عالم فريد يصنعه الكاتب أحمد برغش في روايته "ثلاث شامات يحرسنَ المدينة "؛ إذْ يدمج فيه بين الواقع والمتخيل وهو يحصي معاناة شعب كامل معرجًا على أدق التفاصيل، حتّى تخال نفسك واحدًا من أولئك المنهمكين في إعادة ترتيب النفس وفق حسابات الزمن الطارئة. مسيرة حياة كاملة تجسّدها شخصية البطل بكل انفعالاتها وهدوئها فتبرز مخاوف الإنسان السوريّ، وهواجسه، وأحلامه الفطرية التي سرعان ما تدوسها عجلة الوقت والطبقيّة والوطنيّة المدّعاة لتؤول إلى استراحة مؤقتة، وانتظار جديد.
في هذه الرواية لا تستطيع أن تكون حياديا، تستفزك مشاهد الفوضى العارمة، وتأوّهات المكلومين يحاولون التعايش مع ما فرضته الحرب عليهم. لقد أبدع الكاتب في نقل صور حقيقيّةٍ من حياة المجتمع السوري المتخبّط في سيرورة زمنيّة جمعت بين إيقاعين سريع وبطيء، فتارةً يجعلك تتأهب لملاحقة الأحداث ومتابعة صخبها، وتارة أخرى تسترخي في لحظات تأمّل تفيض بالحكمة والجلد والصبر، وما بين هذا وذاك تستأثر بتفكيرك تساؤلات عدّة: كيف يصمد الإنسان إزاء الموت والدّمار؟ كيف يمكنه العيش جسدًا بلا روح؟ هل استطاعت الحرب على مرّ الحقب المتعاقبة أن تعيد هيكلة الوجود الفكري وفق منظومتها المترعة بالحقد والغضب والجشع والاستغلال والبطش؟ والأهم من كل هذا: إلى أين يمضي الإنسان وهو مكبّل بألف فكرة ولعنة؟
تتشابه أوجاع البلدان التي يُحكمها طُغاة، فلو بدلنا سوريا بأي بلد يحكمها طاغية، لوجدت نفس الأحداث بشكل مألوف، ودون أن تشعر بغرابة، فرواية "ثلاث شامات يحرسن المدينة" تنقل حياة شاب يُحاول أن يستخرج شهادة "حسن سير وسلوك" وتبدأ رحلته بالتنقل من قريته إلى أحد المكاتب الحكومية التي تقوم بتلك المهمة أو دعنا نقول تدعي إنها تقوم بذلك، وتبدأ رحلته بالحشر في أحد الباصات الممتلئ إلى درجة أنه لا يوجد مكان للهواء لتتنفسه، إلى التفتيشات العديدة وقدرة أي ضابط أو مسئول أن يُحيل يومك جحيماً أو حتى حياتك كلها، وتعددت الأسباب والتعسف واحد؛ فربما يراك مُشتبه به، إرهابي، غير وطني، إلخ إلخ إلخ من النعوت التي تسمح للسلطات بالتحكم فيك وفي أفكارك، ثم بعدما يتحمل معاناة الطريق، وتفتيشاته وتعسفه، ويصل إلى الهيئة المختصة، يجد أن هناك عائق يشكك في وطنيته، وعلى رغم من تفاهة العائق، يجعله في خطر أيضاً، فأخبرني صديقي القارئ، كم بلد جاءت في بالك الآن قد تمر فيها بنفس العملية التعسفية من جعلك نكرة أمام الوطن وحاميته وجلاديه؟
بأجواء كابوسية تقترب من الديستوبية وتشعر أن هذا العالم ليس بحقيقي، وأنه مجرد خيال لواقع سوداوي لا يُمكن أن يوجد في أي بلد، ولكنه الواقع الذي نعيشه ونُدركه ونشهد عليه، يُضيف لنا الكاتب بعداً جديداً عن البيروقراطية، وطريقة تشكيلها للفرد بداخل المجتمع، وكيف يستخدمها الطغاة للتحكم في شعوبهم، فبجرة قلم وبضعة خربشات على ورقة قد تُنهي حريتك، بل وتُنهي حياتك أيضاً، بالإضافة إلى منحها رداء الوطنية وأنه كل ذلك من أجل حماية الوطن؟ حماية الوطن من أي شيء؟ من حاميه؟ من جلاديه؟ لا! من شعبه المقهور بقبضة حكامه.
ولكني وجدتني متعطش للمزيد من تلك الحكاية، شعرت إنها ناقصة وتحتاج لكثير من الإضافات، فانتهت الرواية في لمح البصر، دون فهم مصائر الشخصيات، أو تطلعاتهم أو حتى خلفياتهم وماضيهم، فالنطاق الزمني الضيق للحكاية -يوم واحد أو أقل- لم يكن كافياً ليُرضيني، فبعدما نظرت للرواية من الصورة الأكبر، وجدتها مبتورة، كأي عدالة يُمكن أن ننتظرها من هذا العالم، ولكنها لا تزال تجربة جيدة تضيف صورة جديدة لسوريا من الداخل وليس من الخارج. وتشجع للقراءة للكاتب مرة أخرى.
بشكل غريب يصادف بدء قراءتي للكتاب يوم تحرير سوريا،فكانت ذكرى لطيفة. أحمد من نوع الكُتّاب الذي يعتمد على الوصف الكثير وهذا لا يعجبني كثيرًا، القصة عن شاب ورحلته في الحصول على شهادة حسن سيرة وسلوك في عصر الأسد -الذي ولّى ولله الحمد- ووصف لكل شيء منذ استيقاظه من النوم لحتى عودته للبيت والعودة للنوم.. بس كذا
يوم من حياة رجل سوري نازح في دمشق، يبحث عن شهادة "حسن سيرة وسلوك"، للأسف خيبت ظني، عادية جدًا، يعاب عليها كثرة التشبية، ولا توجد قصة واضحة غير وصف لحال البلد
..... كان وقع كلمة انتهت في نهاية هذه الرواية موجع و مُر كفراق صديقة عزيزة خفيفة الظل في حضورها أخذت استمع اليها بنهم وأتنقل بين صفحاتها واحدة تلو الأخرى وهي تَسرد قصتها شيء فشيء وتنفض عن كاهلها غبار الحديث ، كانت متعبة ومنهكة من الركض في الدروب التي لا تؤول الى نهاية والعرق يتصبب من جبينها
وددت أن أمد يدي أربت عليها أطمئنها علها تهدأ ، أدثر الخوف الذي يعتري قلبها، لكن
" شيء ما في داخلي َنهرني فقلت لنفسي: ليس الخوف برذيلة، بل إنه ضروري ضرورة الماء هذه الأيام، هناك دوافع وجيهة للخوف، إنه مواز للحكمة، أجل فكل ما خلى الخوف تهور سيؤدي بصاحبه دون شك إلى التهلكة" (ص( 36
يصير الخوف شبحاً جالساً فوق سطح المدينة التي تسكنها مدلدلاً قدميه من أعلى ، يدس طعمه بين ثنايا رغيفك ، وأحياناً أخرى يمد لسانه لك ساخراً ، يقف في طريقك واضعاً يديه على خصره ويصير عليك مواجهته كل صباح
فتبدأ بتفكيك صورته الضخمة وتبدأ برسم صور هشة له و مهترئة وهكذا بدأ الكاتب يروض خوفه وينهال عليه بالأسئلة
" مم أنا خائف؟ من الموت مثلا؟ سألت. : "الموت هين، هناك ما هو أفظع" (ص36)
الأسئلة التي كان يطرحها من خلال الحوار الذاتي كانت تبدو مثل الأسلاك المتشابكة ببعضها البعض فكان الكاتب يفككها بحذر هي واجاباتها لتبقى واضحة أمام عينيه وهنا يجيء هذا العمل كنوع من أنواع المقاومة، المقاومة بتفكيك الفكرة الضخمة وتفكيك أجزاءها بدأ بمواجهة الخوف باعتباره قطع خوف صغيرة، يحاول أن يركلها ويكمل سيره في الطريق بدا الكاتب في مرحلة ما مطمئن بعض الشيء في مواجهة فكرة الخوف و يحاول أن يتحكم به أكثر و يسيطر عليه ، ما لبث قليلاً ثم وجد نفسه واقعاً في بئر الخوف مرة أخرى
" لماذا لم يخرج الخوف من ثقوب الرصاص ؟ "
فكل رصاصة كان يَشهدها تَقتل شهيداً كانت تَقتل بالقهر والخوف ألف حي غيره وكل رصاصة أخطأت شهيداً وثقبت جدار بيت، قد سلبت روح البيت من بين أهله.
"هذا الخوف يأكل أجسادنا". " هل تظن أن الخوف فر من الحافلة؟ " "هل تعتقد أن الخوف يشبع؟ "(ص36 ،37)
أخذت هذه الأسئلة تلتف حول عنقه وصارت يدا الكاتب ممزقة من كثرة تفكيك الأسئلة التي لم تجد اجابة ،صار يرخى قبضته المحكمة عليها شيئاً فشيئاً وكف عن اجابة الأسئلة التي تتخبط في رأسه طوال الوقت. أحس بعجزه أمام هذا الخوف الذي كلما تغذى على جلود أهل المدينة تتضخم جثته ويكبر أكثر فأكثر.
الشِعر في الرواية كان هدنة واستراحة بين الألم والألم الآخر، كان يشكل سقيا الماء التي تروي الكاتب في ظمأ الطرقات وطول التعب والانتظار، كلما أحس بالعطش يهرب بين بيوت الشعر يختبأ في زواياه يسند ظهره قليلاً ويشرب ما يكفيه،
أظهر الكاتب مدى براعته واتقانه وتشبعه بالشعر بشكل خاص ومدى تلذذه في ممارسة حرفة الأدب وكان ينتقي من بينها ما يروي ظمأه مثل صاحب الصيدلية الذي يعرف متى وكيف يستخدم كل دواء، وهكذا كان الكاتب يضع كل بيت شعر في موضعه المخصص له، ويضمد به ثقوب الجرح
.
الرواية للكاتب الصديق السوري الودود أحمد برغش خريج قسم الأدب المقارن معهد الدوحة للدراسات العليا شكراً على هذه الرواية
أعطيها ثلاث نجمات مع أنها ليست برواية سيئة ولا بجيدة بما يكفي، ولكنّي مترددة قليلاً في اعتبارها رواية. شعرت وكأن الراوي لديه الكثير من الأفكار ليحكيها وبشكل مفصل وبأسلوب تطغى عليه السخرية والحزن في آن واحد. قلبه همه على دمشق وفي كل زاوية لا تلتقط عيناه سوى المعاناة والكبت وضيق الصدور.
حقيقةً هي رواية تعطيك انطباعاً بالضيق، هل السبب كونها رواية مضغوطة زمنياً في يوم واحد دون حتى فلاش باك؟ أم لأنّ المدينة تضيق بسكانها وبالراوي؟ أم لأنّ الراوي يخرج من مكان ضيق لآخر دون أن يُنهي شيئاً؟. لا استطاع إنهاء مهمته في استخراج ورقة حسن سيرة وسلوك، ولا استطاع أن ينقذ فتاةً قابلها في مركز تحقيق من براثن الأمن، ولا استطاع أن يحتمل حديثاً مع بائع ذرة، ولا وجد الفتاة التي ينتظرها بالمقهى ولا حتى أستمع لحديث كامل في الحديقة. ألا يسهل أن يضيق صدرنا معه؟
ربما أردت لرواية أحمد برغش أن تستمر أكثر، ولكن ربما قصرها أيضاً بسبب الضجر الذي يعمّ دمشق. وكأنّه يقول لنا، هذه هي مأساة مدينة بشار الأسد لا شيء أكثر لنحكيه لا شيء أكثر لنعيشه ونحسه.
لفتني أنّ الراوي قد وجد بالصدفة وهو جالس بلا هدف حواراً عميقاً ومثقفاً لرد فعل شخصين مجهولين حول تسريب صور التعذيب للمكنّى بـ "قيصر" المصور والعسكري السوري الذي انشق عن نظام الأسد وسرب صوراً بأعداد كبيرة عن التعذيب في سجون النظام الوحشي. الحوار كان عميقاً جداً ويطرح نظرة نقدية حول المقاومة وتسريب البيانات وفضح النظام وجدواها في واقع قمعي وفي غياب الأمل. بدا الحوار خارجاً عن سياق الرواية، في ذات الوقت مُنح متسعاً جيداً من الحوارات القليلة في الرواية فما الرابط؟ خصوصاً وأنّ الراوي لم يتفاعل أو يتأثر بالحوار ومضى في حال سبيله.
في انتظار المزيد من أحمد برغش ذو القلم الساخر والحزين، على أمل أن يمنحنا رواية بزمن أرحب.
كتجربة أولى أجدها مميزة. لغتها رشيقة لولا بعض التكلف والمبالغة في التشبيهات. أيضا تباين الحوار بين العامية والفصحى افقد السرد شيء من البهجة. مع أنه ابدع في كتابة الحوارات العامية بدرجة كبيرة. راق لي قصر الحكاية التي تروى في يوم واحد. وشعرت بأن الحوار بين ( الشخصين في الحديقة) عن الجثث ، كان زائداً عن متن الحكاية ما أصاب السرد بالببطء والنمطية وربما يشعر القارىء بالملل. وبالمقابل: شدني كثيرا الفضفضة مع بائع الذرة؛ شعرت بذلك الانسان وكأنه أمامي. وكذلك : اعجبتني النهاية الواقعية؛ بينما البعض قد يبحث عن نهايات مثلا : يعتقله النظام أو يقتل زوجته في السرير، أو يجدها تنظره ثم تشك أنه تزوج بامرأة أخرى. كان ينقص الرواية حدث عام أعمق يظلل تفاصيل ذلك اليوم التعيس الذي يعكس معاناة كل مواطن عربي يعاني من البيروقراطية المقيتة. نقطة اخيرة : شكرا لاهتمام دار النشر بنوع الورق والاخراج الأنيق. عموما : أعتقد أن (أحمد البرغش) يسجل بداية حقيقية في سجل الرواية العربية.
تدور أحداث الرواية في يومٍ واحد.. كلّما تقدّمت في القراءة، تتعب من قتامة الواقع الموصوف، وتتوقّع المزيد من العثرات. تصلح كفيلم قصير يسرد يومًا عاديًا في حياة السوريين المنهَكة في زمنٍ ليس ببعيد.