صدر من مركز دراسات الوحدة العربية كتاب زيارة جديدة لتاريخ عربي (بأجزائه الثلاثة) عبد الناصر كما حكم (1) و(2)، والبعث كما حكم (3) للدكتور كمال خلف الطويل. يقدم الكتاب بأجزائه الثلاثة قراءة جديدة لتجربة الحركة القومية العربية في الحكم في النصف الثاني من القرن الماضي.
نشأت الحركة القومية العربية في النصف الأول من القرن الماضي كمشروع نهضوي من جهة، يُخرج المنطقة من كبوتها ويوحِّدها على أسس الهوية الثقافية العربية المشتركة والتاريخ المشترك، وكحركة تحرُّر وطني من جهة أخرى، في مواجهة مشاريع الهيمنة الاستعمارية التي مثل تقسيم المنطقة العربية وزرع الكيان الصهيوني في قلبها أحد أبرز تجلياتها ومخاطرها وتأثيراتها وآليات السيطرة لديها. لذا مثّلت الوحدة العربية وتحرير فلسطين أبرز &#
واحدةً من التقييمات التي عصفت بتقييم الكتاب هنا، هو قارئ يظن أن كمال خلف الطويل لا يجيد الكتابة باللغة العربية.. صراحًة، أن لا أختلف كثيرًا، ولكن أسلوب الأستاذ كمال بعد كسر حاجز غرابة الصياغة والأسلوب يصبح المرء متآلفًا بشدة معه، بل ومحبًا كذلك.. لذلك ليس مسوغًا الحكم على اللغة في الكتاب فقط بفراغ صبر ليُخسف بالكتاب كاملًا.. أما بخصوص إخراج الكتاب من دار نشر مركز دراسات الوحدة العربية فعلى عكس للأسف كان إخراج الطباعة سيئًا حتى أن بعض الصفحات قد خرجت من الكتاب أثناء القراءة.. لكن لا مشكلة أيضًا، كله يهون من أجل زيارة جديدة وأخرى لتاريخ عبد الناصر.. معلومة بشأن أسلوب الطويل، فهو لا يقوم بتتبع سردي كرونولوجي.. العرض لتاريخ عبد الناصر تلك المرة، في هذا الجزء من الكتاب له علاقة بالقضايا، عرض "بلوبرينت"، في هذا الكتاب مثلًا يُفتح الأرشيف والوثائق مرة أخرى لتناول مواضيع "الصراع العربي الإسرائيلي-ثورة يوليو الأمريكية-الوحدة-حرب الأيام الستة-فصل خاص بأنور السادات في الحرب والسلم".. هكذا قرر خلف الطويل أن يتناول تاريخ عبد الناصر في الجزء الأول، الكتاب لا يُعيد اختراع العجلة-اختراع البارود على حد تعبير الطويل- بل يُنقح ويزيد على ما كُتب بالفعل عن تاريخ عبد الناصر، مضيفًا ما توفر مؤخرًا من الوثائق وكُشف عنه، وموظفًا لمحاضر اجتماعات عبد الناصر التي لطالما تواجدت وتم تجاهلها، حتى أن مكالمًة ظهرت للنور مؤخرًا بين عبد الناصر والقذافي عُدت تسريبًا مثلًا رغم أن تلك المادة متوافرة أو ما شابهها منذ زمن ولم تُوظف.. أيضًا يضيف الطويل بعض الرؤى فيما كان يتوجب عليه أن يكون ولم يكن.. وسيناريوهات آخرى لسيرورة الأمور.. ولكنها للأسف التاريخ لا يحب كثيرًا السيناريوهات الموازية.. وأجمل ما في أسلوب الطويل -بعد أن تؤالفه-هو أن الرجل ناصري حيّد ناصريّته، ولكنه عروبي لم يحيّد عروبته لذلك تجد أن لسانه وتعابيره قاسية طافحة بالمرارة من الغباء والترهل والفساد.. هو كتاب ذو منهاج تأريخي متميز ومختلف صراحًة، غير تقليدي.. وتوظيف الأرشيف والوثائق فيه أشبه بمونتاج فيلم وثائقي طويل عن عبد الناصر وعهده
أحياناً يتميز إسلوب المؤلف بثراء لغوي كبير وأحيانا أخرى بلغة غير مفهومة وإسلوب معيق صعب به بعض التعقيدات، سرد متميز كباحث وراوي يحيك الأحداث بترابط وتسلسل ممتاز، وكذلك بتجمعيه لمقتطفات وشهادات وتعليقات وتسجيلات أرشيفية وغيرها مما أفُرج عنها في حينه ومما تأخرت في الظهور للعلن ومن كل حدبٍ، مما ميز مصادر كتاباته
لافت للنظر تدخله بإضافة آرائه في أمورٍ سياسية وبالتلميح بأن الصواب أو من رأيه أن الصح كان "—-" والقرار كما يرى هو! قد يكون له خبرات أو ثقافات سياسية ولكن يجب أن لا نغفل أن من يفكر ويكتب ويقرأ الآن ينظر للخلف وهو خارج الأحداث والزمان، و لا غبار في ذلك فكلنا جاهلنا قبل مثقفنا يفعل ذلك، ولكن تمادت تعليقاته و ترجيحات آرائه بل إداناته إلى نواحٍ لا ناقةً له فيها متعددة ومتشعبة، منها أمور عسكرية بترجيح وجهات نظره في قرارات تكتيكية عسكرية هو أبعد ما يكون عنها طبقاً لخلفيته، بالإضافة لتعمده طمس وقائع وحقائق تاريخية عسكرية شهد بها العالم وإسرائيل ذاتها، ذُكِرت في كتب عربية وغربية وإسرائيلية، منها معارك وعمليات عسكرية شَهِد بها العالم للقوات البرية والبحرية والجوية المصرية، ولا مجال للخوض فيها الآن.
تأكدت شكوكٍ وتوجساتٍ في ما سبق ذكره من أحداث وإستشهدات أو صياغاته للأمور كما إطلع عليها وإقحامه بإسلوب تناوله لآرائه الشخصية، ما يزيد من الطين بله ويوضح المعنى تسخير مؤلفه كمنصة إدانه للهجوم الشخصي وإعتراضاته على الرئيس السادات! وتجاهله لخيانات عظمى من رؤساء و ملوك لا تُغتفر قام بذكرها مروراً وكأنها مجرد معلومات نكرة عامة كمثال تبليغات وعمليات تجسس لصالح إسرائيل من الملك حسين والملك الحسن! ولم يذكر أي أفعال وسلبيات من الجانب الفلسطيني أو السوري مما كان لها عظيم الأثر في القضايا العربية، كما مر مرور الكرام على الأدوار السعودية سواء السلبية أو الإيجابية منها، واضح أن المؤلف ملئ بالحقد على مصر ما أعنيه ليس رفض لإعتراض وإختلاف في الآراء أو أن شخص ما منزه عن الإنتقاد أو الخطأ، فمن الطبيعي أن نختلف في الإتجاهات والأحكام على الأشخاص والتوجهات والقرارات ولكن ما خرج منه دون سيطرة أو بتعمدِ هو تسجيل إساءات وإدانات شديدة تبرز مكنوناته الشخصية، فضحت توجهاته وأحكامه المسبقة على شخص ما وهنا نقصد الرئيس السادات كمثال صارخ منه لإعتبارات ربما تعود لهويتة وتآثراته الأصيلة أو نتاج ما تربى ونشأ عليه فكرياً، وليس كما كان يرجو منه كمثقف يقرأ ويفكر بحيادية أو شبه حيادية وهي لسيت باليسير.
توجستُ قلقاً عندما قرأت عن المؤلف قبل بداية قرائتي للكتاب متمنياً أن يخلُف ظني وأن لا أجد توجهات شخصية أو دوافع عرقية أو قناعات مسبقة وغيرها تُحيد بالتاريخ والحقيقة وتُضاف لصفوف الأعمال الشائعة من المؤلفات العربية التاريخية المليئة بالمغالطات وذلك شائع في العالم أجمع ولكنه عند الأمم العربية بالسائد عبر التاريخ المليء بالإنحرافات والمغالطات إلي أن أصبح مُحرف بدرجة كبيرة، رغم ما في الكتاب من التميز إلا ويستشف القارئ تعمد للإساءة واضحة منها ما خص القوات المسلحة المصرية وكذلك أجهزة المخابرات جميعها، قد تكون هناك سقطات أو حتى هزائم في جولاتهم ولكن ألم توجد أي عملية ناجحة ! أليس الأمر بالغريب ! وكأن الأمر هو تعمد الإساءة لمصر كدولة ولقواتها وأجهزتها الأمنية والسياسية ولصانع النصر الوحيد في التاريخ الحديث للعرب وتحميل مصر مسؤلية أحوال الدول العربية كافة.
ذكرني بكتابٍ قرأته لمؤلف عربي عن صلاح الدين الأيوبي، كتاب جيد جدا إلى أن وصل الي حروبه وانتصاراته على الصليبيين وتحرير بيت المقدس وبدأ بذكر أن الجيوش العربية الأخرى هي التي هزمت الصليبين وليس الجيش المصري الذي خرج معه من مصر !! يا لا العجب! تمر السنون الطويلة و تحدث الثورات العربية لأكتشف خلفية هذا الكاتب المنتمي لجماعة الأخوان وأدرك سبب ما بثه من سم وتعمد الهجوم والتقليل من شأن مصر . مريض فكري نفسي آخر يزيف التاريخ ليرضي ذاته الضالة على حساب الأمانه والحق والتاريخ وخداع الأجيال.
كم تمنيت أن أقراء مؤلفََ عربي حيادي ولكنه ما زال بعيد وهذة واحدة من آفات الشعوب العربية .
يُعدّ كتاب عبد الناصر كما حكم دراسةً معمّقة للمرحلة الناصرية في العالم العربي، وهو لا يقدّم سيرة تقليدية لجمال عبد الناصر بقدر ما يعيد صياغة تاريخ حقبته عبر تتبّع مراحل تطوّره وتطوّر العالم العربي من حوله. يبدأ من حرب فلسطين 1948، مرورًا بـ ثورة يوليو 1952، ثم العدوان الثلاثي 1956، وتجربة الجمهورية العربية المتحدة، وصولًا إلى هزيمة 1967 وانتهاءً بعام 1970. في هذا المسار، يغوص الكتاب في أدقّ تفاصيل نظام يوليو في مصر، والتطورات والتغييرات الحاصلة داخل مجلس قيادة الثورة، كما يتناول شبكة تحالفاته وخصوماته في العالم العربي وخارجه. ورغم أنّ الكتاب يحمل نقدًا واضحًا لتجربة الحكم الناصري - سواء في السياسات الاقتصادية أو الأداء العسكري أو بعض الخيارات السياسية - إلا أنّه يقدّم قراءة مختلفة عن السرديات التقليدية. فهو يبتعد عن النقد الدعائي السائد، محاولًا تفسير الأسباب الحقيقية لموت الناصرية بوفاة مؤسسها، دون أن يغفل في الوقت نفسه عن إبراز النجاحات اللافتة التي حققها في مجالات متعددة.
ومن الجوانب اللافتة أيضًا أنّ الكتاب يفنّد، بمهارة، كل الروايات الدعائية التي رُوّجت ضد عبد الناصر، سواء من قبل أنور السادات وحلفائه العرب والغربيين، أو من خصومه الداخليين مثل الإخوان المسلمون والتيارات الشيوعية. ويعتمد في ذلك على مصادر متنوعة، تشمل تقارير استخباراتية، ومحاضر اجتماعات، ومقابلات، ما يضفي على العمل ثقلًا توثيقيًا واضحًا.
لا يخلو الكتاب من بعض الأخطاء البسيطة، كالتباس في أسماء أو تواريخ، وربما يعود ذلك إلى ضعف نسبي في المراجعة. لكن من حيث المضمون، يظل عملًا قويًا يكشف الكثير من الوقائع والشخصيات، ويتميّز بجهد واضح في تتبّع مصادره الأصلية.
وتلخّص عبارة لعبد الناصر، بعد النكسة 1967، مسار تجربته السياسية بقدر كبير من الصراحة: «كل معركة بالسياسة دخلناها قدرنا نكسبها، وكل معركة دخلناها بالجيش ماكسبناهاش.»
ممتاز بالرغم من العربية الأكاديمية التي كانت تحتاج إلى بعض التخفيف لتمنح القارئ رؤية واضحة حول هذا الكتاب، بالإضافة إلى ضعف العنوان الذي ظلم الكتاب ظلما بينا.