يسعى هذا الكتاب إلى اقتفاء أثر روايات، كانت بالنسبة لي، مرجعاً جمالياً في الكتابة، وشغف القراءة، مثلما هي مشغل سردي لتطوير عمل المخيّلة، والتحليق عالياً مع شخصيات وأماكن ومواقف، لطالما كانت بمثابة قوارب إنقاذ من يأس مؤكد. هكذا كان عليّ أن أعمل على حراثة نصوص مُلهمة بتحديقة مختلفة لجهة الحذف، والإضافة، كما لو أنها نسخة أولى بحاجة إلى توطين أو قيد نفوس. سيقع القارئ إذاً، على إحالات إلى بعض عناوين وردت في كتب سابقة، هي "قانون حراسة الشهوة"، و "ضد المكتبة"، و "نُزهة الغراب"، و"حفرة الأعمى"، فيما يخص الرواية دون غيرها، ووضعها في نسق مختلف عمّا كانت عليه قبلاً، تبعاً لمشيئة القارئ لا الروائي، بالإضافة إلى فحص مصائر بعض الروايات والسير واليوميات تحت بند "الكتابة بلا بنج"، حيث لا فرق جوهرياً بين الأدوات المستعملة في غرفة العمليات، وغرفة الكتابة، أقصد تلك النصوص التي كتبها أصحابها باللحم الحيّ، وبأقصى حالات المكاشفة. هذه العناوين المختارة، تأتي كمرافعة عن عمل الحكّائين، وتبجيلٍ لصنيعهم، أولئك الذين أهدونا عمراً إضافياً بتدوين حيوات متخيّلة، خرجت من رحم الروايات إلى فضاء العيش.
هذا ثالث كتاب أقرؤه لخليل صويلح، هذا الكتاب عبارة عن مقالات تتحدث عن كتب قراءها صويلح، هي أقرب للانطباع منها إلى المراجعة، ستثري كثيراً المبتدئين في عالم القراءة، وستطلعهم على عناوين يحتاجونها في مشوارهم القرائي.
كنت أظن بأنني تجاوزت الكتب التي تتحدث عن الكتب، وكبرت عمرًا أو ازددت فهمًا على أن اقرأها واستمتع بها. لكن الأستاذ خليل يحيلني إلى مبتدئة في طريقته المقالية الرائعة في المرافعة عن الكتب. في بداية السنة قرأت أول رواياته "ورّاق الحب" وكرهتها، لكنني حاولت الاستماع لصاحب دار نينوى وأعطيته فرصه في كتابه الأخير هذا الذي بين يديّ لا أخفيكم أنني أخذته اليوم بشكل عرضي غير مخطط به وأنهيته في ساعتين مشي في الممشى القريب من بيتي. فعلًا رحلة. وفعلًا مهما كبرنا لا زلنا صغيرين في عالم الكتب.
كنت أعتقد جورًا وبهتانًا بأن أي كاتب يكتب عن الكتابة قد أعلن إفلاسه من الأفكار، ربما لأني أُطلق حكم الإفلاس القاسي على نفسي حين أكتب عن الكتابة فقط لأني توقفت عنها، متناسية أجر المحاولة!
لكن خليل صويلح لم يكتب عنها لذات السبب، من يبدأ كتابه بمقالة عنوانها: "الكتابة بالعصب العاري" حتمًا لا يُعلن إفلاسه.
خليل في هذا الكتاب كان خليلاً لروائيين قرأنا لهم أو سمعنا عنهم وبعضهم لم أسمع عنهم أنا شخصيًا وذُهلت حين قرأت عنهم ومنهم الرحالة وراوي القصص حنا دياب. ذهب في كتابه لتحليل كيفيات وحيثيات لا تشغل بال القارئ عادة ولكنها صنعت ما يقرأه.
خليل لم يكتب عنهم بأسلوب مُخبر ولا قاضي بل بأسلوب أديب، يُنصف الشعر بشعر، بدليل أنه وعلى كثرة الإحالات في كتابه إلى أعمال لم أقرأها بعد لم يصبني الملل أبدًا ولا غابت عني الفكرة.
أحب طريقة خليل صويلح في النظر عميقاً في النصوص الروائيّة التي يتناولها بالتحليل فهو وإن غاص فيها بعمق مُظهِراً جوانب البراعة فيها يبقى مع ذلك مشغولاً بواقع السرد العربي ويحاول أن يخرج من كل عمل بقيمة يؤكد على أهمية وجودها وتدعيمها في السرد العربي، الكتاب هو مجموعة من المقالات النقدية التي يقف فيها على أعمال روائية عربية وغير عربية إبراهيم أصلان وكيليطو و غليانو وآني آرنو وماركيز وغيرهم ويتفحصها بعين بصيرة فاحصة تنقب عن الفرادة في هذا العمل أو ذاك فيما جاءت بعض الفصول للحديث عن تأملات في عدد من جوانب الكتابة الروائية ومفاهيمها كالزمن أو تركيب الشخصيات أو الاستهلال والخاتمة بأسلوب بسيط وبعيد عن التعقيد الأكاديمي .كتاب ممتع لمن يحبون الأعمال التي تتحدث عن الكتب والكتابة وحتماً ستخرج من هذا الكتاب بقائمة كتب جديدة .