يفتح الفيلسوف طه عبد الرحمن، في الكتاب الذي بين يديك، آفاقَ "التفكّر" في "السيرة النبوية"؛ فبعد أن كشف حدود المحاولة المنطقية لابن النفيس والمحاولة التاريخية لابن خلدون، عَرَض مقاربته الأخلاقية المتميزة؛ إذ اتَّبَع فيها طريق "التأويل" في بيان كيف أن" السيرة النبوية" ليست مجرد نموذج أخلاقي متفرّد لا تنفد دلالاته العملية، وإنما هي الأساسُ الثابت الذي ينبغي أن يُبنى عليه عموم الأخلاق، قيمًا وأفعالًا وأحوالًا؛ وانتهى إلى إثبات أن "تتميم صالح الأخلاق" الذي تحدّدت به "الدعوة النبوية" ليس -في الحقيقة- الإتيانَ بقيم إضافية من رتبة القيم السابقة، وإنما هو تزويد الأخلاق الصالحة بالقيم المُثلى والقواعد الأولى التي تُؤسّسها، وتَـمدّها بالمشروعية.
طه عبد الرحمن (من مواليد عام 1944 بمدينة الجديدة المغربية)، فيلسوف معاصر، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. ويعد طه عبد الرحمن أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية سبعينيات القرن الماضي. تلقى طه عبد الرحمن دراسته الابتدائية بمدينة "الجديدة"، ثم تابع دراسته الإعدادية بمدينة الدار البيضاء، ثم بـجامعة محمد الخامس بمدينة الرباط حيث نال إجازة في الفلسفة، واستكمل دراسته بـجامعة السوربون، حيث حصل منها على إجازة ثانية في الفلسفة ودكتوراه السلك الثالث عام 1972 برسالة في موضوع "اللغة والفلسفة: رسالة في البنيات اللغوية لمبحث الوجود"، ثم دكتوراه الدولة عام 1985 عن أطروحته "رسالة في الاستدلال الحِجَاجي والطبيعي ونماذجه". درَّس المنطق وفلسفة اللغة في جامعة محمد الخامس بالرباط منذ 1970 إلى حين تقاعده 2005. وهو عضو في "الجمعية العالمية للدراسات الحِجَاجية" وممثلها في المغرب، وعضو في "المركز الأوروبي للحِجَاج"، وهو رئيس "منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين" بالمغرب. حصل على جائزة المغرب للكتاب مرتين، ثم على جائزة الإسيسكو في الفكر الإسلامي والفلسفة عام 2006. تتميز ممارسته الفلسفية بالجمع بين "التحليل المنطقي" و"التشقيق اللغوي" والارتكاز إلى إمدادات التجربة الصوفية، وذلك في إطار العمل على تقديم مفاهيم متصلة بالتراث الإسلامي ومستندة إلى أهم مكتسبات الفكر الغربي المعاصر على مستوى "نظريات الخطاب" و"المنطق الحجاجي" و"فلسفة الأخلاق"، الأمر الذي جعله يأتي بطريقة في التفلسف يغلب عليها التوجه "التداولي" و"الأخلاقي".
السيرة النبويّة ليست أحداث تاريخيّة لها تسلسل منطقيّ بل هي آيات بيّنات، باطنها القيم، يتفكّر بها المؤمن فيتخلّق بعبارة أخرى، السيرة أساس مُؤسِّس للأخلاق لا سرد وقائع
[تلخيص المؤلف أواخر الفصول الثلاثة] -1- ابن النفيس، وإن توسّل بطريق «التفكر»، في إثبات حقائق السيرة، فإنه جمد لأسباب ظرفية على ظاهر هذه الحقائق؛ فلم ينفتح على آفاقها المعنوية، فضلا عن أن ينفذ إلى أغوارها الروحية، بل ردها إلى أسباب تمتد إلى اعتدال المزاج الذي اختص به خاتم النبيين، بحيث بدت أخلاقه وكأنها عبارة عن طباع أصلها من «الغريزة»، لا، كما يجب في حقه، عبارة عن خصال أصلها من الفطرة -2- ابن خلدون، توسل بالتعليل التاريخي الفلسفي لـ«السيرة النبوية» شابه اضطراب شديد في مفاهيمه؛ فمفهوم «الفطرة» حمل على معنى عموم الاستعداد في النفس ومعنى «خصوص الاستعداد لقبول الخير»، ومعنى خاصية للحيوان؛ كما حمل مفهوم «العقل»، هو الآخر، على معان عدة هي: «العقل الفلسفي» و«العقل الشرعي» و«العقل النبوي»؛ واستُعمل مفهوم «العصبية» للدلالة على أنواع مختلفة من الالتحام؛ لكن يبقى أن الغالب في هذا الاستعمال هو «العصبية» بمعنى: النُّعرة -3- ولما كان أصل «النُّعرة» هو «الغريزة» وكانت غايتها هي «التملك»، فقد فوت مفهوم العصبية على ابن خلدون أن يتبين الأساس الميثاقي لـ«الرابطة الاجتماعية»، والخصوصية الوجوبية لـ«القيم الأخلاقية»، بحيث انتهى إلى ردّ «الرابطة الاجتماعية» و«القيم الأخلاقية» إلى حشد من الأحوال والأحداث الطبيعية؛ فبدت السيرة النبوية في هذا السياق، على الرغم مما لاحظه فيها من آيات كبرى، وكأنها مرودة إلى جملة من الظواهر والطبائع بينما اختصاص رسول الله ﷺ بالقرآن الكريم هو بالذات، اختصاصه ب «کمال الأخلاق»، وأن هذا الاختصاص يندرج فيما أثبته له ميثاق الاختصاص، إذ جعله أعبد النبيين (بمعنى أكثرهم عبودية وأصدقهم وأعلمهم وأشهدهم أكبرهم شهادة) وآخرهم؛ وقد تولى رسول الله ﷺ تخليق أصحابه على هذا الكمال الأخلاقي؛ إذ ارتقى بعقولهم، بالنسبة لخلق «الصدق من رتبة «التوحيد» إلى رتبة «التعبيد» «بمعنى العبودية الله»؛ فـ«التعبيد إنما هو كمال الصدق»؛ كما انتقل بإراداتهم، بالنسبة لخُلق «الأمانة»، من رتبة «العدل» إلى رتبة الفضل»؛ فـ«الفضل» إنما هو كمال الأمانة ولا ارتقاء بغير ابتلاء، وقد تمثل الابتلاء الأول الذي تعرض له الصحابة واقتضاه تخليق رسول الله لعقولهم على كمال الصدق في «صلح الحديبية»؛ إذ كانوا مطالبين بأن يُسلموا أمر هذا الصلح، شروطا وبنودا، لرسول الله، حتى في جوانبه التي لا تقبلها عقولهم بالمرة أو التي يعقلونها بخلاف ما يعقلها؛ ولئن كانت «أفكار» بعضهم لم تطق هذا التسليم، فقد تداركت «أعمالهم» ما فات أفكارهم، حيث إنهم بادروا إلى الاقتداء برسول الله ﷺ فيما ترتب على هذا الصلح من أعمال كالتحلل من الإحرام، نحرا وحلقا كما تمثل الابتلاء الثاني الذي تعرض له الصحابة واقتضاه تخليق رسول الله لإراداتهم على كمال «الأمانة» في «تقسيم مغانم حنين»؛ إذ كانوا مطالبين بأن يفوّضوا أمر هذا التقسيم لرسول الله، حتى في العطاءات التي لا تريدها نفوسهم بالمرة أو يريدونها بغير الوجه الذي يريدها؛ ولئن كانت إرادات بعضهم لم تطق هذا التفويض، فقد تداركت «محبتهم» لرسول الله ﷺ ما فات إراداتهم، حيث إنهم استغنوا بذاته الشريفة، قسمة، وبادروا إلى تحرير ما في أيديهم من سبي هوازن
[اقتباسات مُختصرة]
عالمُ (الباطنِ والقيمةِ والحقيقةِ)، مقابلَ عالمِ (الظاهرِ والواقعِ والطبيعةِ)، هو عالمُ المعاني الوجوبيّةِ الائتمانيّةِ مقابلَ المباني الوجوديّةِ الامتلاكيّة . الفرقُ بين الأخلاقِ والدينِ فرقٌ بين ظاهرِ الشيءِ وباطنه؛ فالأحكامُ الشرعيّةُ ظاهرُ القيمِ الأخلاقيّة، والقيمُ الأخلاقيّةُ باطنُ الأحكامِ الشرعيّة . التفكيرُ عملٌ صناعيٌّ متكلّفٌ للعقل، والتفكّرُ عملٌ تلقائيٌّ مسدَّدٌ بالقيم، والتدبّرُ تفكّرٌ مخصوصٌ في آياتِ الله (النصّ الإلهي)؛ لذا فالآيةُ: ﴿أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالُها﴾ دالّةٌ على أنّ العقلَ في القلب . القلبُ يختصّ بالعقلِ كاختصاصِ الأذنِ بالسمع، وهو للصدرِ كالعينِ للبدن؛ وبصرُ العينِ يقابلُ بصيرةَ القلب. واستُعمل الإبصارُ للمعنيين لأنّ العقلَ نور: تتلقّى العينُ النورَ فيحوّله الدماغُ صورًا، ويتلقّى القلبُ النورَ فيحوّله معانيَ، يجعلُ منها العقلُ مدركاتٍ ذهنيّة. عمى العقلِ أشدّ من عمى البصر؛ إذ نورُ العقلِ أصلُ نورِ البصرِ وشرطُه، وبدونه لا إدراك. لذلك يكونُ النظرُ الحقُّ بنورِ العقل؛ فالبصرُ يرى الخَرق، والعقلُ يُبصرُ الاتساقَ الباطن . يظهرُ من حادثةِ شقِّ صدرِ النبيّ، ومن الآيتين: ﴿أم على قلوبٍ أقفالُها﴾ و﴿ألم نشرحْ لك صدرَك﴾، أنّ القلبَ المفتوحَ هو الذي يتدبّر، وأنّ الشرحَ يتضمّن الشقَّ؛ فالقلبُ القاسي لا ينشقّ، وتتقاربُ معاني الانفتاحِ والانشراحِ والانشقاقِ في هذا السياق. واستخراجُ العَلَقةِ، وهي قطعةٌ جامدةٌ من القلب، يدلّ على أنّ جمودَ القلبِ يفقدُه نورَه ويصيبه بالعمى . تميّزُ الإنسانِ عن الحيوانِ اهتداؤه بالقيمِ في الفكرِ والفعل؛ فإذا تركها اتّبع الأهواءَ والشهواتِ الصادرةَ عن استعداداتٍ باطنةٍ وميولٍ دفينة، وهي عينُ ما يحكمُ الحيوانَ بطبيعته؛ إذ لا يحكمه إلا الغريزة. فمتى انسلخَ الإنسانُ من القيمِ استولتْ عليه الغريزةُ وصارت مُسيِّرةً لحياته . الصلاةُ تُخلِّقُ العقلَ لتحصيلِ الإشهاد، والجهادُ يُخلِّقُ الإرادةَ لتحصيلِ الاستئمان؛ فلا يعقلُ الإنسانُ حتى يصلّي لافتقاده الصلةَ الإشهاديّة، ولا يريدُ حقَّ الإرادةِ حتى يجاهدَ لافتقاده الصلةَ الاستئمانيّة. وتحقيقُ هاتين الصلتين أساسُ الوحدةِ في كلّ شيء: وحدةِ الذات، ثمّ وحدةِ العالم، مرورًا بوحدةِ الأمّة . قبلَ أن يتّخذَ رسولُ اللهِ قرارَه في بدرٍ بملاقاةِ جيشِ قريشٍ -وكان ثلاثةَ أضعافِ جيشِ المسلمين- استشارَ أصحابَه؛ إذ المقصودُ بأفعاله وأقواله تخليقُهم. وكان تخليقُه لهم في الملاقاة تخليقًا لإرادتهم على مقتضى الائتمان وصلًا وعدلًا؛ فتغدو إرادتُهم موصولةً بتذكّرِ ميثاقِ الاستئمان، وعادلةً بتعلّقها بدفعِ الظلم، ولا ظلمَ أعظمُ من الشرك. ولمّا كان تخليقُه لهم على الائتمان وصلًا وعدلًا من تخليقِ ربّهم، أرادَ اللهُ لهم القتالَ حيث أرادوا الاغتنام؛ فقد خرجوا لاعتراضِ عيرِ قريشٍ العائدةِ من الشام بقيادةِ أبي سفيان تعويضًا عمّا تركوه عند الهجرة، فانفلتت القافلةُ، وجاءهم نفيرُ أبي جهلٍ على غير توقّعٍ في الوقتِ والعدد . رعيُ الغنم تمرينٌ على الأمانة؛ لأنّ الراعي لا يملك ما يرعى، بل يحمل وديعةً لغيره، والوديعةُ توجب الرعاية، والرعايةُ توجب المسؤولية؛ يُعرَض على الإنسان حملُ ما ليس له، ويقبل حفظه والتصرّف فيه بإذن مالكه وردَّه إليه، ويُسأل عن أدائه وتفريطه. ومن ثمّ فالراعي في عزلته، يتعامل مع العالم كلّه، فيرى الشيءَ داخل شبكة علائقه وظروف بيئته الطبيعية، وعبر الحرّيّة العفويّة التي توسّع إرادتُه في الفضاء على مقتضى الفطرة لا على قهر السلطة ولا على تسيّب الغريزة، بهذا يكتسب الرّفقَ والرّحمةَ والحفظَ والانضباطَ والصبرَ واليقظةَ وحسنَ التقدير، للتعامل مع الأحياء، والأشياء، والذات، والله. وتكتمل الأخلاق بالمسؤوليّة؛ فالرّاعي لا يحمل وديعةً ساكنةً، بل كائناتٍ حيّةً متعدّدة الحاجات، فيغدو دائمَ الانتباه، متحمّلًا التبعةَ والمشقّةَ، شاعرًا أنّه مَسؤولٌ عمّا بين يديه. وهذا الإدراك عنده ﷺ أسبقُ وأصفى؛ لأنّ فطرته وقلبه -بالذات بعد شقّ الصدر- حفظ معنى الأمانة، فصار رعيُ الغنم تهيئةً وتدريبًا على حمل الأمانة الكبرى
[تكثيف نقاط رئيسية] -1- تتميم صالح الأخلاق ليس إضافة قيم من نفس الرتبة، بل تزويد الأخلاق بالقيم المُثلى والقواعد الأولى والمشروعية، توصّل لها المؤلف عبر قراءة فلسفية-أخلاقية تدعو للتأويل الائتماني المبني على الميثاق (العهد الإلهي) إطارًا مُلزِمًا للمعنى والعمل. السيرة مشروع تخليقٍ يرفع القيم درجات: الصدق من رتبة التوحيد إلى التعبيد، والأمانة من رتبة العدل إلى الفضل -2- قَصَرَ ابن النفيس القراءة على برهانٍ منطقي جَمَدَ على الظاهر وردَّ الخصال إلى طباعٍ غريزية (اعتدال المزاج)، بدل ردّها إلى فطرةٍ ميثاقية، بينما تذبذبُ دلالات الفطرة/العقل/العصبية عند ابن خلدون فوّتَ الأساس الميثاقي للرابطة الاجتماعية والوجوب القيمي للأخلاق، فردّ السيرة إلى طبائع وأحوال -3- شواهد على التأسيس القِيَمي: في الحديبية، امتحان التسليم (كمال الصدق) بإزاء اشتباه المعقول التاريخي، وفي خيبر: قسْم الغنائم وضبط حصص الجيش معيارٌ لعدالة التوزيع وأمانة التدبير، وحنين: تخيير هوازن بين المال والسبي ثم ردّ السبي إليهم برضا المسلمين، ترجمة عملية لفضيلة الفضل فوق حقّ التمليك -4- قراءات “الطبع/العصبية” تنتهي إلى تفسيرٍ طبيعي-تاريخي، بينما القراءة الائتمانيةُ تعيد السيرةَ إلى المِيثاق: رابطةٌ اجتماعية مُؤسَّسة على وجوبٍ قِيَمي، وقيمٌ تُرقَّى من رتبٍ أدنى إلى أعلى في مدارج الكمال، وتعود السيرة نموذجَ سياسةٍ أخلاقية: تُعلِّم أن الحقّ لا يستغني عن الفضل، وأن تمام الشرع بتعبيدٍ قِيميّ يُزكّي القصد ويَسُوسُ الجماعة بالميثاق
كتاب ذو قيمة ومنفعة عظيمة نظرة عميقة للسيرة النبوية عبر المنهج الائتماني، تأصيل للأخلاق عبر خلقي الصدق والأمانة، وعبرهما نظرة كلية للشريعة الإسلامية العظيمة على صعوبة الكتاب وتعقيد مصطلحاته أنصح به بشدة