يتناول هذا الكتاب السرديات بصفتها إمبراطورية تمتد جغرافيتها لتشمل كل الخطابات اللغوية وغير اللغوية، فالسرد بتعبير بارت مثل الهواء يوجد في كل شيء تقريبًا. بهذا الفهم يَنظر الكتابُ إلى السرديات في شقها البنيوي الذي يهتم بالخطاب من ناحية الزمن والفضاء والشخصيات... ثم من زاوية الجانب الثقافي عبر الإيمان مع بول ريكور وإدوارد سعيد بأن النص متورّط في الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي والتاريخي.
هكذا، يدافع الكتاب عن ما نُسميه ب "السّرديات الموسّعة" التي تشمل النظرية البنيوية، والمقاربة الثقافية. فتوسيع السرديات ضرورة معرفية لمقاربة السرد بصورة تتجاوز البنيوية الكلاسيكية على اعتبار أن السرد ليس مجرد متوالية من الجمل أو الأحداث بقدر ما هو تعبير عن الذات الإنسانية في علاقتها المركّبة بالعالم. يطمح هذا الكتاب إلى الإسهام في مقاربة النص الروائي ضمن رؤية نقدية تهدف إلى إزالة الحدود بين السرديات البنيوية والثقافية، وتجسير الهوة بين المقاربتين. لأن دراسة النص السردي دراسة وافية تقتضي الانطلاق من بنية الشكل، والانتهاء بالمستوى الدلالي والتناصي والتأويلي. استقام هذا الكتاب في فصلين الأول نظري في أربعة مباحث حاول الكاتب فيه ضبط مفهوم السرد والسرديات، ثم تتبع مراحل تطور هذه الأخيرة بدءً من الحقبة الكلاسيكية التي تشمل الشكلانية والمدرسة البنيوية، ثم الحقبة ما بعد الكلاسيكية التي تضم تيارات ما بعد الحداثة مثل ما بعد الكولونيالية والدراسات الثقافية. ثم انتقل إلى البحث في نشأة الرواية العربية، وتشكّل خطابها مع ظهور الوسائط الجماهيرية، ثم الوسائط المتفاعلة التي قدمت إبدالات معرفية جديدة ساهمت في تطوّر السرد الروائي، والنظرية السردية التي انصرفت في المجمل إلى العناية بثلاثة عناصر: المناص، النص، التناص.
أما الفصل الثاني، فقد خُصّص لدراسة روايتين معاصرتين؛ البيت الأندلسي لواسيني الأعرج، والمغاربة لعبد الكريم جويطي. وقد تم تقسيم الفصل إلى ستة مباحث؛ الأول يُعنى بدراسة الحكاية السردية في علاقتها بالشخصيات، والثاني بتشكيل الفضاء الروائي، والثالث ببنية الزمن السردي، والرابع بالتناص الداخلي والخارجي، والخامس بتفكيك خطاب السلطة، ثم السادس بتناول قضية الهوية الفردية والجمعية. أما فيما يخص منهجية التحليل فجمع الفلاق بين الروايتين كلما أمكن الأمر. لأنه لم يرد أن يتعسّف على النص، أو ليّ عنقه، بقدر ما يستشف آليات التحليل في الجانب البنيوي والثقافي من النص نفسه.