لقد تَرَكَ العظماء من الآباء لأبنائهم شِرْعَةً يسيرون وفقها ويستنيرون بدربها ويلتقمون من وقفاتها وتمخُّضاتها عبرًا يهتدون إليها. فلا يملكُ الأبناء سوى أنْ يولّوا وجوههم قِبَل هذه الدروس التي خلّدتها الأيام في صفحة السماء، وحَفِظَت الكتب أسماء أصحابها وصورهم على شواهدها وشواهد المكتبات، علّهم ينبغون من مصايدها التي تُغني عقل المُصطاد عن أي مَعينٍ آخر. ولكن المتمعّن في سير العباقرة من المفكّرين والأدباء؛ فلن يجد مناصًا من أن يقرأ عن معاناتهم التي تَرْتَجُّ حيوات الآخرين إزاءها، وسيجد أن الدهرَ يشُحُّ في سبيل أن يعطي أصحابها شيئًا من رغد العيش وسكونه، فإذا كنتَ تقرأ دائمًا في الكتب عن أن النعيمَ لا يُدركُ بالنعيمِ؛ فهذه العبارة متمَثَّلَةٌ -على وجه الدقّة- في تجلّيات حيواتهم ونتوءاتها، تبرز في كل منحى وفي كل تجربةٍ وفي كل معضلةٍ يُمتَحَنُ فيها هذا الأديب أو هذا المفكّر.
إذا كان على الدهر أن يضُنَّ ببعض مباهجه على مثل هؤلاء العِظام؛ فما ذنب هؤلاء المساكين وهم ينفذون بجلودهم وعقولهم من معرّة هذي الدنيا؟، يُبلون في سبيلها أنبلَ ما في أنفسهم، وتُخْلِقُ أبدانهم في سبيل الشَضَفِ الذي تعِدهم به، وتودُّ أنفسهم لو أن لها حياةً أخرى من الإبداع الذي خَطَفتهُ منهم في الحياة الأولى. ولكن حسبنا أنّ هذه الدنيا لا تُقرِّظ في صفحاتها إلا لأهل المشقّة والضنك، الذين ظلّت البهجةُ في سبيل الإقبال عليهم، فأدركوا الكثير من مظانّ الأعمال الشاقة، وأبصروا الحياة فوق قدرة المبصرين من البشر، فأضحت تأمّلاتهم منائر يهتدي بها البشر من بعدهم.
أحسبُ أن المؤلف في هذا الكتاب أحْسَنَ وجوَّد عنان موضوعه باختيار المقالات التي تتلاءمُ مع مضمون الكتاب، ولم يَدُرْ في خاطري -وأنا أقرأ الكتاب- سوى مقولة الندوي: "الاختيار مثل التأليف، أو أصعب منه، فإنه يتجلّى فيه ذوق المؤلف، ودقّة نظرهِ، ولُطف حِسِّه".
15-11-2024