عن الموت بتجلياته في الذهن والتصور والفكر الفلسفي للشاعر. جاهد لخلق المسافات التي تفصلنا عنها، وهي تستدعي، تبعاً لذلك، كتابة أقرب إلى الاستجابة اللحظية لما لا ينفكُّ يتجدد. بين الرغبة والرهبة، والترقب والانتظار، والموت المشتهى. والحب ووداعه المستعجل. عن تجارب معاشة ومتخيلة في التصور. فالأفكار لا تعبِّر، وهي لا تكشف إلا بقدر ما تحجب - " إن الأفكار رموز لا تحمل حقيقتها فيها، بل تستر حقيقة باطنية، وفي هذا الستر ذاته تومئ إليها."
عن ذاك الشيء المجهول في النفس الذي لا يدنو لِيشبع، ولا نعود منه! …، و عن ذاك المتسع في القاع الذي يصارع فيه الشاعر ضد الشتات؛ الموضوعات التي تجنبها، والمفهومات التي تحاشى استعمالها، والنواقص التي لا شك أنها طبعت مساره، بل والعيوب التي اعترت ماكتبه، وما أعمل فيه فكره، سعيٌ للاستفراغ!
وكذا الحضور الطاغي للأم مقترنةً بالموت، بصورها النازفة في الذاكرة و الموشومة في وجهه الصارخ في الروح و الأنفاس؛ حيث تجلس أيامه الميته!
ويعاين البؤر التي تبلورت فيها انشغالاته،"رغم أنه يظل ضائعاً بين نتف ما يكتب، تائهاً بين دروب لا يبدو أنها تتقاطع، فإنه يتَّبع، على رغمه، وربما من غير وعي، يتَّبع مسالك تُخَطُّ له، ومسارات ترسمها انشغالات اللحظة المعرفية التي يتفاعل معها، بحيث ينتهي به الأمر إلى أن يعمل وفق منطق لا يحيد عنه؛ منطق الشعر أو منطق المعنى. "
"الأرضُ جسد ميّت، الأشجار أضلع مكسورة، الجبال أورام الضحية. لا تمشي، هي جثَّةٌ في نعشها، إننا في الكفن، ويحملوننا إلى المقبرة، كلُّ آلاف السنين كانت طريقاً للموت، والذين يحفرون ذلك القبر العملاق، لا يعرفون شيئاً عن براغيث ناعمة، ولدوا داخل الجثَّة، وهذا الدُّودُ الذي يأكل لحمها توقَّفَ ليُشاهد القصيدة، والجراح صارت كهوفاً نسكنها، وطوَّرنا، بنيْنا فوقها التاريخ، تقاتلنا على دمها الأسود، ولا تعرف المجرَّةُ ما يدور في العمق، لأنّ صرخاتنا لم تصل الفضاء الأصم."
لا زلت غير قادرة على تخطي هذا العمل. تلك الرؤى التي تتجاوز المادي والملموس إلى منطقة خفية من السحر والخيال، منطقة تغدو أشبه بالحلم: كما لو كنت تطفو سابحاً على سطح الوعي في غمرة اللاوعي، شيء من هذا القبيل ربما؟ إنه جنون! وهذه كتابة مجنونة بحق!
عمل مدهش بتجربته الشعرية الفريدة! هُنا أرق عميق يأخذنا في رحلة شعورية تتقاطع مع تجاربنا الشخصية بصورة مؤثرة جداً .. صُور شعرية تغمر أعماقك لتجعلك في حالة تأمل دائمة. ورغم أن بعض النصوص تناولت الموضوعات ذاتها، إلا أنها في كل مرة تستثير شيئاً عميقاً فيك.