ولد هذا النص من رحم مخطوط ما يزال يعيش معي منذ ما يربو على ثلاث سنوات. لم أكتب منه سطرا واحدا، ولا ابتدعت أدنى معنى من معانيه. واقتصر دوري على انتخاب مادّته وتحقيقها من مجموعة دفاتر خطّها صاحبها بيده قبل ما يزيد على ثلاثة عقود. المؤلف الحقيقيّ مهاجر تونسيّ يُدعى الجيلاني ولد حمد. قدم ذلك الرجل إلى باريس في بداية الثمانينات القرن الماضي، وعاش فيها بضعة سنوات قبل أن يُحاكم ويودعَ السجن في ظروف ملتبسة. ولسبب مجهول هرب من حبسه قبل نهاية محكوميّته بأسبوعين فقط مخلّفا وراءه مخطوطا مكوّنا من دفاتر متفاوتة الحجم ودرجة الحفظ. عثرت الشرطة على الدفاتر الّتي خلّفها الجيلاني ولد حمد مع مجموعة من الرسائل من مخلاة بجانب سور السجن، ورجّحت أنها سقطت منه عند هروبه. أستطيع أن أتخيّل مدى حسرة الرجل حينما وطئت قدماهُ الأرض واكتشف أنّ ما أمضى سنواتٍ في كتابتِه قد ضاع منه في رمشة عين. ولا أستبعد أنّه قد فكّر جدّيا في تسليم نفسه لولا يقينه بأنّ حبسَه سيُمدّدُ شهورا طويلة دون أدنى ضمانة باستعادةِ ما ضيّعه. استعانت الشرطة بمترجم من أصل عربي للاطّلاع على محتوى المخلاة من دفاتر ورسائل. وبعد انتهاء التحقيق ضُمّت كلّ تلك الوثائق إلى الملفّ العدليِّ للسجين الهاربِ، وأُرسلت إلى أرشيف إحدى إدارات مصلحة السجون. كانت بلا شكّ ستتلف بفعل الزمن والرطوبة، دون أن يعلم أحدٌ عنها شيئا، لو لم يتدخّل القدرُ وينقذها من ذلك المصير البائسِ.
عرفت الرواية التونسية في السنوات الأخيرة تطوّرا لا بأس به. ليس فقط بحضورها الدائم في جوائز الرواية العربية الكبرى بل تتويجها كما طليانيِّ المبخوت، وإنما أيضا بتجاوز قيمتها النقديّةِ شهادةَ الجوائزِ ولجانَها، واحتلالِها موقعا فريدا، قد يحتاج الدّارسُون إلى مسافةٍ زمنيةٍ للانتباهِ لها، مثل رائعة أميرة غنيم، نازلة دار الأكابر. ولئن النازلة لحظةٌ استثنائيّةٌ فإنّ أغلب الأعمال تنتمي إلى النوع الأوّلِ. ينتهي المرءُ وهو يقرأ للروائيين التونسيّين، إلى وجودِ مادّة خصبةٍ تصلح حقّا للكتابة، ولكنّها كثيرا ما تتوه في ثنايا حبكةٍ مهترئةٍ. لذلك، وأنا أتنعّم النوادر التي جمعها الجيلاني ولد حَمد في دفاتره، كنتُ أراقبُ، بقلقٍ، ما بقي من الصفحاتِ، وأكرّر ذات التساؤل، متى تتوهُ الروايةُ عن أبطالِها، ومتى تتهلهل حبكتُها؟
الإجابة القصيرةُ، لم يحدث ذلك تماما. أما الإجابة الطويلة، فبحاجة إلى فهمِ بناءِ هذه الروايةِ، والانتباهِ إلى دلالاتِها. يخصّص الكاتبُ صحبي كرعاني (وأفضّل أن أسمّيَه الصّحبي) مقدّمةً للتنصُّلِ من نصِّ روايتِه، ناسبًا إيّاهُ إلى رجلٍ غريبِ الأطوارِ، هربَ من سجنِ ليل Lille شمال فرنسا، قبل أيام أو أسابيع من خروجِه المفترضِ، وتركَ خلفَه سهوا، دفاتره الّتي خطّ فيها سيرته الذاتيّةَ. فكرةٌ طريفةٌ قد لا يشكُّ المرءُ في خيالِها لولا أن أجاد الكاتبُ غزل تفاصيلِها، فخلق لدى القارئ ما ينشده من الحيرةِ والالتباسِ. يقيمُ الصحبي الكرعاني حقّا في مدينة ليل، وهو حقّا أستاذ رياضيات بالجامعة. فمن الواردِ جدا أن يحظى بهذه الدعوةِ للنّبش في أرشيف السجون، وإحصاء ما يرادُ إحصاؤه. صَبـغ هذا الجزءُ بواقعيّتِه الأكيدةِ، بقيّة السياقِ المقترحِ، فأوهم قُرَّاءً كُثرا بذلك، وحقّق للكاتبِ مبتغاهُ الحقيقيَّ وهو الفصلُ الجازم بينه وبين الرّاوي البطلِ. ولكنّ تفصيلا بسيطا خانه في لعبته. إذ يقول في اهتمامِه بالدفاترِ التي عثر عليها صدفةً: إنّ صاحبها من ذات القريةِ التي هو من أبنائها. فماذا يخبرنا علمُ الإحصاءِ عن هذه المصادفةِ المدهشة؟ تخيلوا قريةً تونسيّةً لم يتجاوز عمرها سبعة أجيالٍ، يلتقي اثنان من أبنائها من الجيل نفسِه تقريبا (بين الكاتب وبطله نحو عشر سنين) في مدينة فرنسيّةٍ يندرُ أن يأتيَها التونسيّون، ولكم أن تستنتجوا احتمالات حدوث هذا الأمر. لا يعني اختلاقُ البطلِ، اختلاقَ حكايتِه. فأغلبُ ما سوفَ يُطالعنا من أحداثٍ بلسان الجيلاني، على قدرٍ من الأصالةِ، والنقصان (imperfection) يصعبُ استنباطُهما. وبالتّالي، يمكن الاطمئنانُ إلى اعتبار دفاتر الجيلاني، دفاتر الصحبي في الواقع. إنها شبه سيرةٍ ذاتيّةٍ مقنّعةٍ. يحاول فيها صاحبُها، استرجاعَ حياتِه التي تركها خلف ظهرهِ، في شكلٍ روائيٍّ بذل فيه جُهدَهُ ليقنعَنا بانعدامِ علاقتِه بها حتّى يتحرّر من محرجاتها. هاهو يتوخّى منهجيّةً ماكرةً في سبيل ذلك. فعوضَ أن يُبرزَ جانب الخيالِ فيها، نجدُه يجتهدُ ليقنعنا بواقعيّتها، وواقعيّةِ بطلِها الجيلاني. ألا تُبعدُ نسبةُ الأحداثِ إلى شخصٍ آخرَ، نسبتَها إلى صاحبها الأصليِّ؟ لهذا يصرّ الكاتبُ على مزامنةِ أحداثِه والأحداثِ التاريخيّةِ العامّة التي عرفتها البلاد في تلك الفترةِ. فتزامن التأسيسُ مع وقائع انتفاضة علي بن غذاهم، وتزامنت وفاةُ عامر ولد حمد ببداية الاحتلال، وأبرِزت الأحداث التاريخية المؤثرة في حيوات الشخصيات، من المقاومة المسلحة، إلى الحرب العالمية، إلى الحركة الاستعمارية الفرنسية، إلى النازية، إلى الاستقلال، وحتى انقلاب السابع من نوفمبر…
تُنشد كثافة الحضور التاريخيِّ في الرواية عادةً إلى إسقاطٍ لرحلة البطلِ على رحلةِ البلادِ. نرى ذلك مثلا في رواية ليليان لي Lilian Lee: الملك المهيمن يودّع خليلته. أو في رواية ونستون ڤروم Winston Groom فورست ڤمپ Forrest Gump، أو أيضا في رواية "ذات" للمصري صُنع الله إبراهيم. أما في دفاتر الجيلاني، فيصعب أن نجد هذا الإسقاط. ولكننا نرى رغبة قويّة في الربط بين الرّحلتيْن لسببين على الأقل. فأولا، من أجل ما سبق ذكرُه من رغبة في إيهام القارئِ بواقعيّةِ الأحداثِ وبالتالي حقيقةِ وجودِ الجيلاني، كشخصيّةٍ لا علاقةَ لها بالصحبي الكرعاني. وبهذا الانفصالِ، يمكن للكاتبِ أن يتحدث عن حياتِه، التي باتت حياةَ شخصٍ آخرَ، بقدرٍ كبيرٍ من الحريّةِ، والتصّرفِ، وعدم التحرج.
أمّا السبب الثاني، فعلى علاقة وطيدة بغرض الكتابِ. لا ننسى أنّ الصحبي الكرعاني، أستاذ رياضيات هاجر منذ بداية التسعينات تقريبا إلى أقاصي الشمال الفرنسيِّ، وتأسست حياتُه هناك، وغابت في تخومِ عالمٍ لا يشبهُ في شيءٍ عالمَه الذي فيه تربّى وترعرعَ. لم يمتْ عالمُه الأوَّلُ ولكن كان سجين مدينةِ ليل الفرنسيّةِ وكان عليه أن يهرب، أن يفرَّ بجلدِه عبر الخيالِ، وعبر الدفاتر. إنّ قصة سجن الجيلاني وفرارِه على قدر كبيرٍ من الرمزيّةِ، حتّى إنني لم أعجب من عدم انتظاره لنهاية المدّة الوشيكة. حنينٌ قويٌّ إلى جزءٍ راسخٍ منه، لم يمت، حتى وإن تقوّضَت ملامحُ العالم القديمِ خلف سدّ سيدي سعد أو كما أسماهُ سدّ بورڤيبة بدايةَ الثمانينات. وكان من الضروريِّ أن يتحوّلَ من أضغاث ذكرى إلى حاملةٍ تُخلِّدُه، وتلك هبة الأدب. تحضر الذكرى إذا ممزوجة بدفقة قويّة من عبق التاريخِ، فتُذكّر القارئَ والكاتبَ على السواءِ بأنّ ذلك العالمَ الذي اختفت آثارُه، كان هناك بلا ريبٍ، وأنّ تلك الأحداث التي انتهت إلى شخصيّتِه التي هو عليها الآنَ، حقيقةٌ لا ريب فيها، حتّى وإن امتزج الواقعُ فيها بالخيالِ. فذاك جزء من طباعِ الكاتب منذ طفولتِه مثلما أبرزته الفصولُ.
يتناوب الخيالُ والحقيقةُ في علاقة الجيلاني ولد حمد بالصحبي الكرعاني، فيصعب تعقبُ هذا وذاك، ولكن لا يستحيلُ كلّه. ولئن لا يمكن التصديق بممارسة الكاتبِ مثلا للملاكمة السرية في باريس، إلاّ أننا قد نتقبل رغبته في ممارسة الملاكمة في مرحلة من حياتِه. وربما مارسها بالفعلِ في القيروان، مثلما أشار لذلك عرَضا على لسان الجيلاني. ففي النهاية، ينهلُ أبطالُ الدفاتر بيُسرٍ من ذاكرةِ الصحبي الكرعاني، ومن خيالِه، لأنّ بنية النصِّ تقوم على تراكم الاستطراد في سرد النوادر والأخبارِ المتفرّقةِ. فلا تؤثّر رحلةُ عثمانٍ إلى دمشقَ في معاركِ الجيلاني على حلبات الملاكمة، إلا تأثيرَ التاريخ في الحاضرِ. وقليلا ما نشهدُ تلاحما دراميّا بين بعض الأحداثِ، مثل عودة ربيحة زوجة عثمان الأولى، أو ربّما العودة إلى يونس عبر زوجته آمنة وابنته زهرة. على أن الاستطراد، ليس متعارضا مع وجود هيكلٍ عامّ منظومٍ مسبقا. ولا شكّ أن الكاتب يعرف منذ البداية ما سوف يحدثُ للجيلاني، معرفتَه بما سيحدثُ للصبيِّ الصّحبي. فنراهُ لا يقتصدُ ومضات الاستشراف Flashforward التي يُجيدُها الكاتب أيّما إجادةٍ: يعمدُ إليها، فيكشفُ جزءا بسيطا من الأحداثِ قبل أوانِها، فلا يزيدُ القارئ إلا تشويقا. وبين هذه الخطوط العامّةِ المُعدَّةِ مسبَقا، يسمح لنفسه باستطراداتٍ متنوّعةٍ، تنبثق من خلطٍ متعمّدٍ بين خيالِه وذاكرته، وتتحقّق بها حاجته إلى سكب شخصيّتِه القديمةِ، بذاكرتها وأحلامها أيضا.
لكنّ الصحبي الكرعاني وهو ينبشُ في تاريخِه، نبشَ في جزءٍ من تاريخِ البلادِ وصنع لنا شيئا مثيرا: هاهو ذا يمنحُ سلطةَ الخطابِ لطبقةٍ يكادُ الأدبُ التونسيُّ يتجاهلُها، وإذا ما أفرد لها بعض المساحة، فهي مساحةٌ مصطنعةٌ، قائمةٌ على صورةِ تلك الطبقة بعيون الآخرين. أعني طبقة "الأعراب" من بدوٍ وبطون قبائلَ عاشت حتّى بدايات الاستقلالِ، في دواخلِ البلاد على هامش مدنها. فقد ظلّت الرواية التاريخيّةُ التونسيةُ حبيسة المدينة العتيقةِ، أو ربما واحات الجنوب. وحتّى عندما كتب حسنين بن عمّو عن عام الفزوع، فلا تكاد تجدُ في عالمِه تلك الأصالةَ العفويّة التي ارتسمَ بها ذات الإطارِ، في دفاتر الجيلاني. ومن هذا المنظور، فدفاتر الجيلاني، وثيقة رائعةٌ عن ملامح الحياةِ الريفيّة المهيمنة على البلادِ قبيلَ الاستعمار وحتى نهاية التعاضد. ولم يعد يفصلها عن الملحمة التاريخية إلاّ عجز الكاتبِ عن تحويلِ كلِّ ذلك الزخمِ القصصيِّ إلى صياغةٍ دراميّةٍ حقيقيّةٍ. إذ تأتي أغلب الحواراتِ في شكلٍ تقريريٍّ مضجرٍ يفصل بين القارئِ وبين لحظةِ الحوارِ. أما الأحداثُ فعلى مادّتها المثيرةِ، كثيرا ما تخونها الصياغةُ التلخيصيّة، واللغةُ البسيطةُ التي تقربُ أحيانا من لغة الصحافةِ. يلتجئ الكاتب مرّة أخرى إلى سلاح التنصّل من نصِّه بهوامشَ ذكيّةٍ يذكّر فيها بأنّه أورد الكلام مثلما وجده، بل مثلما كتبه شخصٌ غير متعلّمٍ، عاشَ صعلوكا على هامش قومِه المهمّشين! (يذكّر أحيانا بموهبة البطلِ غير المصقولةِ في الإنشاءِ، وهو تبريرٌ قد يتوافق مع الكاتب أكثر من توافقِه مع اليعسوب) على أنّ دفاتر الأدب العربيِّ تحتفظ لنا بشخصياتٍ مهمّشةٍ تجيد التعبير عن نفسها وعن تهوّر عاطفتِها، مثل الياطر. فلا تعارضَ بين شاعريّةِ السّردِ وبين مستوى السّاردِ الثقافيِّ.
ولعلّني أجدُ حسنةً للغةِ الكتابةِ في كثافةِ المفردات من لغة التونسيّين، ومن ثقافتهم القبليّةِ العميقةِ. إذ يؤصّلُ النصُّ ببراعةٍكلامنا التونسيِّ في العربية، ويجعل من استعمالِه طبيعيّا في مناسباتٍ كثيرةٍ. ويستعملُ الحوارَ الذي كان في أغلبه بالفصحى، ليزيدَ من كثافةِ اللهجة التونسيّةِ. على أنّ العمليّة لا تخلو أحيانا من الإفراطِ والزّللِ، مثل "المنداف" (وقد شرحها في الهامش)، و"أرسلته إلى سكومة" بمعنى "بعيدا" (ولم يشرحها)... فكان النصّ أعقل من أن يكتبهُ صعلوكٌ متهوّرٌ حرٌّ مثل الجيلاني، وأقلَّ شاعريّةً من سيرةٍ زاخرةٍ في مادَّتِها ما فيها من الأفكارِ المثيرةِ.
هل تاهت الروايةُ عن أبطالِها؟ وهل تهلهل حبكتُها؟ ليس تماما. صحيح أننا في النهايةِ لم نعرف الكثير عن زمن الكتابةِ نفسِه، عن حاضر الجيلاني في سجن ليلِ أثناء كتابة الدفاتر. وحسبُنا منهُ علاقتُه المختزلةُ برفيقِ سجنِه البولونيِّ. وصحيحٌ أنّ تشظّي النصّ ولّدَ هلهلةً بسيطةً في نهايتِه عندما لمسنا تناقضا بين ما قاله الجيلاني عن سفره إلى القيروان زمن الحصاد (الفصل السادس) وبين ما قاله في الختام عن سفره نهاية سبتمبر (الفصل العشرون). بل إن النص نفسه يقوم على نوع من التشظّي يجعلنا أحيانا نتساءل عن الغاية من الحديث عن لقاء الراوي بأستاذ الفلسفة الكشباطي أو بعض الحوادث المتفرقة التي تقلّ فيها الطرافة، وتخلو من علاقة بالهيكل القصصي العام. لكنّه الهيكلُ نفسُه، القائم مثلما أسلفتُ على الاستطراد، ما يُعطي شرعيّةً لهذا التشظي، ويجعله مراكمةً سرديّةً طبيعيةً. ثمّ إن الكاتب، حاول أن يخلُص في نهاية سرده إلى بعض المعاني، معتمدا على الرّمزية، وهي سلاحُه الأدبيُّ الأنجع ول�� شكّ. لقد بدأت سيرةُ الجيلاني، بسيرةِ جدِّ جدِّه، عامر ولد حمد، ذلك الرّجل الذي انبثق من الطاعونِ، مثلما انبثقت قريته من عين ماء وواد يحيط بهما الموت من خلف الجبالِ. واستمرّت رحلةُ الحياةِ فيها، صراعا مع كلِّ شيءٍ تقريبا، الاستبدادُ، والاستعمارُ، والنازيّةُ، والجهلُ، والطبيعةُ القاسيةُ، لكنّ الأشدّ وطأةً على الجيلاني، وقومِه، كان دوما الاحتقارَ. وذلك، كانت محاكمة الجيلاني في نهاية الرواية، استعادةً لحسابٍ قديمٍ جوهرُه تأفّفُ المُعمِّر كولان (لاحظوا التقارب بين Colin و Colon) من احتضان المرّوكي غداة هزيمة النازية. وبهذا المعنى تأخذ سيرةُ الجيلاني بعض قيمةٍ، إذ ليسَ أضرَّ على الاحتقارِ والتجاهلِ والتهميشِ، من أدبٍ يحفرُ خطابَ المهمّشِ عميقا في ذاكرةِ المستقبلِ.
ككل مرة أقرأ فيها رواية رائعة، احمل هم كتابة مراجعة تفيها حقها. فكيف لكلماتي المتواضعة ان تلخص في اسطر ما جال في مخيلة الكاتب شهورا واحيانا سنوات قبل ان يهدينا عملا فريدا كدفاتر الجيلاني ولد حمد. والحقيقة اني لا أنوي تلخيص ماهو مستحيل تلخيصه. مبتغاي هو ان انجح ولو قليلا في انتقاء المصطلحات التي تجعلك عزيزي القارئ تعدو الى اقرب مكتبة لاقتناء ما أعتبره مركّزا أدبيا حرا على وزن العسل الحر. فالدفاتر لا تُقرؤ. الدفاتر تستساغ، تتلذذ بكل صفحة منها، حتى حواشيها السفلية تقرؤها بشغف ومتعة. لا أستهوي التشبيه ولكن، إسمحوا لي بان أقول لكم فقط، انني لم استمتع بشخصيات كشخصيات ولد حمد منذ مئة عام… من العزلة، ربما. أحببت كل فرد من هذه القبيلة او العرش او سمها كما شئت، فهي أجمل رؤية صورت فيها قصة ادم وحواء و أحفادهم. بحثت كثيرا عن هذا الدوار في الشبكة. للاسف لم أجده، وربما من حسن الحظ اني لم أجده، فحتما كنت سأضحي بعطلتي على شاطئ البحر لأزور هذه الرقعة من الارض، بين جبل الزفزاف ووادي زرود علّني اعثر على مريم او عثمان او حسونة او اللافي… لاشاركهم عادات لم تكن لتخطر على بال حضرية قضت حياتها في المدينة. فالدفاتر عزيزي القارئ ليست مجرد وقائع ينقلها لنا الجيلاني بطريقة سردية ممتعة. الدفاتر شاهد على عادات ريف القيروان ومؤرخ لأعرافه. لغة الدفاتر ثرية، تغلب على اسلوبها الطرفة الذكية، فتجد نفسك احيانا تقهقه من دعابة مشهد او موقف سريالي لا يخطر على البال، نهاية الرواية وحدها تستحق انتظار ما يزيد على 400 صفحة لنتلذذ باحداثها. بنية الرواية مركبة. يتلاعب الكاتب بالازمنة والاسماء و الجغرافيا. وحتى هذا التعقيد، قرأ له الكاتب حسابا فأرفق الرواية بشجرة عائلية كلما اختلطت علينا الشخصيات و ضعنا في متاهات اولاد حمد. كاتبنا عزيزي القارئ، استاذ رياضيات. هل تصدق؟ ماذ تركت استاذ كرعاني لخريجي كلية الاداب؟ هم الان في حيرة من امرهم. اي فكرة واي قلم سيقدمون للقارئ بعد هذا العمل الرائع؟ انت نفسك استاذ. ماذا يمكن ان تقدمه لنا بعد هذه التحفة؟ والله لاني ارأف بحالك فالمهمة شبه مستحيلة. شكرا استاذ لهذه الهدية القيمة. شكرا للكومار في اختيارها الصائب. قليلا ما اتفقنا مع لجان التحكيم على جائزة. فشكرا جزيلا لهذا التتويج.
- رواية دفاتر الجيلاني ولد حمد وإرث سيرفانتس المذموم : قراءة كونديرية لم أستغرب وأنا استمع لصاحب الرواية يتحدث في تصريح اعلامي له، عن تأثره بدون كيشوت - سيرفانتس، مقررا أن يكتب روايته بروح ذلك الأثر الخالد. أخذا منه شكله البيكارسكي (التشردي) أين نتابع بأثر رجعي مغامرة الجيلاني ولد حمد في فضاءات متنوعة ( ريف القيروان - تونس العاصمة - فرنسا ) ما ستخبرنا به الأحداث في البداية أننا أمام مهاجر تونسي، قابع في إحدى السجون الفرنسية، يقرر أثناء حكمه، الإستعانة بدفاتر، لتدوين ما يمليه عليه عقله، زاعما خوفه من فقدان الذاكرة أو الجنون. أما عن كيف ستصلنا هته الدفاتر، فتلك لعبة أخرى، حيث ينجح الجيلاني في فك حصاره، ويهرب من أسوار السجن رغم قرب انقضاء فترة حكمه، لكنه سيفشل في أخذ دفاتره معه، بعد أن سقطت منه أثناء فراره، لتعثر عليها الشرطة ثم يتحصل عليها في وقت لاحق، باحث في العلوم الإجتماعية يشتغل على موضوع " شخصية المهاجر المغاربي في السجون الفرنسية" - الشكل الڤودڤيلي قرأت تعليقا حول الرواية من قبل روائي تونسي كتب فيه "اللغة الجميلة وحدها لا تصنع رواية. هذا ما يجب على الروائي أن يفهمه. دون بنية متينة تضبط الأحداث والشخصيات لا يستقيم النصّ الروائي" قد اختلف كثيرا مع الرأي السابق، إذ برز في أمريكا الشمالية، ولعدة عقود (منذ بداية الـ 1880 حتى أوائل الـ 1930) نوع مسرحي تسلوي سمي ب ڤودڤيل ( Vaudeville) يتكون من سلسلة فصول وأعمال لا علاقة لها ببعضها، حيث تجتمع أعمال الموسيقيين الشعبية والكلاسيكية والمغنيين والراقصين والكوميديين والحيوانات المدربة والسحرة والأكروبات والأغاني المصورة واللاعبين، ومسرحيات من فصل واحد أو مشاهد من مسرحيات والرياضيين ومحاضرات المشاهير والمنشدين والأفلام، حيث تولي أهمية بالغة للحبكة بكل جهازها المكون من المصادفات غير المتوقعة والمبالغ فيها. عندما تم سؤال ميلان كونديرا حول علاقة أعماله بنوع الڤودڤيلي ومن ثمة ارتباطها بفكرة التسلية، أجاب على النحو التالي " لقد كانت الرواية الأوروبية الكبرى تسلية في بدايتها، ولكل الروائيين الحقيقيين حنين إليها، التسلية لا تلغي قطعاً الجد. إن خلقَ وَحْدةٍ بين جدّيّة السؤال القصوى وخفّة الشكل القصوى هو دوماً طموحي لا يتعلق الأمر بطموح فتي صرف. بل لتكثيف مآسينا تلك التي تحدث على أسِرَّتِنا وتلك التي تؤديها على المسرح الكبير (التاريخ) في تفاهَتِها المُرعبة. غير أن واقعية روايات القرن التاسع عشر لم يعد ممكناً معها لعبة المصادفات بعيدة الاحتمال أو فكرة التسلية، ومن ثمة غدت أمرا مشكوكاً فيه وتافها وبالياً ومستقبحاً. لقد حاول الروائيون، بدءاً من فلوبير، بالبحث عن سلسلة من التوافقات المنطقية أو العقلية، التي أدَّت إلى حدوث الفعل، وبذلك غدت الرواية في الغالب أكثر رتابة من أكثر الحيوات رتابة. - في ما وراء السببية ( الطابع اللاسببي واللامتوقع والغامض للفعل الإنساني ) ما الفعل؟ إنّه سؤال الرواية الأبدي، سؤالها الأساس. كيف يولد قرار ما؟ كيف يتحول إلى فعل، وكيف تتسلسل الأفعال كي تصير مُغامرة؟ لقد حاول الروائيون القدامى تجريد خيط عقلانية شفافة من مادة الحياة الغريبة و السديمية، فالمحرك المُدرَك عقلانياً هو، في تصورهم، ما يُولد الفعل، وهذا الفعل يقود إلى فعل آخر، والمغامرة هي التسلسل السببي الجلي، للأفعال. يقر ميلان كونديرا بأن أهم إكتشاف للرواية هو اكتشافها لطابع المفارقة في الفعل الإنساني، من خلال البحث في النسج الدقيق للحوافز الهاربة، والأحاسيس العابرة، وصولًا إلى الفعل أو القرار، حيث غالبًا ما يبدو التساؤل واضحًا: هل اتخذ البطل القرار؟ أم اتخذ القرار البطل بطلًا له؟ هل يعني هذا عناية بالعالم الداخلي، والسرد اللاواعي؟ لا، ليس البحث في ما وراء السببية هو البحث في اللاوعي، بل هو البحث في منطقة الوعي المهمَّش، والمتجاوز للا عقلانيته، لفرط بساطته؛ حيث لا يليق اعتباره سببًا: لا واقعًا ولا خيالًا، لأنه يغادر أرض المأساة التي تشعرنا بالعظمة، إلى أرضٍ لعبيَّة تمامًا. البطل في رواية المزحة كونديرا مثلًا تتغير حياته بشكلٍ كليٍّ ليس لأية أسباب عظمى، بل مدفوعةً بحوادث صغيرة تقع خلف ستار السببية. البطل في رواية الصحبي كرعاني يدخل السجن ليس لأنه مجرم أو متحيل، هو لم يفعل شيء يستحق السجن عليه، وإنما مصيره كان مدفوعا أيضا بحوادث صغيرة تقع خلف ستار السببية. يعشقُ فرتير زوجة صديقه. لا يستطيع أن يخون صديقه ولا يستطيع أن يتخلّى عن حُبّه فينتحر إذاً. الانتحار الشفّاف مثل معادلة رياضية. لكن لماذا تنتحر أنا كارنينا؟ بالرغم من أنها لم تأت إلى المحطة كي تنتحر، بل أنت لتبحث عن فرونسكي، وقد ألقت بنفسها تحت القطار دون أن تتخذ قراراً بذلك. إنّ القرار هو بالأحرى، الذي استولى عليها، هو الذي فاجأها بسبب اندفاع غير مُتَوَقِّع» لماذا هاجر الجيلاني ولد حمد إلى فرنسا؟ بالرغم من أنه لم يكن يفكر في مغادرة تونس، وإنما أراد إسترجاع أمواله، من " النمس"، فوجد نفسه على متن قارب متوجه إلى إيطاليا "لم أخطط للمجيء إلى هذه البلاد، بل لم يخطر حتى على بالي قبل شهرين من حدوثه، في الحقيقة لم أكن أريده من الأساس، ولكنه حدث في سياق خاص جدا. ملخص الأمر أنه تخلد لي مال بذمة أحدهم وأخبرني بين نسيانه وبين قبول توصيلي نظيره إلى الساحل الإيطالي، لم يكن ترك حقي له واردا، فعزمت على استرداده منه بالقوة. اقنعني أولاد الحلال بأن مشروعي أشد تهورا من هجوم هتلر على روسيا عام 41, فتراجعت، ووافقت عل حل السفر حفظا لكرامتي التي كانت على المحك." ( ص 118 ) نعيد السؤال هل اتخذ البطل القرار؟ أم اتخذ القرار البطل بطلًا له؟ في مواجهة إختزال العالم في التعاقب السببي للأحداث، يقف الصحبي الكرعاني بواسطة الشكل فقط، مع ما تؤكده رواية تريسترام شاندي لسترن : لا تكمن الشاعرية في الفعل، بل تكمن حيث يتوقفُ الفعل، حيث يتكسر الرابط بين العِلّة والنتيجة وحيث يترحّلُ الفكر في حُرّية عذبة خاملة. لأن شاعرية الوجود، تتمثل في ما لا يُمكنُ حسابه رياضيّاً. إنّها في الطرف الآخر من العِلّيّة، إنّها من دون علّة. هكذا يكشف تدخل اللامنطق، والدور الذي يلعبه اللامعقول في قراراتنا، وفي حياتنا. - سُلْطَةُ التافه يكتب كونديرا في فن الرواية " وحدها الرواية أفلحت في اكتشاف سلطة التفاهة الفسيحة والغامضة" يتخذ الصحبي الكرعاني كثيراً من سلطة التافه كحالة أو كفضاء شامل يؤطّر به روايته. يودع الجيلاني ولد حمد في السجن ويحكم عليه القاضي بثلاث سنوات لسبب تافه (لا أود كشفه لما قد يمثل حرقا للأحداث) تقول الشخصية في الفصل التاسع عشر " تكمن مأساتي في أنني مرمي في الحبس، مع أنه لا يوجد إنسان على وجه الأرض يتذكر أصلا ما فعلته، وحتى الذين شهدوا محاكمتي كانوا مجرد فضوليين ولا شك في أنهم قد نسوني بمجرد خروجهم من القاعة" - السخرية وتعطيل الحكم الأخلاقي يكتب كونديرا " السخرية هي البرق الإلهي الذي يكشف عن الغموض الأخلاقي لهذا العالم، وعن عدم اختصاص الإنسان العميق في الحكم على الآخرين. إنها تمثل نسبية الأشيا�� الإنسانية، السعادة الغريبة الناتجة عن اليقين بعدم وجود اليقين". ويضيف في كتابه الوصايا المغدورة «التعطيل المؤقت لإصدار حكم أخلاقي لا يعني أنه عمل لا أخلاقي تقوم به الرواية. إنها أخلاقية الرواية. الأخلاقية التي تقف ضد العادة الإنسانية، التي يتعذّر استئصالها، في إصدار الأحكام فوراً وعلى نحو متواصل ودائم.. عادة إصدار الأحكام قبل، وفي غياب، الفهم. من وجهة نظر حكمة الرواية، ذلك الاستعداد المتحمس لإصدار الأحكام هو حماقة بغيضة. الروائي لا يرفض أن يكون الحكم الأخلاقي شرعياً فحسب، بل أنه أيضاً يرفض أن يكون لمثل هذه الأحكام مكاناً في الرواية».
هناك روايات لا تُنسى بسبب حبكتها المتقنة أو أسلوبها البارع، لكن هناك روايات يبقى سر تفردها في شخصياتها التي تنبض بالحياة، وتترك في القارئ بصمة لا تمحى، حتى وإن غابت تفاصيل الأحداث مع مرور الزمن. دفاتر الجيلاني ولد حمد تنتمي إلى هذا الصنف النادر، حيث لا تكتفي بتقديم بطل متفرد، بل تبني فسيفساء من الشخصيات التي تبدو وكأنها انتُزعت من الحياة بكل جنونها وعبثها وواقعيتها التي تلعب على اوتار الخيال.
هذه ليست مجرد حكاية بطل، بل رواية أجيال تؤرخ لمن لم يكن لهم صوت مسموع في الرواية التونسية، لتنقل لنا تاريخ عائلة تنتمي إلى ريف القيروان عبر قرن من الزمان. سر الرواية يكمن في بساطة حكاياتها، لكنها بساطة أصيلة، تمنح النص قوته وتأثيره العميق.
في شهر رمضان، قضيت وقتًا ممتعًا مع الجيلاني ولد حمد، هذا الدون كيشوت التونسي، الذي جعلني أتنقل بين الدهشة والتأثر، وصولًا إلى الضحك الصاخب على بعض المواقف التي رسمها الكاتب ببراعة. لقد كانت الرواية أشبه بمسلسل يومي، حيث نجحت السطور في خلق عالم حي يتجاوز حدود الورق.
سيكون الصحبي الكرعلاني مستقبلا أمام تحدٍّ صعب، فتميز عمله الأول والفريد يضعه أمام مسؤولية كبيرة إن أراد تجاوزه. لكن حتى لو بقيت دفاتر الجيلاني ولد حمد عمله الوحيد، يكفيه أنه كتبها ليحفر اسمه بين أفضل الكتاب التونسيين الحاليين.
أتمنى أن تجد هذه الرواية صداها خارج تونس، لأنها تستحق أن تُقرأ على نطاق أوسع.
2.5⭐️ أسلوب الكتابة جيد ووجدتني أضحك في الكثير من المواقف أحببت الإقتباسات والإسقاط التاريخي غير أن كثرة الشخصيات والحكايات المبعثرة جعلتني أهمل الكتاب في الصفحة 196 ليس نوعي المفضل من الروايات
من عادتي عند قراءة كتاب او مشاهدة فيلم ان لا اتابع اي فيديو يتحدث عنه للحرص على تكوين رايي الخاص و المحايد .
بدات قراءة هذا الكتاب دون علم مسبق عنه او عن احداثه فوجدت نفسي اشد اليه منذ صفحاته الاولى و ظننت الى غاية انتهائي منه امس انا الراوي شخصية حقيقية و انا الجيلاني ولد حمد شخص حقيقي فعلا .. و لكن ذهلت و صعقت حين شاهدت فيديو للكاتب يأكد ان كل القصة من نسج خياله و انه كان شاهدا فقط على اختفاء قرية "اولاد حمد" من جراء بناء السد فقرر ان يكتب عنها !
يا للروعة ويا لجمال هذه التغريبة التي مرت بنا عبر اجيال و اجيال .. شكرا الصحبي الكرعاني على هذا الكتاب و شكرا لانك وثقت تاريخا كان مقدرا له ان يختفي في غياهب النسيان لولاك تاريخ قرية "اولاد حمد" ..
This entire review has been hidden because of spoilers.
اعلم ان المقارنة صعبة. لكن اعتقد ان رواية دفاتر الجيلاني اول رواية واقعة سحرية تأسرني بعد رواية مائة عام لماركيز. بين واد زرود و كدية مريم و محطة سيدي سعر و معتمدية نصر الله و على مدار ستة اجيال بلغة مستحدثة تجمع بين المعاني البدوية و بلغة عربية و تقتحكها مقاصد فرنسية نجح الصحبي في رسم نص متكامل يُبكي و يٌضحك بين ثنايا احداث تاريخية. رواية غريبة و جميلة ظُلمت و حُرم من لم يطالعها من متعتها.