيف . يدرك الانسان العالم والاشياء من خلال الموقف الذي يتخذه في حياته فنحن لا ندرك الاشياء الا باعتبارها وسيلة الى غاية .
وظيفة الفن انه يفتح لنا مغاليق العالم الوجداني الى جانب العلم الذي يزيد من تمكننا الفكري والتصوري ، ويساعد على انتشالنا من اهتمامات العالم البشري و تسمى هذه ( باللحظة الاستيطيقية ) ، حيث ان التجربة الاستطيقية الحقيقية تأتي طوعا لا كرها وعلينا الا نتكلف اكتسابها فنخسرها . بالاضافة الى ذلك فإنه يزيد من تمكننا الادراكي والانفعالي ،و ندرك دقائق لم نلق لها بالا فبالتالي نحسها ، فحاجتنا الى الفن انه يزودنا بمعرفة عن عالمنا الداخلي وفضاءات اعماقنا السحيقة .