ليل الجدَات حكايات تتسع للأسرار والأفراح وروائح الماضي الجميل
خلود الفلاح
بعد " الضجيج" و" للحب" و " الدوائر" و"المرأة الفرح" و" تفاصيل اليوم العادي" قرأت للقاص الليبي محمد المسلاتي هذه الأيام كتابه " ليل الجدَات " الذي يمثل الجزء الأول من كتاب الحكايات ،منشورات مجلس الثقافة العام_ الطبعة الأولى_ 2008 . في " ليل الجدَات" نقرأ حكايات الجد محمد عبد السلام والجدة رحمة علي بزامة الممزوجة بخلطة سحرية للحكي، حكايات كان لها الفضل في شغف محمد المسلاتي بفن القصة القصيرة. لذلك قال في إهداء الكتاب"أعيد إليهما حكاياتهما المسكونة بلحظاتهما وأسرارهما، وأفراحهما، وأماكنهما، وأنفاسهما..في محاولة لاستعادتهما مع كل الذين شاركوهما، وتقاسموا معهما زمناً مر وما يزال مندساً فينا يحَرك أعماقنا، ويشكل ذاكرتنا، إلى أن نصير بزماننا، وكل تفاصيلنا حكايات يرويها من يجئ بعدنا". حكايات "ليل الجدَات" تتسع للأسرار والأفراح والشوارع والأزقة وللبيت القديم وللعفاريت ولتحذيرات الجدة الدائمة ولسعدة العرافة وللقميص الذي ضاع ليلة العيد وللأصدقاء وللكثير من التفاصيل التي يستحضرها الكاتب وكأنها حدثت بالأمس القريب جداً أو كأنه يدون ذاكرة الجدة الشفهية. و عن ذلك يقول المسلاتي " من أصعب المغامرات أن نحيا طفولتنا مرتين، ونعيش حياتنا أكثر من مرة، وهذا ما تفعله بنا الحكايات. والغريب هو أن ذاكرة الطفولة لم تبهت، أو تنطفئ، بل أشعر أنها تزداد اشتعالاً وتوهجاً كلما تقدمت سنوات العمر وكأن الشيخوخة تقودنا إلى الطفولة من جديد".
حكايات حكايات المسلاتي ذاكرة لعدة تجارب إنسانية تتخطى حدود المكان لذاك الصغير لتشتمل على عوالم مختلفة بمضي الزمن. وفي ذلك يقول القاص محمد المسلاتي "لم أشأ أن أصنف هذه النصوص إلا تحت مسمى حكايات ، بالرغم من أن بعض الأصدقاء رأوا في بعضها عملاً روائياً متكاملاً، والبعض رأوا فيها قصصا قصيرة مستوفية عناصر القصة. ويضيف سأترك التصنيف للنقاد والقراء وسأكتفي بسردها لتأخذ الشكل الذي يناسبها". ومن هذه الحكايات: البيت والأشباح_العرافة_ نحو السماء_ رجل الأشياء العتيقة_ العجوز والقميص_ نجمة_ الزائر_ سر المزمار_ حصان بلا رأس _ خالتي للاهم _ الجنية_ العفريتة.
كيف بدأت الحكايات؟ في العام 1973 كتب القاص محمد المسلاتي للإذاعة المسموعة برنامج عنونه بــ " الحكايات" وهذه الحكايات كما قال لي عنها المسلاتي في حوار لي معه: ليست مجرد تاريخ لمدينة بنغازي بل هي محاولة لاستعادة كل تفاصيل اللحظة وملامح الوجوه والتفاعلات الاجتماعية لأولئك البشر الذين سكنوا بالمدينة وسكنتهم، محاولة لاستعادة إيقاع الحياة داخل النص. الحكايات لم تتوقف عند مدينة بنغازي ، فهي لا تتأطر بالبعد الجغرافي لأنها تنطلق إلى الشخصيات التي عاشت وتعيش بهذه المدينة، تفتش عبر أعماقها وترحل مع ذكرياتها. فكل حكاية تفضي إلى أخرى وكل شخصية تفضي إلى شخصية أخرى وإلى مكان آخر وزمن آخر، فمن كل حكاية تتولد عشرات الحكايات في عالم لا متناهي بما يحقق الاستمرارية للنص ولزمن الحكاية. لقد عشت مع الحكايات زمنها وتخيلت صورة الجدة بملامحها الصارمة ومعتقداتها التي مازالت تعيش بيننا في القرن الواحد والعشرين، كل شئ في هذه الحكايات ممتع ويحفز على انتظار الجزء الثاني منها.
كاتب وقاص له براعته وهو يراقب حركة أصابعه التي يموسق نبضها تموجات قلمه الحاملة بزهو لحظاته القصّصية، وأحلام أبطاله.. يكتب وهو يتسلح بذاكرة فتية صافية، تتوّجها لغته الشعرية،ببلاغتها المبتكرة الراقية، وجمله القصصية المتقنة والرشيقة، وموضوعاته التي لا تعكس الواقع، بلْ هي الواقع نفسه بكلّ تفاصيله، لذلك هو يحبّ قصصه، لأنّها صورة للحياة التي يحبّها، ويحبّ الكتابة، لأنّها متنفسه، والمرادف للحياة، وحياة المسلاتي بدون الكتابة موت.. بلْ أقسى أنواع الموت قلت عنه وأنا أكتب عن كتابه كتاب الحكايات إنه لديه إصرار على الحياة ..وعالمه جميل في الكتابة وهو يراهن على دفء وشاعرية زمنه القادم . كما له أسلوبه في الحياة، له أسلوبه في الكتابة،ولهذا رآه النقاد من المؤسّسين لأسلوب في القصّة القصيرة. يقول الكاتب والناقد د. الصيد أبو ديب بدأ تطور المدّ الحداثي في القصّة القصيرة خلال حقبة السبعينات على يد محمّد المسلاتي والزنتاني وآخرين . وقال عنه الكاتب والناقد زيد خلوصي إنّ ما يلفت النظر في قصص المسلاتي، إنّه يعالج أفكاراً جديدة لمْ تطرقها القصّة العربية .
صدر له .الضجيج قصص قصيرة 1977م. .الدوائر قصص قصيرة 1981م. .المرأة الفرح قصص قصيرة 2004م. .تفاصيل اليوم العادي قصص قصيرة 2006م. .ليل الجدات ج1 من كتاب الحكايات الرواية السيرة الذاتية2008م. معدّ للطبع . التماهي قصص قصيرة .اشتهاءات الدم والرماد قصص قصيرة .دائرة النفوس قصص قصيرة جدا
تربطني صلة حميمة بكلّ الكتب التّي تتحدّث عن بنغازي في الماضي .. يغمرني شعور حميميّ وعاطفيّ ..حدثّ ذلك لي مع سيرة خليفة الفاخري وهُنا .. الكتاب لطيف وخفيف, يتحدث فيه الكاتب عن قصص من طفولته وجدّيه كان يُمكن أن يكون أثرى وأجمل .. لو كان مكتوب بطريقة وحبكة أفضل .. مثلًا لو كتب بطريقة أدبية أفضل وخلّى الكتاب يكون رحِب بتفاصيل عن بنغازي هذك الوقت لكان أحلى.
كتاب خفيف ومميز خاصة لليالي الشتاء الباردة الموسّمة بالأرق. حكايات من مدينة بنغازي القديمة بشكل عام ومن شارع ومنزل الكاتب بشكل خاص، نقلتنا لتلك الحقبة الغريبة التي عادة ما يقال عنها إنها أفضل من الحقبة الحالية فالناس نفوسهم كانت أزكى وأطيب. في حقيقة الأمر ستردد بعد قراءة هذه القصص وستفاجأ بالخرافات المهولة التي كانوا يؤمنون بها خاصة النساء، فلا تعلم أتفضلها على الحاضر بطيبة أولئك الناس أم تفضل الحاضر؟ رأيته محاولة لطيفة من الكاتب تعويض مكان جدتي التي تركتنا من مدة بسيطة وتوجهت لمدينة طرابلس. أنصح به عشاق الفلكلور وعشاق ذلك الزمن الذي لطالما ربطناه بجمال نفوس الناس وجمال بساطة المدينة القديمة ومعمارها.